ترك برس

على الضفة الأوروبية من مضيق البوسفور، تقف قلعة روملي حصار شاهدة على مرحلة مفصلية من تاريخ إسطنبول، حين تحولت المدينة ومضيقها إلى محور لصراع إمبراطوريات امتد قرونًا. 

ولا تقتصر أهمية القلعة، التي أمر السلطان العثماني محمد الفاتح ببنائها قبيل فتح القسطنطينية، على كونها منشأة عسكرية تاريخية، بل تجمع بين العمارة الدفاعية والمقتنيات الأثرية والطبيعة الخلابة، لتشكل اليوم أحد أبرز المعالم التي تستحضر تاريخ إسطنبول العثماني.

وبدأ السلطان محمد الفاتح بناء روملي حصار في مارس/آذار 1452 بهدف السيطرة على حركة السفن العابرة للبوسفور، في إطار الاستعدادات لفتح القسطنطينية. واكتمل تشييد القلعة في أغسطس/آب من العام نفسه، خلال فترة زمنية قصيرة تعكس الأهمية الاستراتيجية التي أولاها العثمانيون للموقع.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن نحو 300 معلم بناء و700 إلى 800 عامل، إلى جانب نحو 200 من سائقي العربات وأصحاب القوارب والعاملين في النقل، شاركوا في تشييد القلعة. واختير موقعها بعناية على البوسفور، بما أتاح للقوات العثمانية مراقبة السفن والتحكم في أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى القسطنطينية.

ومع فتح المدينة عام 1453، تراجع الدور العسكري المباشر لروملي حصار، قبل أن تتحول ابتداء من القرن السادس عشر إلى سجن تابع للدولة. وتعرضت القلعة لأضرار كبيرة جراء حريق اندلع عام 1746، قبل أن تخضع للترميم في عهد السلطان سليم الثالث، الذي حكم الدولة العثمانية بين عامي 1789 و1807.

وبعد سنوات من الإهمال، استعادت روملي حصار الاهتمام الرسمي بها في الذكرى الـ500 لفتح إسطنبول، حيث بدأت عام 1953 أعمال ترميم واسعة هدفت إلى الحفاظ على هذا المعلم التاريخي. وبعد استكمال أعمال الترميم، افتتحت القلعة للزوار عام 1968 كمتحف تابع لمديرية المتاحف التابعة لإدارة القلاع.

ويضم متحف روملي حصار مجموعة من المقتنيات التي توثق مراحل مختلفة من تاريخ إسطنبول والدولة العثمانية. وتشمل المجموعة قذائف مدفعية تعود إلى العهد العثماني، وفي مقدمتها تلك المستخدمة خلال فتح القسطنطينية، إضافة إلى مدافع من عهد السلطان بايزيد الثاني ومدافع تعود إلى الفترات العثمانية المتأخرة.

كما يضم المتحف قطعًا حجرية مختلفة وصلت من العهد البيزنطي، إلى جانب جزء من السلسلة التي كانت تستخدم لإغلاق مدخل القرن الذهبي، ما يمنح الزائر فرصة للتعرف على جانب من التقنيات والمنشآت الدفاعية التي ارتبطت بتاريخ المدينة خلال العصور الوسطى.

وتتميز روملي حصار أيضًا بضخامة أبراجها، التي تعد من أبرز نماذج العمارة الدفاعية في العصور الوسطى. ويبلغ ارتفاع برج جاندارلي خليل باشا 22 مترًا، فيما يصل برج زغانوس باشا إلى 21 مترًا، بينما يرتفع برج ساروجا باشا إلى 28 مترًا. وقد شيد الأبراج الثلاثة وزراء السلطان محمد الفاتح، وحملت أسماءهم.

ولا تزال بعض الطوابق الخشبية في الأبراج قائمة حتى اليوم، فيما يحتفظ برج ساروجا باشا بقاعة الديوان التي تتميز بخصائص صوتية لافتة. كما بقيت على جدران البرج كتابات ورسوم محفورة تعود إلى الفترة التي استخدمت فيها القلعة سجنًا، لتقدم شواهد مادية على مراحل مختلفة من تاريخ الموقع.

وفي برج زغانوس باشا، توجد كتابة من سطرين بالخط النسخي، وتكتسب أهمية خاصة باعتبارها أول كتابة تركية معروفة على البوسفور، ما يضيف بعدًا ثقافيًا ولغويًا إلى القيمة التاريخية والمعمارية للقلعة.

ولا تنحصر جاذبية روملي حصار في حجارتها وأبراجها ومقتنياتها، إذ تحتضن حدائقها أيضًا جانبًا من الطبيعة المميزة لإسطنبول. وتنتشر فيها أشجار الصنوبر المثمر وأشجار الأرجوان، إلى جانب النباتات البرية التي تشكل نموذجًا مصغرًا من الغطاء النباتي التقليدي المحيط بالبوسفور.

وتكتمل تجربة زيارة القلعة بفضل ثلاث شرفات للمشاهدة تتيح إطلالات واسعة على مضيق البوسفور، في مشهد يجمع بين التاريخ والطبيعة والعمران. ومن هذه النقاط، تبدو روملي حصار وكأنها جسر بين ماضي إسطنبول وحاضرها، إذ تقف أسوارها العثمانية في مواجهة حركة السفن الحديثة التي تعبر المضيق يوميًا.

وهكذا، تحولت روملي حصار من منشأة عسكرية أقيمت استعدادًا لفتح القسطنطينية إلى متحف ومعلم ثقافي وسياحي يحفظ جانبًا مهمًا من ذاكرة إسطنبول. وبين أبراجها الشامخة ومقتنياتها التاريخية وحدائقها المطلة على البوسفور، تظل القلعة واحدة من أبرز المواقع التي يمكن من خلالها قراءة تاريخ المدينة في المكان نفسه الذي شهد تحولات كبرى غيرت مسار المنطقة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!