
برجان توتار - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
نمرّ بمرحلة تهيمن عليها المنافسة الجيوسياسية في السياسة العالمية. فالجيوسياسة تعني العقلانية. وعلى خلاف صراع تقاسم النفوذ القائم على الأيديولوجيا أو الدين أو المذهب أو العرق أو الاقتصاد، يتصرف الفاعلون في التنافس الجيوسياسي بقدر أكبر من المعقولية والبراغماتية والواقعية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي إيلاء أهمية كبيرة للخطابات الأيديولوجية المبالغ فيها عند النظر إلى المرحلة التي يمر بها عالمنا حالياً، وإلى السيناريوهات المحتملة لمستقبله. كما لا ينبغي منح الكثير من المصداقية لاستراتيجيات بعض الفاعلين الإقليميين والمحليين الرامية إلى تصعيد التوتر.
وبناءً على ذلك، من المفيد النظر من هذا المنظور العقلاني إلى صعود الأحزاب اليمينية في ألمانيا، وإلى إعادة تشكيل أمريكا اللاتينية بقيادة الولايات المتحدة، وإلى الحروب في أوكرانيا وإيران، وفي مقدمتها الإبادة الجماعية في غزة، وكذلك إلى التطورات في سوريا والعراق وليبيا واليمن والصومال والسودان، وإلى التوافق العالمي الجديد بين روسيا والصين والولايات المتحدة، وإلى صعود قوى مثل تركيا. وإلا فإننا سنفسر مسار العالم من خلال نتائج قابلة للتلاعب، ونتجاوز الأسباب التي تشكل قاطرة التحولات العالمية والإقليمية.
لذلك، نمر بمرحلة استُنفدت فيها المنافسة الأيديولوجية التي سادت خلال فترة الحرب الباردة، وكذلك الاستراتيجيات ما بعد الحداثية القائمة على الثقافة والانتماء والمذهب والهوية العرقية، والتي طُرحت للتداول بعد الحرب الباردة على أساس صدام الحضارات. فالهواجس الجيوسياسية إما تدفع جميع القضايا الأخرى إلى الخلفية، أو تجبرها على التوجه نحو حل.
وبالتالي، فإن العصر العولمي-الصهيوني ينغلق في جميع المجالات. وينتهي عصر الصراعات الأيديولوجية والعرقية والدينية. لأنه لا مكان للتعصب في مرحلة الصراع الجيوسياسي. ولذلك يعيد المركز العالمي، بدءاً من نفسه، تشكيل العالم بأسره وفق معطيات الواقعية السياسية.
إن وصول دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، وفوز الاشتراكي المسلم زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك، وفوز مرشحين مسلمين لمجلس الشيوخ في الانتخابات التمهيدية المقبلة بدلاً من مرشحي اللوبي الصهيوني، وإعادة الولايات المتحدة تسليم أفغانستان إلى طالبان، وإنهاء الأغلبية المسلمة بقيادة أحمد الشرع في سوريا النظام القائم على الأقلية النصيرية بقيادة الأسد، ودعم الولايات المتحدة لصعود اليمين في ألمانيا ودول أوروبية أخرى، وزيادة الضغط الجيوسياسي على النظامين الإيراني والإسرائيلي الصهيوني ودفعهما إلى تغيير مواقفهما الأيديولوجية، وما إلى ذلك من تطورات، ليست سوى بعض السمات المميزة للعصر الجديد الذي دخلناه.
أما العنصر الأكثر تحديداً في العصر الجيوسياسي، فهو تخلي القوى الكبرى عن عدساتها الأيديولوجية. وهذه الاستراتيجية الجديدة، التي تقودها الولايات المتحدة على وجه الخصوص، تدفع القوى الكبرى إلى التحرك المشترك بدرجة أكبر. ذلك أن تخلي الرئيس الأمريكي ترامب عن الاستراتيجية الأيديولوجية الإقصائية تجاه نظيريه الروسي والصيني، وإضفاء الشرعية على منافسيه من الناحيتين الثقافية والسياسية، بدأ يعيد تشكيل ديناميات الصراع العالمي.
وبناءً على ذلك، فإن العالم يتجه، بدلاً من حرب عالمية ثالثة، نحو توافق عالمي ثالث. وينبغي النظر إلى عبارة «ستندلع حرب عالمية ثالثة» بوصفها حالة نفسية وعقلية أيديولوجية أكثر من كونها تحليلاً للواقعية السياسية.
نعم، الأمور تخرج عن مسارها في كل مكان. لكن خروج الأمور والسياسة عن مسارها لا يدفع نحو صراع عالمي بقدر ما يجبر الأطراف على التوصل إلى توافقات عالمية وإقليمية ووطنية. وتتكون توافقات اجتماعية جديدة على المستويات العسكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وخلاصة القول، إن صعود المتجهات الخطرة على المستوى الإقليمي لا يزال بعيداً كل البعد عن تغيير المسار الواقعي السياسي على المستوى العالمي. وأخيراً، لا ينبغي أن يفاجئنا أن فوز حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) في صناديق الاقتراع، والذي يُوصم بأنه «يميني متطرف» بسبب مواقفه المناهضة للعولمة والصهيونية، قد قلب المسلّمات الجامدة التي تحافظ على الوضع القائم.
فهذه التطورات «غير الطبيعية» التي بدأت بالظهور حديثاً في أوروبا ستتحول الآن في كل أنحاء العالم إلى الوضع الطبيعي للعصر الجديد. ولذلك، يجب أن نكون مستعدين لكل شيء. فما يحدث ليس سوى البداية. لأن كل تطور مفاجئ، لا ننسى، يسرّع أكثر نهاية العصر العولمي-الصهيوني.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مواضيع أخرى للكاتب
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













