ترك برس

تتصاعد التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا بالتزامن مع رسائل سياسية وأمنية موجهة إلى أنقرة بشأن تنامي التعاون التركي السوري، وسط مساعٍ إسرائيلية لفرض واقع جديد قرب الجولان المحتل، في مقابل تحذيرات تركية من أن سياسات تل أبيب تهدد استقرار سوريا والمنطقة.

وتتسارع التطورات الميدانية في الجنوب السوري عقب توغل الجيش الإسرائيلي بقوة عسكرية مؤلفة من دبابات وناقلات جند في "تل أحمر" بمحيط قرية عين النورية بريف القنيطرة الشمالي، بالتوازي مع قصف مدفعي طال ريف دمشق الغربي قرب بلدة بيت جن.

وتأتي هذه التحركات الميدانية بالتزامن مع اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس لمنطقة جبل الشيخ، وتأكيدهما البقاء الإسرائيلي لفترة طويلة في "المنطقة الأمنية"، في وقت شدد فيه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال زيارته لدمشق ومباحثاته مع نظيره السوري أسعد الشيباني على أن السياسات الإسرائيلية تشكل العائق الأكبر أمام استقرار سوريا.

فرض أمر واقع

ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية إمطانس شحادة أن إسرائيل تستغل الفراغ الراهن لتمرير أهدافها في ظل غياب قوة عسكرية سورية قادرة على المواجهة المباشرة، إذ تسعى لاقتطاع أراضٍ جديدة بحيث تنقل محور التفاوض المستقبلي إليها، وتحوّل احتلال الجولان إلى واقع قائم.

وأوضح شحادة أن تل أبيب تهدف إلى إبقاء سوريا في حالة عدم استقرار تمنع إعادة بناء مؤسسات الدولة واقتصادها، مع تحديث عقيدتها الأمنية بنقل الدفاع إلى داخل الأراضي العربية عبر شريط أمني تحت سيادتها، بحسب تقرير لشبكة الجزيرة القطرية.

كما توجّه إسرائيل رسائل صريحة إلى أنقرة برفض أي وجود عسكري تركي أو تعاون عسكري وأمني بين سوريا وتركيا، قد يشكل تهديدا مستقبليا لسيطرتها، وفق شحادة.

التمسك بالخيار الدبلوماسي

ويؤكد الباحث السياسي مؤيد غزلان قبلاوي أن دمشق تعوّل على الجهود الدبلوماسية والوساطة الأمريكية لتفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، رغم الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة وبطء الزخم الأمريكي.

ووُقّعت اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 بين سوريا وإسرائيل عقب حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، بهدف الفصل بين القوات المتحاربة من الجانبين وفك الاشتباك بينهما.

وفي 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت إسرائيل انهيار الاتفاقية، وقالت إن مجلس الوزراء قرر احتلال منطقة جبل الشيخ الحدودية السورية المحاذية للجولان المحتل.

وتدرك الحكومة السورية أن الانزلاق نحو التصعيد العسكري قد يضرب -حسب قبلاوي- استقرار المنطقة، ويعيد نشاط الأذرع الإيرانية والجماعات الإرهابية.

ولتعويض غياب الحل السياسي ومواجهة محاولات إسرائيل فرض واقع تفاوضي جديد، تتجه دمشق إلى بناء توازن قوى تفاوضي عبر تعزيز التحالف مع أنقرة، وهو ما تُرجم بتوقيع أكثر من 40 اتفاقية وشراكة لتدريب الضباط السوريين، إلى جانب المطالبة بمبعوث أممي جديد للمنطقة.

الدور الأمريكي

في المقابل، ينفي المسؤول السابق بالخارجية الأمريكية جيمس باترسون وجود صمت أمريكي تجاه التوغلات الإسرائيلية، مؤكدا أن واشنطن تولي الملف أولوية عبر سفيريها مايك هاكابي وتوم براك ووزير الخارجية ماركو روبيو.

وبيَّن باترسون أن الإدارة الأمريكية تنطلق من حوارات الرئيس أحمد الشرع مع الرئيس دونالد ترمب بشأن أهمية استقرار سوريا وسيادتها، لكن تل أبيب تنظر إلى التحركات الميدانية من منظور أمني قومي محدد بتداعيات ما بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومخاوف "التمركز الإرهابي"؛ مما يحتم على واشنطن إجراء مفاوضات مكثفة لإيجاد مخرج يتيح لدمشق بسط سيادتها وبناء حكومتها.

ورغم التوترات بينهما، فقد عقدت سوريا وإسرائيل جولات تفاوض بوساطة أمريكية، اتفقتا خلالها على إنشاء آلية لتبادل المعلومات الاستخبارية، في ظل مساعيهما للتوصل إلى اتفاق أمني أوسع. لكن هذه اللقاءات لم تثمر وقفا للهجمات الإسرائيلية التي لقيت تنديد دول عدة منها الولايات المتحدة الحليفة لإسرائيل، وتركيا الداعمة للسلطات الجديدة في دمشق.

التوتر التركي الإسرائيلي المتصاعد

وتأتي التطورات في جنوب سوريا ضمن سياق أوسع من التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل بشأن مستقبل الساحة السورية، خصوصاً منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وما تبعه من توسع الدور التركي في دعم السلطات الجديدة في دمشق، مقابل تحركات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي السورية.

وتنظر أنقرة إلى وحدة الأراضي السورية واستقرار الحكومة المركزية وبناء مؤسساتها العسكرية والأمنية باعتبارها من أولويات سياستها تجاه سوريا، في حين ركزت إسرائيل على منع ظهور قدرات عسكرية تعتبر أنها قد تشكل تهديداً لها مستقبلاً، وكثفت عملياتها العسكرية داخل سوريا، ولا سيما في الجنوب.

وازدادت حساسية الملف مع بحث التعاون العسكري التركي السوري وإمكانية تقديم أنقرة دعماً لتدريب وتجهيز الجيش السوري واستخدام منشآت وقواعد عسكرية، وهو ما أثار مخاوف إسرائيلية من تحول الوجود والنفوذ التركي في سوريا إلى عامل يحد من حرية عملياتها الجوية والعسكرية.

وبلغ التوتر مستوى أكثر وضوحاً في أبريل/نيسان 2025، عندما شنت إسرائيل ضربات على مواقع وقواعد عسكرية سورية كانت تركيا تدرس إمكانية استخدامها، ومن بينها قاعدة T4 في ريف حمص، وسط تحذيرات متبادلة من تحول التنافس بين البلدين داخل سوريا إلى مواجهة غير مقصودة.

ولتفادي هذا السيناريو، دخل الجانبان في اتصالات فنية، وأعلنت تركيا لاحقاً إجراء محادثات مع إسرائيل في أذربيجان بهدف إنشاء آلية لمنع الاشتباك في سوريا، بحيث لا تؤدي العمليات العسكرية الإسرائيلية والتحركات التركية إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين.

وفي المقابل، شددت أنقرة مراراً على أنها لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل في سوريا، لكنها تعتبر الهجمات والتوغلات الإسرائيلية عاملاً يهدد استقرار البلاد ويقوض قدرة الحكومة السورية على إعادة بناء مؤسسات الدولة.

ولا يقتصر الخلاف بين أنقرة وتل أبيب على سوريا؛ إذ تدهورت العلاقات بصورة حادة منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع تصاعد الانتقادات التركية للعمليات الإسرائيلية ووقف تركيا تعاملاتها التجارية مع إسرائيل في مايو/أيار 2024. ومع التحولات التي شهدتها سوريا لاحقاً، أضيف ملف جديد إلى الخلافات القائمة، لتتحول الساحة السورية إلى إحدى أبرز نقاط الاحتكاك الاستراتيجي بين البلدين.

وبذلك بات التنافس في سوريا يدور حول سؤال أوسع يتعلق بشكل النظام الأمني الذي سيتشكل بعد الحرب: فبينما تدفع تركيا باتجاه دولة سورية موحدة وقادرة على بسط سيطرتها على أراضيها، تسعى إسرائيل إلى الاحتفاظ بهامش أمني وعسكري واسع على حدودها الشمالية ومنع تشكل قدرات أو تحالفات تعتبرها تهديداً لأمنها.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!