
ترك برس
تختزن الأراضي التركية بين جبالها وسواحلها آثار حضارات قديمة وظواهر طبيعية استثنائية تحولت، على مر القرون، إلى جزء من الذاكرة التاريخية والأساطير المحلية. وفي ولاية مرسين المطلة على البحر المتوسط، يبرز موقع «جنت وجهنم» أو «الجنة وجهنم» بوصفه واحدا من أكثر المواقع إثارة للاهتمام، إذ تتجاور فيه حُفرتان هائلتان تشكلتا بفعل العمليات الجيولوجية على مدى آلاف السنين، وتحيط بهما آثار معابد قديمة وكنيسة تاريخية ارتبطت بمعتقدات دينية تعود إلى العصور الهلنستية والرومانية والمسيحية المبكرة.
ولا تقتصر جاذبية الموقع على مظهره الطبيعي المهيب، بل تمتد إلى الأساطير التي نسجها الإغريق حول أعماقه، ولا سيما قصة الإله زيوس والوحش الأسطوري تيفون، الذي تقول الروايات إنه سُجن في إحدى الحفرتين قبل أن يُلقى به في أعماق بركان إتنا. وبين التفسير العلمي للتكوينات الصخرية والروايات الميثولوجية التي منحتها أسماءها، يقدم الموقع صورة عن العلاقة القديمة بين الإنسان والطبيعة، وكيف تحولت الظواهر الجيولوجية إلى فضاءات مقدسة ومراكز للعبادة.
موقع طبيعي استثنائي في قلب الساحل المتوسطي
تقع حفرتا الجنة وجهنم في منطقة نرليكوي التابعة لقضاء سيليفكه في ولاية مرسين، على بعد نحو 25 كيلومترا من مركز القضاء، بالقرب من ميناء نرليكوي القديم ومنطقة كوريوكوس الأثرية، المعروفة اليوم باسم قلعة الفتاة «كيز قلعة سي».
وتتشكل الحفرتان من منخفضين صخريين واسعين وعميقين، نتجا عن عمليات جيولوجية طويلة الأمد. ووفقا لوزارة الثقافة والسياحة التركية، أدى تسرب المياه الجوفية إلى إذابة الصخور الكلسية تدريجيا، وتشكّل فراغات تحت سطح الأرض، قبل أن تنهار الطبقات الصخرية التي كانت تغطيها، مخلّفة وراءها الفجوتين اللتين يمكن مشاهدتهما اليوم.
وتُعرف هذه التكوينات في التركية باسم «أوبروك»، وهو مصطلح يُستخدم لوصف الحفر أو المنخفضات الناتجة عن انهيار الأرض فوق تجاويف جوفية. وقد منحت الطبيعة هاتين الحفرتين أبعادا لافتة، جعلتهما من أبرز المعالم الطبيعية والسياحية في مرسين.
ولم تكن المنطقة مجرد ظاهرة جيولوجية بالنسبة إلى سكان العصور القديمة؛ إذ تشير المعلومات الرسمية إلى أن الحفرتين استُخدمتا بوصفهما موقعين مقدسين، ما يعكس الأهمية التي اكتسبتها التضاريس الاستثنائية في المعتقدات الدينية القديمة.
حفرة الجنة.. أعماق صخرية وكنيسة عند مدخل كهف
تُعد حفرة الجنة، المعروفة أيضا باسم «جنت تشوكو»، أبرز معالم الموقع، وتتميز بشكلها البيضاوي واتساع فوهتها التي يبلغ قطرها نحو 250 مترا في أحد محوريها و110 أمتار في المحور الآخر، فيما يصل عمقها إلى نحو 70 مترا.
وفي الجزء الجنوبي من قاع الحفرة، يظهر مدخل كهف كبير يمتد لنحو 200 متر، ويصل عمقه عند أعمق نقطة إلى نحو 135 مترا. ويشكل الكهف امتدادا طبيعيا للتكوينات الجيولوجية الموجودة في المنطقة، ويمنح الموقع بعدا إضافيا يتجاوز المشهد الخارجي للحفرة.
ويمكن الوصول إلى قاع حفرة الجنة عبر درج حجري منحوت في الصخور يضم نحو 450 درجة. ويمر المسار نزولا في اتجاه الشمال أولا، ثم يتجه جنوبا، وصولا إلى كنيسة صغيرة عند مدخل الكهف، تقع قرب الدرجة الثلاثمئة.
وتكشف هذه الطريق عن كيفية توظيف الإنسان للتضاريس الطبيعية للوصول إلى أعماق الموقع، كما تجعل زيارة الحفرة تجربة تجمع بين مشاهدة المشهد الجيولوجي والتعرف على الآثار الدينية التي احتضنتها المنطقة.
وقد عُرفت الحفرة في العصور القديمة باسم «كهف كوريوكوس»، وارتبطت بمكانة مقدسة في الموروث المحلي، قبل أن تتحول في العصر الحديث إلى إحدى الوجهات البارزة للسياحة الطبيعية والثقافية في مرسين.
حفرة جهنم.. هاوية ارتبطت بأسطورة الوحش تيفون
على مسافة نحو 75 مترا إلى الشمال الشرقي من حفرة الجنة، تقع حفرة جهنم، التي تتميز بشكلها الأكثر انحدارا وصعوبة في الوصول إلى قاعها.
ويبلغ اتساع فوهتها نحو 50 مترا في أحد المحورين و75 مترا في الآخر، فيما يصل عمقها إلى نحو 128 مترا، أي ما يقارب ضعف عمق حفرة الجنة. وتتميز جوانبها بانحنائها إلى الداخل، الأمر الذي يجعل النزول إلى قاعها شديد الصعوبة، بخلاف الحفرة المجاورة التي تضم سلما حجريا يتيح الوصول إلى الأسفل.
غير أن ما يمنح حفرة جهنم شهرتها لا يقتصر على أبعادها الجيولوجية، بل يشمل أيضا الأسطورة اليونانية التي ارتبطت بها عبر قرون.
فبحسب الميثولوجيا الإغريقية، اندلعت حرب بين الآلهة والجبابرة، انتهت بهزيمة الجبابرة وسجنهم في أعماق الأرض بأمر من زيوس، كبير الآلهة. وسعيا إلى الانتقام لأحفادها، أنجبت الإلهة غايا، التي ترمز إلى الأرض، وحشا هائلا يدعى تيفون، وُصف بأنه مخلوق ينفث النار ويثير الدمار أينما حل.
وتروي الأسطورة أن تيفون خاض مواجهة عنيفة مع زيوس، قبل أن يُهزم في النهاية. وقبل أن يسجنه زيوس بصورة نهائية تحت بركان إتنا في جزيرة صقلية، حبسه مؤقتا في حفرة جهنم، وفقا للرواية التي تناقلتها المصادر المرتبطة بالموقع.
وهكذا اكتسبت الحفرة اسمها، لتصبح مثالا على الكيفية التي فسّر بها الإنسان القديم الظواهر الطبيعية المهيبة من خلال القصص الأسطورية، وربط أعماق الأرض بعوالم الآلهة والوحوش والقوى الخارقة.
كنيسة مريم العذراء.. أثر مسيحي في أعماق الطبيعة
عند مدخل الكهف في حفرة الجنة، تقف بقايا كنيسة صغيرة مكرسة لمريم العذراء، تمثل أحد أبرز الشواهد على التحول الديني الذي شهدته المنطقة خلال العصور القديمة المتأخرة.
وتشير المعلومات المنشورة على بوابة الثقافة التركية التابعة لوزارة الثقافة والسياحة إلى أن الكنيسة يعود تاريخها على الأرجح إلى القرن الخامس الميلادي، وأنها شُيدت بفضل تبرع شخص متدين يدعى باولوس، وفقا للنقش المؤلف من أربعة أسطر فوق مدخلها.
ويتميز المبنى بموقعه أسفل امتداد صخري طبيعي وفر له الحماية، الأمر الذي قلل حاجته إلى سقف مستقل يغطي كامل البناء. وفي الجهة الشرقية، توجد حنية المذبح وغرفتان جانبيتان، تعلوها قباب، فيما زُينت قبة الحنية وجدرانها الداخلية برسوم جدارية «فريسكو» تصور السيد المسيح إلى جانب تلاميذه، وإن كانت هذه الرسوم قد تعرضت للتلف بمرور الزمن إلى حد يصعب معه تمييز تفاصيلها بوضوح.
وتضم الجدران الشمالية والجنوبية نوافذ صغيرة ذات أقواس، بينما يعكس مخطط الكنيسة وخصائصها المعمارية تقاليد البناء الديني في العصور المسيحية المبكرة.
وتكتسب الكنيسة أهمية خاصة لأنها تكشف عن استمرار الاستخدام الديني للموقع عبر مراحل تاريخية مختلفة؛ فالمكان الذي ارتبط بمعتقدات العالم القديم احتضن لاحقا منشأة مسيحية، في صورة تعكس التحولات الدينية والثقافية التي شهدها الساحل الجنوبي للأناضول.
معبد زيوس.. من العبادة الهلنستية إلى الاستخدام المسيحي
على مقربة من الطرف الجنوبي لحفرة الجنة، تقع بقايا معبد زيوس، الذي يمثل مرحلة أقدم من تاريخ الموقع، وتعود مرحلته الأولى إلى العصر الهلنستي.
وشُيد المعبد وفق الطراز الدوري المعروف في العمارة اليونانية القديمة، ولم يكن محاطا بصفوف من الأعمدة على النحو الذي يظهر في بعض المعابد الكلاسيكية. وتكشف بقاياه عن تقاليد معمارية دينية انتشرت في شرق البحر المتوسط، قبل أن تتغير وظائف المنشأة في العصور اللاحقة.
ومن أبرز التفاصيل التاريخية المرتبطة بالمعبد أسماء نحو 130 رجل دين وشخصية دينية نُقشت على أحجار أعيد استخدامها في جداره الشمالي، ويرجع نشاط أصحابها إلى العصرين الهلنستي والروماني. وتوفر هذه النقوش مادة مهمة لدراسة التنظيم الديني في المنطقة، كما تساعد على فهم مكانة الموقع في الحياة العامة آنذاك.
وخلال العصر المسيحي، حُوّل المعبد إلى كنيسة، وشهد المبنى تغييرات معمارية شملت إزالة جداره الجنوبي وإعادة استخدام أحجاره في تشييد جزء من المدخل ذي الأبواب الثلاثة إلى الغرب من الكنيسة. ولم يبق هذا الجزء قائما بصورته الأصلية، إذ تعرض للتلف والانهيار مع مرور الزمن.
وتوضح هذه التحولات كيف أعادت المجتمعات المتعاقبة توظيف المباني القديمة بما يتناسب مع معتقداتها واحتياجاتها الجديدة، لتصبح الآثار الموجودة اليوم سجلا ماديا لمراحل مختلفة من التاريخ الديني والمعماري في المنطقة.
مرسين.. وجهة تجمع الجيولوجيا والتراث الديني
تندرج حفرتا الجنة وجهنم ضمن مجموعة واسعة من المعالم الطبيعية والتاريخية التي تمنح ولاية مرسين مكانة بارزة على خريطة السياحة الثقافية في تركيا. فالولاية لا تتميز بسواحلها المتوسطية فحسب، بل تحتضن أيضا مدنا أثرية وقلاعا ومعابد وكنائس وكهوفا طبيعية، تعكس تنوعا حضاريا يمتد من العصور القديمة إلى الفترات اللاحقة.
وتشير المديرية العامة للتراث الثقافي والمتاحف التابعة لوزارة الثقافة والسياحة التركية إلى أن الموقع يخضع لإدارة متحف سيليفكه، ويستقبل الزوار ضمن شبكة المواقع الأثرية والسياحية الرسمية. ويمكن الاطلاع على تفاصيل الزيارة عبر بوابة المتاحف التركية، إذ قد تتغير مواعيد العمل والرسوم تبعا للموسم والقرارات المعمول بها.
وتتيح زيارة الموقع فرصة للتعرف على التكوينات الجيولوجية العميقة، ومشاهدة آثار الكنيسة ومعبد زيوس، واستكشاف الروابط بين التاريخ الطبيعي والمعتقدات القديمة. كما يمكن إدراج الزيارة ضمن مسار سياحي يشمل نرليكوي وقلعة الفتاة وعددا من المواقع الأثرية الأخرى في محيط سيليفكه.
وبين أعماق حفرة الجنة التي تقود إلى الكهف والكنيسة القديمة، وهاوية جهنم التي ارتبطت بأسطورة تيفون، يقدم الموقع تجربة تجمع بين العلم والتاريخ والأسطورة. وهو بذلك ليس مجرد معلم طبيعي لافت، بل مساحة تختصر جانبا من العلاقة الطويلة بين الإنسان والطبيعة، وتكشف كيف تحولت التضاريس الاستثنائية إلى أماكن للعبادة والرواية والذاكرة عبر آلاف السنين.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











