ترك برس

تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، تداعيات التغير المناخي المتسارعة على المنطقة العربية، التي تعد من أكثر مناطق العالم تعرضًا لارتفاع درجات الحرارة وشح المياه وتدهور النظم البيئية.

يرصد أويصال، في مقاله بصحيفة الشرق القطرية، أبرز مظاهر الأزمة، من موجات الحر والجفاف والعواصف الترابية والفيضانات إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، وانعكاساتها على الصحة والطاقة والزراعة والأمن الغذائي.

كما يناقش التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية لهذه التحولات، بما في ذلك تنامي الهجرة والفقر والضغوط على البنية التحتية واحتمالات تصاعد النزاعات حول الموارد المائية، ويستعرض مجموعة من الإجراءات اللازمة لتعزيز قدرة الدول العربية على التكيف مع التغير المناخي والحد من آثاره. وفيما يلي نص المقال:

يُعدّ الاحتباس الحراري من أخطر التحديات التي يواجهها العالم المعاصر، وتبرز آثاره بوضوح في المنطقة العربية التي تعاني أصلًا من ارتفاع درجات الحرارة، وندرة المياه، وهشاشة النظم البيئية. ومع تسارع التغير المناخي، أصبحت هذه الظروف أكثر تطرفًا وأقل قابلية للتنبؤ، إذ تتزايد موجات الحر والجفاف والفيضانات والعواصف الترابية، إلى جانب ارتفاع مستوى سطح البحر وتراجع الموارد المائية. ولا تقتصر هذه التحولات على الجانب البيئي، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والمجتمع والأمن والاستقرار السياسي، ما يجعل التغير المناخي قضية جيوسياسية بقدر ما هو قضية بيئية.

وتُعدّ موجات الحر من أكثر مظاهر الاحتباس الحراري وضوحًا في المنطقة، حيث بات فصل الصيف أطول وأكثر شدة، وتسجل بعض المدن درجات حرارة قد تهدد صحة الإنسان. وتزيد هذه الموجات من مخاطر ضربات الشمس والأمراض والوفيات، خصوصًا بين العاملين في الأماكن المفتوحة وكبار السن والفئات محدودة الدخل التي تفتقر إلى وسائل تبريد كافية. كما يؤدي الاعتماد المتزايد على أجهزة التكييف إلى ارتفاع الطلب على الكهرباء، ما يضع شبكات الطاقة تحت ضغط متزايد ويضاعف احتمالات الانقطاعات، كما شهدت بعض دول المنطقة، ومنها العراق وتونس. كذلك تؤدي الحرارة الشديدة والجفاف إلى زيادة مخاطر حرائق الغابات، وهو ما ظهر في السنوات الأخيرة في دول مثل الجزائر والمغرب وتونس.

وتواجه الدول العربية أيضًا أزمة متفاقمة في المياه، إذ تُعدّ من أكثر مناطق العالم معاناةً من شح الموارد المائية. فارتفاع درجات الحرارة يزيد معدلات التبخر، بينما تؤدي التقلبات في أنماط الأمطار إلى تراجع انتظام تدفقات الأنهار ومستويات الخزانات والمياه الجوفية. وينعكس ذلك بصورة مباشرة على الزراعة والأمن الغذائي، خاصة أن القطاع الزراعي يعتمد بدرجة كبيرة على المياه. كما يؤدي الإفراط في الري وسوء إدارة الموارد إلى تملّح التربة وتراجع خصوبتها وانخفاض الإنتاج. ومع تقلص المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء، قد يزداد الفقر في المناطق الريفية، وتتصاعد الهجرة نحو المدن المكتظة وخارج البلد، الأمر الذي يمكن أن يفاقم البطالة والفقر الحضري والضغوط الاجتماعية ويزيد من احتمالات عدم الاستقرار. كما أن ازدياد موجات الجفاف وتدهور الغطاء النباتي يساهمان في اتساع نطاق العواصف الترابية، التي تؤثر في الصحة العامة وحركة النقل والطيران والإنتاج الاقتصادي. وتتحول هذه الظواهر، عندما تتكرر وتشتد، إلى أعباء مالية إضافية على الحكومات وتفرض استثمارات أكبر في البنية التحتية والصحة والحماية المدنية والتكيف المناخي.

ومن جهة أخرى، يسهم التغير المناخي في زيادة مخاطر السيول والفيضانات المفاجئة، لأن الهواء الأكثر دفئًا يستطيع الاحتفاظ بكميات أكبر من الرطوبة، ما قد يؤدي إلى هطول أمطار غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة. وتزداد خطورة ذلك في المدن الجافة التي لم تُصمَّم بنيتها التحتية للتعامل مع العواصف الشديدة. وقد شهدت بعض دول الخليج خلال السنوات الأخيرة فيضانات لافتة، بينما أظهرت كارثة درنة في ليبيا عام 2023 كيف يمكن للأمطار الغزيرة أن تتحول إلى كارثة كبرى عندما تتزامن مع ضعف السدود والبنية التحتية وسوء إدارة المخاطر.

كما يؤدي ذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر إلى تهديد المدن الساحلية الكبرى، مثل الإسكندرية والبصرة والدوحة، ودبي وجدة وبيروت. وقد يسبب ارتفاع البحر تآكل السواحل، وزيادة ملوحة المياه الجوفية، وإلحاق أضرار بالموانئ والمنشآت الحيوية، فضلًا عن زيادة تأثير العواصف البحرية. وتبرز دلتا النيل بوصفها من أكثر المناطق حساسية، نظرًا لتركز نسبة كبيرة من سكان مصر وأراضيها الزراعية وأنشطتها الاقتصادية فيها. ومن ثم فإن ارتفاع مستوى البحر قد تكون له تداعيات محلية وإقليمية ودولية على التجارة والطاقة والأمن الغذائي.

قد تسبب ذوبان الغطاء الجليدي على البحار أيضًا كوارث في المناطق الواقعة عند سفوح الجبال، كما أظهرت الكوارث الأخيرة في نيبال. وفي الشرق الأوسط، قد يؤدي تفاقم شح المياه إلى زيادة التوتر بين دول المنبع والمصب، وخصوصًا في أحواض النيل ودجلة والفرات ونهر الأردن. وقد تتصاعد الخلافات حول السدود ومشروعات الري وتقاسم المياه، بما يجعل الأمن المائي عنصرًا متزايد الأهمية في العلاقات الإقليمية.

ولا توجد حلول سهلة لهذه التحديات، لكن تحتاج الدول العربية الى أكثر وعيا ونشاطًا في مواجهتها، لأنها من أكثر مناطق العالم تعرضًا لآثار التغير المناخي. ويتطلب ذلك خفض الاعتماد التدريجي على الوقود الأحفوري، والتوسع في الطاقة المتجددة والنووية، وتشجيع استخدام السيارات الكهربائية والنقل العام، وحماية الغابات وزيادة المساحات الخضراء، وتحسين إدارة المياه، والحد من هدر الغذاء والطاقة. فمواجهة التغير المناخي لم تعد خيارًا مؤجلًا، وكل خطوة تُتخذ اليوم لتقليل أضراره ستكون أقل كلفة من انتظار تفاقم الأزمة في المستقبل.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!