ترك برس

استعرض الكاتب في صحيفة «يني شفق» عبدالله مراد أوغلو، في مقال له، مؤشرات متزايدة على الضغوط النفسية التي يتعرض لها الجنود الأمريكيون المنتشرون في منطقة الخليج، معتبراً أن ما يجري يكشف أزمة أعمق تتعلق بدوافع الحرب الأمريكية على إيران، وبشعور بعض الجنود بأنهم يُدفعون إلى القتال من أجل مصالح إسرائيلية لا من أجل الولايات المتحدة.

يشير مراد أوغلو إلى أن تاريخ «اضطراب ما بعد الصدمة» يعود إلى الحرب الأهلية الأمريكية، إلا أن المرض دخل الأدبيات الطبية بصورة رسمية في بداية ثمانينيات القرن الماضي. وقد تحولت الاضطرابات النفسية التي عانى منها الجنود الأمريكيون بعد عودتهم من حروب فيتنام وأفغانستان والعراق إلى الحياة المدنية إلى موضوع تناولته أفلام عديدة.

ويرى الكاتب أن هذه الاضطرابات لا ترتبط فقط بالدفاع عن الولايات المتحدة، بل ظهرت بصورة لافتة في سياق الحروب والعمليات العسكرية التي خاضتها واشنطن خارج أراضيها. ويشير إلى أن الإفراط في تناول الكحول، والإدمان، والاكتئاب، والأرق، والأفكار الانتحارية وغيرها من المشكلات الصحية ارتبطت في كثير من الحالات باضطراب ما بعد الصدمة، وأنها تفاقمت بصورة خاصة بعد حرب فيتنام، وأدت إلى مشكلات في الحياة الأسرية والمهنية للجنود.

ويلفت مراد أوغلو إلى أن الولايات المتحدة شهدت خلال ستينيات القرن الماضي احتجاجات جماهيرية واسعة ضد حرب فيتنام، وكانت ردود الفعل الشعبية شديدة إلى درجة دفعت بعض الجنود الذين شاركوا في الحرب إلى إخفاء حقيقة وجودهم في فيتنام بعد عودتهم إلى البلاد.

ويستشهد الكاتب بفيلم «رامبو: الدم الأول»، الذي عُرض في بداية ثمانينيات القرن الماضي، لتوضيح طبيعة ردود الفعل التي واجهها الجنود الأمريكيون المشاركون في حرب فيتنام لدى عودتهم إلى الحياة المدنية، فضلاً عن فيلم «فصيلة» للمخرج أوليفر ستون، الذي تناول التناقضات والصراعات الداخلية التي عاشها الجنود الأمريكيون في فيتنام.

وانطلاقاً من هذه الخلفية، يقول مراد أوغلو إن «الحروب البرية» ظلت دائماً موضوعاً مثيراً للجدل في الولايات المتحدة، وشيئاً تسعى واشنطن إلى تجنبه قدر الإمكان. ويرى أن أحد أسباب لجوء الولايات المتحدة إلى شن «حرب جوية» ضد إيران بدلاً من عملية برية يعود إلى هذه الحساسية التاريخية تجاه إرسال القوات الأمريكية للقتال على الأرض.

لكن الكاتب يرى أن «الصهاينة» يبذلون كل ما في وسعهم لدفع الولايات المتحدة نحو خوض حرب برية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على الصعوبات التي يواجهها الجنود الأمريكيون المنتشرون في منطقة الخليج.

ويشير مراد أوغلو إلى أن أوضاع الجنود العاملين على متن حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن» أصبحت موضع اهتمام خلال الفترة الأخيرة. ويبلغ عدد أفراد طاقم الحاملة نحو 5 آلاف عسكري، وهي موجودة في البحر منذ قرابة تسعة أشهر، في ظروف يقول الكاتب إنها تسببت في تفاقم المشكلات التي يعاني منها الجنود.

ويذكر أن الجنود يعانون، وفق الادعاءات المتداولة، من نقص في التغذية وفقدان الوزن ونقص المياه النظيفة، إلى جانب إبقائهم في حالة تأهب مستمر، ما أدى إلى بروز مشكلاتهم الصحية والنفسية بصورة واضحة. كما تحدثت تقارير عن وقوع اضطرابات على متن السفينة، بل وعن محاولة بعض الجنود الانتحار.

وفي 16 أغسطس/آب، أوردت صحيفة «الغارديان» ردود فعل عائلات الجنود بشأن هذه الأوضاع. وفي اليوم نفسه، نشر تريتا بارسي، نائب رئيس «معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول» ومقره واشنطن، تدوينة على حسابه في منصة «إكس»، تناول فيها كتابات وعبارات خُطّت على أجنحة طائرة حربية أمريكية متمركزة في منطقة الخليج.

ويقول مراد أوغلو إن هذه الكتابات تعكس الحالة النفسية للجنود الأمريكيين الموجودين في منطقة الحرب. ونقل عن بارسي قوله: «أُرسلت إليّ هذه الصورة من الميدان. هذه رسائل خطها الجنود الأمريكيون في الخليج العربي على غبار جناح إحدى الطائرات الأمريكية».

وتضمنت الكتابات عبارات من قبيل: «كن غوي مطيعاً وافعل ما تقوله لك إسرائيل»، و«عملية غضب إبستين»، إضافة إلى عبارة «اتفاق السلام رقم 64 في الطريق... كل هذا من أجل الأراضي المقدسة».

ويرى الكاتب أن هذه الرسائل لافتة للغاية لأنها تكشف الطريقة التي يفسر بها بعض الجنود الأمريكيين الوضع الذي يجدون أنفسهم فيه. ويقول إن الجنود الذين كتبوا هذه العبارات يدركون أن الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة ليس من أجل الأمريكيين، بل «من أجل إسرائيل»، مضيفاً أن مضمون رسائلهم يمكن اختزاله في سؤال: «لماذا يتعين علينا أن نموت من أجل إسرائيل؟ ولماذا نحن هنا؟».

ويتوقف مراد أوغلو عند مصطلح «غوي» الوارد في الرسائل، موضحاً أنه يعني «غير اليهودي». ويقول إن المصطلح «غوي»، أو جمعه «غوييم»، يستخدم في الأدبيات الصهيونية للإشارة، وفق وصفه، إلى مجموعات من البشر يُفترض أنها أدنى مرتبة ومهمتها خدمة اليهود الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «الشعب المختار».

كما يربط الكاتب بين عبارة «عملية غضب إبستين» واسم العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران. ويشير إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية أطلقت على الهجمات اسم «Operation Epic Fury» أو «عملية الغضب الملحمي»، بينما يرى أن تغيير الاسم في الكتابات التي ظهرت على جناح الطائرة إلى «عملية غضب إبستين» يحمل إيحاءً بأن إسرائيل تدفع الولايات المتحدة إلى الحرب عبر الابتزاز.

وينقل مراد أوغلو عن بارسي قوله إن أحد الجنود شرح له دلالة هذه الرسائل، قائلاً إن ما لا يفهمه الأشخاص في وسائل الإعلام عند مقارنة هذه العملية بصراعات سابقة هو أن «هذه العملية لا تقف وراءها أي معنويات»، مشيراً إلى أن ذلك يمثل فارقاً كبيراً بالنسبة إلى جنود يتم إرسالهم إلى أماكن لا يريدون الذهاب إليها، وإلى أجل غير محدد.

ويشرح بارسي بدوره ما تعنيه بالنسبة إليه الرسائل المكتوبة على جناح الطائرة، قائلاً إن الحرب التي لا تقف وراءها معنويات لا يكون الانتصار فيها سوى إنهائها، وإنه «لا يوجد شكل آخر من أشكال الانتصار في حرب ظالمة إلى هذا الحد».

ويخلص الكاتب إلى أن صورة المأزق الذي تنزلق إليه الولايات المتحدة تحت قيادة إسرائيل تبدو، بحسب تعبيره، واضحة وضوح الشمس. ويرى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم تأكيده أنه لن يعتذر عن شن الحرب على إيران أو عن ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، يواجه واقعاً مختلفاً.

ويقول مراد أوغلو إن ترامب لا يستطيع تحديد كيفية إنهاء الحرب التي بدأها من أجل إسرائيل، ولذلك يواصل تغيير خطابه ومحاولة إدارة الوضع حتى انتخابات التجديد النصفي. ومع اقتراب موعد الانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني، يرى الكاتب أن الوقت المتاح أمام ترامب يضيق بصورة متزايدة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!