
ترك برس
في مقال تحليلي نشرته صحيفة «ملييت» التركية، يقدم الكاتب أوزاي شندير قراءة معمقة لانتخابات إسرائيل التي وصفها بـ«انتخابات العام»، مشدداً على أهميتها البالغة لمنطقة الشرق الأوسط. ويشير الكاتب إلى أن النتائج التي ستُعلن الثلاثاء ستكون حاسمة إقليمياً، محذراً في الوقت نفسه من سيناريوهات أخرى محتملة، مثل شن إيران هجوماً في يوم الاقتراع، أو محاولة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إقناع الولايات المتحدة ببدء حرب قبل الانتخابات لتأجيلها، خاصة أنه يواجه خطر انتهاء حياته السياسية في السجن إذا خسر. وبما أن أقل من أربع وعشرين ساعة تفصل عن الموعد، يمضي شندير في تحليله مفترضاً أن الانتخابات ستجري فعلاً.
ويركز الكاتب على اختلاف مواقف الكتل السياسية الإسرائيلية تجاه تركيا. فكتلة اليمين المتطرف، التي يتزعمها حزب «الصهيونية الدينية» بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وحزب «عوتسما يهوديت» بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تتبنى خطاً معادياً تماماً لأنقرة. أما الوسط اليميني فيبدو أكثر تعقيداً. ففيما يدرك حزب الليكود بقيادة نتنياهو – الذي يصفه الكاتب بـ«المتهم بالإبادة» – ثقل تركيا الإقليمي والعسكري، ويسعى إلى الاحتكاك اللفظي معها والتحالف مع أي طرف ضدها، فإنه يحرص في الوقت ذاته على تجنب الصدام العسكري.
وفي المقابل، يتبنى حزب «ياشار» بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت خطاً مختلفاً، إذ يعترف بوجود خلافات عميقة مع تركيا ويدعم الحوار الوثيق مع اليونان واليونانيين القبارصة في شرق المتوسط، لكنه لا يعلن تركيا عدواً بل يصفها بـ«جار صعب يجب إدارة العلاقات معه». أما تحالف «بياحد» الذي تأسس في أبريل لإسقاط الحكومة، فيعاني انقساماً داخلياً؛ فبينيت يرى في تركيا «تهديداً استراتيجياً لا يمكن إيقافه» وقوة صاعدة في الشرق الأوسط، بينما يؤكد لابيد أن الصراع مع أنقرة يضر بإسرائيل ويستدعي خفض التوتر.
ويلخص شندير الموقف قائلاً إن الوسط اليميني كله – باستثناء الليكود – يرى أن وضع نتنياهو تركيا في خانة واحدة مع إيران وحزب الله في لافتات حملته الانتخابية يضر بالمصالح الإسرائيلية طويلة الأمد. ويتوقع المعلقون أنه في حال فوز ائتلاف الوسط اليميني، ستحل محل الخصومة الأيديولوجية «مساعٍ مشروطة وعقلانية نحو التطبيع». أما الكتلة اليسارية التقليدية بقيادة يائير لابيد، فتمتلك – بحسب الكاتب – سياسة أكثر عقلانية تجاه تركيا، إذ تؤمن بأن قطع العلاقات يعمق عزلة إسرائيل الإقليمية، وتدعو إلى التعاون معها في مشاريع الطاقة ونقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا لأنه يخدم المصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية.
ويشير شندير أيضاً إلى الدور المتوقع للقائمة العربية الموحدة وتحالف حداش-تعل، اللذين يدعوان إلى أن تكون تركيا ضامنة ووسيطة في القضية الفلسطينية والأزمة الإنسانية في غزة، وإلى رفع العلاقات الدبلوماسية إلى أعلى مستوى وإزالة العوائق التجارية وقبول إسرائيل لرؤية تركيا الإقليمية للسلام.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات – في نظر الكاتب – على الأحزاب واستطلاعات الرأي. فالحاخامات يمتلكون تأثيراً أكبر مما يُعتقد؛ إذ لا تستطيع أحزاب الحريديم مثل «يهودية التوراة الموحدة» و«شاس» الدخول في ائتلاف أو إقرار ميزانية أو إعلان حرب دون موافقة مجالس الحاخامات. كما أن الأصول العرقية حاسمة: ينقسم المجتمع إلى أشكناز (أوروبيين) وسفارديم (منفيي إسبانيا والبرتغال) ومزراحيم (من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، ويميل السفارديم والمزراحيم إلى الليكود.
ورغم أن نتنياهو أشكنازي، فإن خطابه يركز على إنهاء امتيازات الأشكناز. أما آيزنكوت، وهو من أصول مغربية مزراحية، فقد تسبب في تحول أصوات داخل هذه القاعدة وأضعف نتنياهو. وتظهر الاستطلاعات أن آيزنكوت يتقدم على نتنياهو بثمانية نقاط في تفضيل رئيس الوزراء، وأن الجمهور يفضل حكومة وحدة وطنية.
ويؤكد شندير أن الموضوع الرئيسي للانتخابات ليس حرب إيران ولا ما يصفه بـ«إبادة نتنياهو في غزة»، بل انقسام المجتمع حول تقاسم الأعباء. فالاستثناء الدائم لليهود الحريديم من الخدمة العسكرية – الذي بدأ مؤقتاً عام 1948 وتحول إلى دائم – أصبح مصدر توتر شديد، خاصة مع وجود أكثر من سبعة وستين ألف شخص يرفضون التجنيد بحجة دراسة التوراة ويعيشون على المساعدات الحكومية، بينما يدفع الأشكناز العلمانيون الضرائب ويموتون في الجيش.
أما الصدع الثاني فيتمثل في الإصلاح القضائي الذي عزز نفوذ السياسة في تعيينات المحكمة العليا، والتي اصطدمت مع اليمين المتطرف في قضايا مثل ضم الضفة الغربية والإعفاء من الخدمة العسكرية ودخول الأحزاب العربية. ولن يتحدث أحد في هذه الانتخابات عن دولة فلسطينية أو السلام؛ فاليوميين المتطرفين متفائلون لأن معدل المواليد لدى الحريديم يصل إلى 6.75 مقابل 2.3 لدى المدافعين عن القيم التأسيسية العلمانية، ما يعني تضاعف عددهم كل سبعة عشر عاماً، وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز دائم لنفوذ الكتل الدينية واليمينية المتطرفة وتآكل نمط الحياة العلماني.
ويختم الكاتب بتوضيح موقف تركيا: «ليس لدى تركيا سياسة تهدف إلى القضاء على دولة إسرائيل». فمطالبها واضحة: وقف إطلاق نار كامل في غزة أولاً، وإبعاد فكرة التهجير القسري، وحل المشكلة دبلوماسياً، واحترام وحدة الأراضي السورية وعدم الاشتباك، والتحول في شرق المتوسط من التحالفات المعادية لتركيا إلى واقعية تشاركية في الموارد الهيدروكربونية، والتخلي عن اللغة السامة التي استخدمها نتنياهو في حملته.
ويؤكد شندير أن هذه المطالب تصب في مصلحة أمن إسرائيل نفسها، متسائلاً: «هل سينتصر العقل في الانتخابات؟ سنرى النتائج بعد ست وثلاثين ساعة».
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











