
ترك برس
أثارت الزيارة غير المعلنة لرئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن إلى العاصمة اليونانية أثينا، أواخر أغسطس/آب الماضي، اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، في ظل حساسية متزايدة تشهدها منطقة بحر إيجه وشرق المتوسط، بالتزامن مع تصاعد التعاون الدفاعي والأمني بين اليونان وإسرائيل.
والتقى قالن، في 28 أغسطس/آب المنصرم، رئيس جهاز الاستخبارات اليوناني ثيميستوكليس ديميريس في اجتماع مغلق، بحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والملفات الأمنية المشتركة. وبحسب الرواية الرسمية التركية، شملت المباحثات بحر إيجه وشرق المتوسط، وأمن حلف شمال الأطلسي «الناتو»، والتعاون الاستخباراتي، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وتهريب البشر.
لكن الزيارة اكتسبت أهمية إضافية بعد تداول تقارير في وسائل إعلام تركية تفيد بأن أنقرة نقلت إلى أثينا رسالة تحذير بشأن تنامي التعاون الأمني والعسكري اليوناني مع إسرائيل، وما تعتبره تركيا محاولة لتشكيل ترتيبات أمنية جديدة في شرق المتوسط.
«خط أمني» بين اليونان وإسرائيل
بحسب هذه التقارير، تنظر أنقرة بقلق إلى تنامي التنسيق بين أثينا وتل أبيب، خصوصاً في المجال الدفاعي، وترى أن تحويل هذا التعاون إلى ترتيبات أمنية أوسع قد يغير موازين القوى في شرق المتوسط ويزيد من حدة التوتر القائم أصلاً.
غير أن من المهم التمييز بين المعلومات المتداولة إعلامياً وبين ما ورد في البيانات الرسمية. فالمصادر التركية الرسمية أكدت أن إسرائيل وملفات إقليمية عدة كانت ضمن أجندة اللقاء، بما في ذلك التطورات في غزة والضفة الغربية، والهجمات الإسرائيلية على سوريا ولبنان، إلى جانب الملفين السوري والليبي، لكنها لم تنشر مضموناً رسمياً يتحدث عن إنذار تركي لليونان أو «خط أمني» محدد مع إسرائيل.
لماذا تراقب أنقرة التعاون اليوناني الإسرائيلي؟
تأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه اليونان على تعزيز قدراتها الدفاعية، بالتوازي مع توثيق علاقاتها الأمنية مع إسرائيل وقبرص.
وفي هذا السياق، وقّعت اليونان وإسرائيل اتفاقاً دفاعياً كبيراً يتعلق بمنظومة الدفاع الجوي والصاروخي متعددة الطبقات المعروفة باسم «درع أخيل»، وهو ما أثار اهتماماً تركياً واسعاً، خصوصاً أن الاتفاق يأتي في منطقة تشهد تنافساً استراتيجياً بين تركيا واليونان وإسرائيل وقبرص.
وتنظر أنقرة إلى أي تعاون دفاعي قد يمتد إلى شرق المتوسط من زاوية أوسع، ترتبط بتوازنات بحر إيجه وقبرص وملفات الطاقة والحدود البحرية. كما أعادت تركيا في الفترة الأخيرة التأكيد على اعتراضاتها بشأن تسليح الجزر اليونانية في بحر إيجه، في حين تتمسك أثينا بحقوقها في الدفاع عن أراضيها وترفض الطرح التركي بشأن نزع سلاح الجزر.
بحر إيجه وقبرص.. ملفات قديمة تعود إلى الواجهة
ولا يمكن فصل زيارة قالن عن الخلافات المتراكمة بين أنقرة وأثينا. فبحر إيجه يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات التركية اليونانية، بدءاً من الخلافات حول المجالين الجوي والبحري، مروراً بوضع بعض الجزر، وصولاً إلى قضايا الحدود البحرية وحقوق استغلال الموارد.
كما تشكل قضية قبرص عاملاً إضافياً في المعادلة، مع تنامي التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل في مجالات الطاقة والدفاع والأمن، وهو ما تراقبه تركيا عن كثب باعتباره جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع في شرق المتوسط.
وفي المقابل، تؤكد اليونان أن تعاونها مع إسرائيل وقبرص لا يستهدف تركيا، وأن علاقاتها الدفاعية تأتي في إطار تعزيز أمنها وقدراتها الدفاعية.
رغم الخلافات.. قنوات الحوار مستمرة
ورغم اللهجة المتشددة التي ظهرت في بعض التقارير الإعلامية، فإن المعطى اللافت في زيارة قالن هو أن قنوات الاتصال بين أنقرة وأثينا لا تزال مفتوحة.
فالمعلومات الرسمية عن الاجتماع أشارت إلى اتفاق الجانبين على تعزيز التعاون بين جهازي الاستخبارات، خصوصاً في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وتهريب البشر، إلى جانب مواصلة التنسيق بشأن التطورات الإقليمية. كما أكدت المصادر التركية أهمية العلاقات بين البلدين بالنسبة إلى أمن بحر إيجه وشرق المتوسط وحلف الناتو.
وتشير هذه المعطيات إلى أن أنقرة لا تتعامل مع اليونان من خلال التصعيد وحده، وإنما تحاول الإبقاء على مسارين متوازيين: الحوار الأمني المباشر من جهة، ووضع خطوط حمراء واضحة بشأن الملفات التي تعتبرها مصالح حيوية من جهة أخرى.
رسالة مزدوجة من أنقرة
وعليه، يمكن قراءة زيارة قالن إلى أثينا باعتبارها جزءاً من دبلوماسية أمنية هادئة تحاول من خلالها تركيا التواصل مباشرة مع مراكز القرار اليونانية في مرحلة تتغير فيها التحالفات والترتيبات الأمنية في المنطقة.
فالرسالة التركية، وفق ما يمكن استخلاصه من مجمل التطورات والتقارير، تبدو مزدوجة: أنقرة مستعدة للتعاون والحوار مع أثينا، لكنها ترفض في الوقت نفسه أن تتحول الشراكات الأمنية الجديدة في شرق المتوسط إلى ترتيبات تراها موجهة ضد مصالحها أو تفرض واقعاً جديداً في بحر إيجه وقبرص.
وفي المقابل، فإن استمرار الاتصالات بين جهازي الاستخبارات التركية واليونانية قد يشكل آلية مهمة لمنع الخلافات المتراكمة من التحول إلى أزمة مفتوحة، خصوصاً في منطقة تتقاطع فيها ملفات تركيا واليونان وإسرائيل وقبرص وسوريا وليبيا وأمن الطاقة والممرات البحرية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











