
ترك برس
في مقال تحليلي نشرته صحيفة «صباح»، تتناول الكاتبة هلال كابلان التطور الرمزي الذي شهده اجتماع قادة اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية في العاصمة الويلزية كارديف. وترى أن هذا اللقاء، رغم أنه لا يعني تفككاً فورياً للمملكة المتحدة، يمثل مؤشراً سياسياً بالغ الأهمية على تصاعد النزعات الانفصالية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
تشير كابلان إلى أن المملكة المتحدة تتكون من إنجلترا واسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، لكن أوزان هذه المكونات غير متكافئة. فإنجلترا تمثل الجزء الأكبر من حيث السكان والثقل السياسي، بينما تتمتع المكونات الثلاثة الأخرى بحكم ذاتي مفوض عبر برلمانات أو حكومات محلية. وفي هذا السياق، اجتمع رئيس وزراء اسكتلندا جون سويني، ورئيس وزراء ويلز رون أب يورويرث، ورئيسة وزراء أيرلندا الشمالية ميشيل أونيل، ليوقعوا إعلاناً مشتركاً يدافع عن حق هذه البلدان في تحديد مستقبلها الدستوري، بما في ذلك إمكانية إجراء استفتاءات على الاستقلال أو تغيير الوضع القائم.
وتوضح الكاتبة أن هذا الإعلان لا يُعد اتفاقاً بحل المملكة المتحدة، لكنه يحمل دلالة سياسية عميقة: لأول مرة يقف قادة المكونات الثلاثة خارج إنجلترا على أرضية سياسية مشتركة للدفاع عن «حق تقرير المصير». وتعتبره أقوى مؤشر على مدى ترسخ السياسات الانفصالية بعد بريكست.
اسكتلندا: الركيزة الأقوى
ترى كابلان أن اسكتلندا تمثل الجانب الأقوى في هذه المعادلة. فرغم الوحدة السياسية مع إنجلترا منذ عام 1707، حافظ الاسكتلنديون على هوية قومية متميزة ونظام قانوني وتعليمي خاص. وفي استفتاء 2014 اختار الناخبون البقاء ضمن المملكة المتحدة بنسبة 55% مقابل 45%، لكن الملف لم يُغلق. فميل اسكتلندا إلى البقاء في الاتحاد الأوروبي وسّع المسافة السياسية مع لندن بعد بريكست، مما أعاد إحياء النقاش حول الاستقلال.
ويلز: من الهامش إلى الواجهة
أما ويلز، فقصتها مختلفة. فقد اندمجت سياسياً وقانونياً مع إنجلترا منذ قرون طويلة، ولم يكن مطلب الاستقلال قوياً كما في اسكتلندا. غير أن السنوات الأخيرة شهدت صعوداً ملحوظاً لمطالب الحكم الذاتي الأوسع والاستقلال في نهاية المطاف. ومع وصول حزب «بلايد كيمرو» إلى السلطة، تحول هذا النقاش من مطلب هامشي إلى خيار سياسي معلن. ويؤكد رئيس وزراء ويلز أن الاستقلال يبقى خياراً مرهوناً بإرادة الشعب الويلزي في المستقبل.
أيرلندا الشمالية: النقطة الأكثر حساسية
تعتبر كابلان أيرلندا الشمالية الجزء الأكثر تعقيداً في المعادلة. ففي عام 1921 انفصلت معظم جزيرة أيرلندا لتشكل جمهورية مستقلة، بينما بقيت الشمال ضمن المملكة المتحدة. وأدى الصراع بين الاتحاديين البروتستانت المؤيدين للبقاء مع بريطانيا والقوميين الكاثوليك الراغبين في الوحدة مع جمهورية أيرلندا إلى عقود من العنف. وانتهى معظم هذا الصراع باتفاقية الجمعة العظيمة عام 1998، التي تضمنت بنداً أساسياً يسمح بتغيير وضع أيرلندا الشمالية إذا رغبت غالبية سكانها بذلك، بما في ذلك إمكانية إجراء استفتاء على الوحدة مع أيرلندا. وتؤكد الحكومة البريطانية التزامها بهذا المبدأ حتى اليوم.
موقف لندن والتحفظ على الاستفتاءات
في المقابل، تتعامل لندن بحذر مع فكرة إعادة تشكيل مستقبل المملكة المتحدة عبر استفتاءات جديدة. ويصرح رئيس الوزراء أندي بيرنهام بانفتاحه على مزيد من تفويض الصلاحيات، لكنه لا يرى الاستفتاءات أولوية. وكانت الحكومة قد أعلنت في تموز/يوليو استعدادها لمناقشة مزيد من نقل الصلاحيات مع اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، مع التأكيد على أن الاستفتاءات الجديدة ليست على جدول أعمالها.
دلالة كارديف: نهاية الافتراض الأبدي للوحدة
تخلص هلال كابلان إلى أن اجتماع كارديف لا يعني أن المملكة المتحدة ستتفكك بين ليلة وضحاها. لكنه يثبت في الوقت نفسه أن الافتراض القائل بأن «المملكة المتحدة ستبقى موحدة إلى الأبد» لم يعد صالحاً. فالعاصمة التي كانت يوماً مركزاً لإمبراطورية «لا تغيب عنها الشمس» تجد نفسها اليوم تواجه ثلاث حركات قومية في آن واحد حول مستقبل حدود دولتها.
وترى الكاتبة أن الوثيقة الموقعة في كارديف لا تعلن تفككاً فعلياً للدولة، بل تكشف أن مستقبل المملكة المتحدة أصبح معقداً إلى درجة لم تعد لندن قادرة على تقريره بمفردها. وربما تبدأ القصة الحقيقية من هذه النقطة تحديداً.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










