
ترك برس
في وقت تتواصل فيه تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتطال آثارها مختلف مناحي الحياة، لم تقتصر الخسائر على الأرواح والمنازل والمرافق الصحية، بل امتدت إلى المؤسسات التعليمية والجامعات، التي تحولت إلى أنقاض، فيما فقد آلاف الطلبة وأعضاء الهيئات التدريسية حياتهم. ورغم هذا الدمار، يواصل بعض الطلبة الفلسطينيين مسيرتهم التعليمية خارج القطاع، حاملين أحلام العودة إلى مدينتهم والمساهمة في تضميد جراح أهلها.
وفي هذا السياق، احتضنت جامعة إسطنبول مدنيات التركية، حفل تخرج 33 طالبا وطالبة من كلية الطب بجامعة الأزهر في غزة، ممن تمكنوا من استكمال دراستهم في تركيا، بعد أن دمرت الغارات الإسرائيلية مباني جامعتهم في القطاع.
وتقول الكاتبة التركية نهال بنغيسو كاراجا، في مقال بصحيفة «خبر تورك»، إن هؤلاء الخريجين يمثلون «الناجين» الذين تمكنوا من مواصلة تعليمهم رغم الحرب، مشيرة إلى أن أحدى الخريجات، حين سئلت عن خطوتها المقبلة، أجابت دون تردد بأنها ستتقدم لامتحان التخصص الطبي، ثم تعود إلى غزة بعد أن تصبح طبيبة متخصصة.
وتلفت الكاتبة إلى أن هذه الإجابة القصيرة كشفت لها عن واقع غزة خلال العامين الماضيين أكثر مما قرأته في التقارير، إذ إن المكان الذي تحلم الخريجة بالعودة إليه هو مدرستها التي تعرضت للقصف، ومستشفاها المدمر، ومدينتها التي تحولت إلى أنقاض.
وتوضح أن كلية الطب بجامعة الأزهر كانت أول كلية طب تؤسس في قطاع غزة عام 1999، فيما كانت الجامعة تقدم التعليم لنحو 15 ألف طالب قبل الحرب. غير أن مباني الحرم الجامعي انهارت بالكامل تحت القصف في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، بالتزامن مع دعوات من واشنطن لوقف الهجمات، في مشهد اعتبرته الكاتبة دليلا على عجز تلك الدعوات عن وقف القصف الإسرائيلي.
وتشير كاراجا إلى أن الجامعات والكليات الـ17 في غزة دمرت بالكامل، لافتة إلى أن الأوساط الأكاديمية الدولية باتت تطلق على استهداف التعليم مصطلح «Scholasticide»، أي الإبادة التعليمية.
وبحسب بيانات وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، قتل 1386 طالبا جامعيا و246 من العاملين في الجامعات بقطاع غزة، فيما تقول الكاتبة إنها لم تتمكن من معرفة عدد طلبة الطب الذين قضوا في الحرب، أو ما إذا كان بعضهم من زملاء الخريجين الذين حضروا الحفل، خشية إفساد لحظة فرحهم بالتخرج.
مبادرة تركية لاستكمال الدراسة
وتبين الكاتبة أن وصول الطلبة إلى مرحلة التخرج جاء بفضل جهود مركز الدراسات الصحية الإفريقية وتطبيقاتها وأبحاثها (MASAM)، برئاسة البروفيسور أورهان أليموغلو، وبمساهمة الصحفي والكاتب مصطفى إكينجي.
وبموجب هذه الجهود، نقل 33 طالبا من طلبة السنة النهائية في كلية الطب بجامعة الأزهر إلى تركيا لاستكمال دراستهم، حيث خضعوا أولا لبرنامج تأهيلي، ثم تدربوا في المستشفيات التركية، وقضوا فترات المناوبة في أروقتها، وتلقوا التدريب العملي إلى جانب أساتذة أتراك، قبل أن يتسلموا شهادات تخرجهم.
وتصف الكاتبة الخريجين، الذين كانت غالبيتهم من الشابات، بأنهم يشبهون الزهور المشرقة التي تخرج رؤوسها من شقوق أنقاض غزة وتتجه نحو الشمس.
وخلال الحفل، تلا الخريجون قسم الأطباء بلغتهم الأم، في مشهد ترى كاراجا أنه تجاوز الطابع الاحتفالي المعتاد، إذ إن هؤلاء الشباب والفتيات أدوا القسم بعد أن قدموا من حرب أصبحت فيها المستشفيات والأطباء وسيارات الإسعاف أهدافا للهجمات.
وتضيف أن قسم الأطباء، الذي يتعهد فيه الأطباء منذ عهد أبقراط بعدم إلحاق الضرر وحماية الحياة، لم يكن بالنسبة إلى هؤلاء الخريجين مجرد إجراء بروتوكولي في حفل التخرج، بل كان بمثابة إعلان عن وجودهم وتمسكهم برسالتهم الإنسانية.
تركيا تفتح أبوابها أمام طلبة غزة
وتشير الكاتبة إلى أن رئيس جامعة الأزهر في غزة، البروفيسور عمر ميلاد، شارك في الحفل من داخل القطاع المحاصر، لكنه لم يتمكن حتى من التواصل عبر الفيديو، واقتصر حضورُه على إيصال صوته إلى القاعة، في صورة تعكس حجم العزلة التي يعيشها القطاع، وما يمكن أن يصل منه إلى العالم.
من جانبه، قال عميد كلية الطب بجامعة الأزهر في غزة، محمد رياض زغبر، خلال كلمته في الحفل: «عندما أغلق العالم أبوابه في وجوهنا، فتحت تركيا أبوابها أمامنا».
وتقارن كاراجا بين الموقف التركي ومواقف الجامعات الغربية، مشيرة إلى أن جامعات في الغرب أخلت حرمها الجامعي بمساعدة الشرطة من طلاب نظموا فعاليات تضامنية مع غزة، كما فصلت بعض الأكاديميين، دون أن تفكر في فتح أبوابها أمام طلبة القطاع.
وترى أن المفاهيم الكبرى، مثل حقوق الإنسان والحرية الأكاديمية والمعرفة العالمية، اصطدمت عند حدود غزة بإجراءات تشبه مراقبة جوازات السفر، فيما بادر إلى فتح الأبواب عدد محدود من الأكاديميين، إلى جانب صحفي وكاتب.
تجربة في مواجهة الموت والحياة
وتلفت الكاتبة إلى أن مركز الدراسات الصحية الإفريقية وتطبيقاتها وأبحاثها، الذي أشرف على مبادرة استكمال تعليم الطلبة، يعمل منذ سنوات في مناطق تعاني أوضاعا صحية صعبة، بينها أرض الصومال والسودان وغامبيا، حيث ينفذ أطباؤه عمليات جراحية ويدربون العاملين في القطاع الصحي.
وتوضح أن برامج التخصص التي ينفذها المركز أسهمت حتى الآن في تخريج 59 طبيبا، معتبرة أنه مؤسسة تنقل مهنة الطب من أروقة المستشفيات المعقمة وجداول الأداء إلى المناطق الفقيرة والمنكوبة والمنسية في العالم.
وتصف الكاتبة المركز بأنه مدرسة يتعلم فيها الأطباء الوجه الحقيقي لمهنتهم، والمتمثل في اختبار الموت والحياة.
وتضيف أن طلبة غزة لم يكونوا بحاجة إلى من يعلمهم هذه التجربة، بعدما اضطروا إلى خوضها تحت القصف، لكنها ترى أن قيام مؤسسة بتبني تعليم أبناء غزة لم يكن مصادفة، بالنظر إلى أن القائمين عليها كرسوا حياتهم لمعالجة جراح أكثر المناطق احتياجا في العالم.
وتعتبر أن القسم الذي أداه الخريجون في حفل التخرج كان أكثر صدقا وثباتا من البيانات والإدانات وعبارات التعبير عن القلق التي تصدرها جهات مختلفة إزاء ما يجري في القطاع.
حلم العودة إلى أخطر مكان في العالم
وفي كلمة ألقاها نيابة عن الخريجين، قال الطبيب حسين إسماعيل: «نحن أطباء جيل يعرف معنى الألم»، مضيفا أن أكبر أحلامهم تتمثل في العودة يوما إلى غزة وخدمة أبناء شعبهم.
وتشير كاراجا إلى أن أحلام معظم خريجي الطب عادة ما تتمثل في الحصول على وظيفة في مستشفى جيد، أو منحة دراسية في الخارج، أو العمل في عيادة، لكن أحلام هؤلاء الخريجين مختلفة، إذ يريدون العودة إلى المكان الذي جاءوا منه، بعدما نجحوا في استكمال دراستهم، وأصبحوا أطباء.
وتستحضر الكاتبة رواية «الطاعون» للكاتب الفرنسي ألبير كامو، الذي جعل طبيب مدينة وهران، ريو، يقول إن ما يقوم به الأطباء ليس بطولة، بل أمانة، وإن الأمانة هي السبيل الوحيد لمواجهة الطاعون.
وتعلق بأن طاعون كامو كان استعارة للاحتلال النازي، أما طاعون غزة فليس استعارة، بل هو واقع مرير ومأساة طويلة تسبب بها ما وصفته بـ«الحقيقة المرعبة المسماة إسرائيل».
وتختم كاراجا بالقول إن العالم منشغل بتدمير غزة، بينما تواصل غزة إعداد أطبائها، بعضهم في إسطنبول، وبعضهم في باكستان، وعدد قليل منهم في مصر، مؤكدة أن مستقبل القطاع يقبع في جيوب المعاطف البيضاء التي يرتديها هؤلاء الأطباء الشباب.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











