ترك برس

تراجع معدل التضخم السنوي في تركيا خلال سبتمبر/أيلول إلى 29.73%، مواصلا الانخفاض للشهر الرابع على التوالي، في مؤشر جديد على استمرار مسار خفض التضخم الذي تتبناه الحكومة ضمن برنامجها الاقتصادي متوسط الأجل.

وبحسب بيانات هيئة الإحصاء التركية الصادرة الاثنين، انخفض التضخم السنوي من 31.51% في أغسطس/آب إلى 29.73% في سبتمبر/أيلول، ليسجل بذلك أدنى مستوى له منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وينزل دون حاجز 30% للمرة الأولى منذ نحو خمس سنوات.

وعلى أساس شهري، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 1.84%، فيما صعد مؤشر أسعار المنتجين المحليين بنسبة 2.07%. وبلغ ارتفاع أسعار المستهلكين منذ بداية العام 24.32%، بينما سجل متوسط التضخم خلال الأشهر الـ12 الماضية 31.49%.

وجاءت البيانات أفضل من توقعات الأسواق، إذ كانت تقديرات اقتصاديين تشير إلى بقاء التضخم السنوي فوق مستوى 30%، كما كانت التوقعات تشير إلى زيادة شهرية أعلى من النسبة المسجلة فعليا.

تراجع أسعار الغذاء يخفف الضغوط

وأظهرت تفاصيل البيانات أن أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية انخفضت بنسبة 0.20% على أساس شهري، ما ساهم في الحد من ارتفاع المؤشر العام.

في المقابل، سجلت أسعار النقل زيادة شهرية بنحو 2.79%، بينما ارتفعت تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز والمحروقات بنحو 2.71%.

وعلى أساس سنوي، بلغت الزيادة في أسعار الغذاء 27.62%، مقابل 35.10% للنقل ونحو 39.99% للسكن.

كما سجلت أسعار المنتجين المحليين ارتفاعا سنويا بنسبة 27.38%، وهو مستوى يقل عن تضخم أسعار المستهلكين، بما يشير إلى تراجع نسبي في الضغوط السعرية القادمة من جانب تكاليف الإنتاج.

الحكومة: مسار خفض التضخم يتوسع

واعتبر وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك أن تراجع التضخم السنوي إلى أقل من 30% يمثل محطة مهمة في برنامج مكافحة ارتفاع الأسعار، مشيرا إلى أن مسار خفض التضخم أصبح أكثر انتشارا بين بنود سلة المستهلك باستثناء قطاع النقل.

وأوضح شيمشك أن التضخم السنوي للغذاء تراجع بنحو 8.4 نقاط مئوية مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق ليصل إلى 27.6%، في حين انخفض تضخم التعليم بنحو 17.5 نقطة إلى 48.6%.

كما لفت إلى انخفاض معدل تضخم الإيجارات السنوي إلى نحو 41.3%، بتراجع قدره 27.8 نقطة مئوية مقارنة بالعام السابق، مؤكدا أن المؤشرات الأولية تشير إلى استمرار التراجع خلال الفترة المقبلة.

وترى الحكومة أن زيادة المعروض من المساكن والغذاء، بالتوازي مع السياسات المالية والنقدية المتشددة، ستدعم استمرار انخفاض التضخم، خصوصا في قطاع الخدمات الذي ظل خلال المرحلة السابقة أحد أكثر مكونات الأسعار مقاومة للانخفاض.

ضغوط الطاقة والتوترات الإقليمية

وعلى الرغم من التحسن المسجل، لا تزال أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية تمثل أحد أبرز المخاطر أمام مسار التضخم.

وأشار شيمشك إلى أن ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة أضاف ضغوطا جديدة على تكاليف النقل والطاقة، لافتا إلى تقديرات للبنك المركزي تفيد بأن التضخم كان يمكن أن يكون أقل بنحو 7 نقاط مئوية خلال العام الجاري لولا التطورات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة.

وتؤكد الحكومة في هذا السياق أن الارتفاعات المرتبطة بالطاقة تعد في جزء مهم منها عوامل خارجية، بينما يظهر الاتجاه الأساسي للأسعار المحلية تحسنا تدريجيا.

هدف العودة إلى التضخم أحادي الرقم

من جانبه، قال نائب الرئيس التركي جودت يلماز إن تراجع التضخم إلى 29.73% جاء رغم الضغوط الخارجية التي شهدها الربع الثالث من العام، معتبرا أن البيانات تظهر تسارع الاتجاه النزولي للتضخم وانسجامه مع الإطار الذي حددته الحكومة في البرنامج متوسط الأجل.

وأكد يلماز أن السلطات ستواصل تنفيذ السياسات الرامية إلى خفض التضخم بصورة مستدامة، وصولا مجددا إلى معدلات أحادية الرقم.

وتقوم الاستراتيجية الاقتصادية للحكومة على الجمع بين السياسة النقدية المشددة والانضباط المالي والإصلاحات الهيكلية وزيادة العرض في قطاعات مثل السكن والغذاء، بهدف معالجة مصادر التضخم بدلا من الاعتماد فقط على أدوات أسعار الفائدة.

المركزي يبقي سياسته حذرة

ويأتي تراجع التضخم في وقت أبقى فيه البنك المركزي التركي خلال اجتماعه في 10 سبتمبر/أيلول سعر الفائدة الرئيسي عند 37%.

وأكد البنك في آخر بيان للسياسة النقدية أن الاتجاه الأساسي للتضخم يتباطأ، وأن ضعف الطلب المحلي يساعد على دعم عملية خفض التضخم.

وفي الوقت نفسه، شدد البنك على أنه سيواصل الحفاظ على مستوى من التشدد النقدي يكفل استمرار انخفاض الأسعار، وأن أي قرارات مستقبلية بشأن أسعار الفائدة ستتخذ بصورة تدريجية وعلى أساس البيانات والتوقعات المتعلقة بالتضخم.

ويعقد البنك المركزي اجتماعه المقبل للجنة السياسة النقدية في 22 أكتوبر/تشرين الأول.

هل يقترب خفض الفائدة؟

أدت قراءة التضخم الأفضل من المتوقع إلى زيادة توقعات الأسواق بإمكانية بدء مرحلة جديدة من خفض أسعار الفائدة إذا واصل التضخم مساره النزولي.

ويرى بعض الاقتصاديين أن تراجع كل من التضخم العام والمؤشرات الأساسية للأسعار يوفر للبنك المركزي مساحة أكبر للتحرك، إلا أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والمخاطر الجيوسياسية قد يدفع المؤسسة إلى تبني نهج أكثر حذرا.

وتؤكد السياسة الرسمية للبنك المركزي أن أي تخفيف للسياسة النقدية لن يكون آليا، بل سيعتمد على استمرار التحسن في الاتجاه الأساسي للتضخم وتوقعاته.

استجابة إيجابية في الأسواق

وتفاعلت الأسواق التركية إيجابيا مع البيانات، إذ ارتفع مؤشر أسهم البنوك بعد الإعلان، بينما تراجعت عوائد السندات لأجل عامين، في إشارة إلى تحسن توقعات المستثمرين بشأن مسار التضخم والفائدة خلال المرحلة المقبلة.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع مؤشرات اقتصادية أخرى تؤكد الحكومة أنها تدعم برنامج إعادة التوازن الاقتصادي، من بينها تحسن أداء الصادرات واستمرار تراجع التضخم مقارنة بالمستويات المسجلة خلال السنوات السابقة.

وسجلت الصادرات التركية في سبتمبر/أيلول نحو 26 مليار دولار، وهو أعلى مستوى مسجل لهذا الشهر، في حين بلغت الصادرات على أساس سنوي نحو 287.3 مليار دولار، وفق الأرقام الحكومية.

مرحلة جديدة في برنامج خفض التضخم

ويمثل نزول التضخم تحت مستوى 30% محطة رمزية مهمة للبرنامج الاقتصادي التركي، بعد سنوات شهدت مستويات مرتفعة للأسعار.

وتراهن أنقرة على أن استمرار السياسة النقدية المنضبطة وتحسن التوازن بين العرض والطلب وتراجع ضغوط الإيجارات والغذاء سيسمح بمواصلة الاتجاه النزولي خلال 2027.

وفي المقابل، تبقى أسعار النفط والطاقة ومسار التطورات الجيوسياسية من أبرز العوامل التي قد تؤثر في سرعة هذا الانخفاض.

وبينما لا تزال مستويات الأسعار مرتفعة مقارنة بالمستهدفات طويلة الأجل، تنظر الحكومة إلى بيانات سبتمبر باعتبارها دليلا إضافيا على أن عملية خفض التضخم أصبحت أكثر رسوخا، وأن البرنامج الاقتصادي يتحرك تدريجيا باتجاه استعادة استقرار الأسعار والوصول إلى معدلات تضخم أحادية الرقم على المدى المتوسط.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!