
ترك برس
حذّر الرئيس التركي الأسبق عبد الله غُل إيران من إهدار فرصة سياسية واستراتيجية أتاحتها التحولات الأخيرة في الشرق الأوسط، داعياً طهران إلى استثمار أوراق الضغط التي تمتلكها لتحقيق تسوية ترفع العقوبات وتعيد دمجها في المجتمع الدولي، بدلاً من التمسك بمواقف متشددة قد تبدد مكاسبها وتعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة.
وفي مقال نشره موقع «Project Syndicate» في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعنوان «لحظة الفرصة أمام إيران»، تناول غُل تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وانعكاساتها على موازين القوى الإقليمية ومكانة الولايات المتحدة في الخليج، معتبراً أن التطورات تتيح فرصة لإعادة بناء العلاقات بين إيران والدول العربية على أسس جديدة.
الحرب أضعفت الثقة بالولايات المتحدة
استهل غُل مقاله باستعراض الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، وأسفرت عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وسقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال قُتلوا في استهداف مدرسة ابتدائية.
واعتبر أن الهجمات افتقرت إلى الشرعية الدولية، وأدت إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط، فيما تجاوزت تداعياتها أطراف المواجهة المباشرة لتشمل الدول الخليجية والاقتصاد العالمي، خصوصاً بعد الرد الإيراني الذي استهدف إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة، وأثر على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
ورأى غُل أن الحرب وجهت ضربة إلى صورة الولايات المتحدة بوصفها ضامناً للأمن الإقليمي، بعدما أصبحت القواعد والمنشآت الأميركية في بعض دول الخليج سبباً في تعرض هذه الدول لهجمات انتقامية.
واستحضر في هذا السياق الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية عام 2019، مشيراً إلى أن عجز واشنطن آنذاك عن توفير الحماية الكافية لحلفائها أسهم في تراجع الثقة بضماناتها الأمنية.
وبحسب تحليله، فإن التطورات الأخيرة قد تدفع دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدفاعية والاقتصادية، وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، وهو تحول قد تستفيد منه الصين، خصوصاً بعد دور بكين في رعاية استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران عام 2023.
مكاسب إيران لا تعني انتصاراً استراتيجياً
وفي تقييمه للموقف الإيراني، أشار الرئيس التركي الأسبق إلى أن طهران أظهرت قدرة على الصمود والرد على الهجمات الأميركية والإسرائيلية، رغم الخسائر التي تكبدتها.
ولفت إلى أن الحرب لم تؤد إلى الاضطرابات الداخلية أو تغيير النظام الذي توقعته بعض الدوائر الغربية، بل أسهم العدوان الخارجي، وفق تقديره، في تعزيز التماسك الداخلي الإيراني.
غير أن غُل حذّر القيادة الإيرانية من المبالغة في تقدير نتائج هذه المواجهة، معتبراً أن القدرة على مقاومة خصوم أقوى عسكرياً لا تعني بالضرورة تحقيق انتصار سياسي طويل الأمد.
وأكد أن التحدي الحقيقي أمام طهران يتمثل في تحويل موقعها التفاوضي الحالي إلى مكاسب مستدامة، بدلاً من تبني مطالب قصوى قد تقود إلى استمرار الصراع واستنزاف موارد البلاد.
وشدد على ضرورة وضع الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للإيرانيين في مقدمة الأولويات، مشيراً إلى أن تخفيف العقوبات وتحسين مستوى المعيشة ينبغي أن يتقدما على الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية مؤقتة.
كما حذّر من التعويل المفرط على السيطرة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، موضحاً أن هذا النفوذ ليس مضموناً بصورة دائمة، في ظل الجهود الرامية إلى تطوير طرق بديلة لنقل الطاقة والتجارة.
دعوة لإعادة بناء العلاقات مع الخليج
وخصص غُل جانباً مهماً من مقاله لمستقبل العلاقات بين إيران ودول الخليج، معتبراً أن المرحلة الحالية قد تتيح تجاوز عقود من التنافس والشكوك المتبادلة.
وأشار إلى أن السعودية امتنعت عن الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم المساعي الإسرائيلية لدفعها نحو هذا الخيار.
ورأى أن على القيادة الإيرانية إدراك أهمية الموقف السعودي، وعدم التعامل مع دول الخليج باعتبارها امتداداً للسياسات الأميركية.
وانتقد في الوقت نفسه اعتماد طهران على حلفائها من الجماعات والقوى الإقليمية، معتبراً أن هذه السياسة لم تحقق النتائج الاستراتيجية المرجوة، بل دفعت عدداً من الدول العربية إلى التقارب مع خصوم إيران.
وحذّر من أن استمرار الهجمات أو التهديدات الإيرانية تجاه دول الخليج قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً في وقت تعيد فيه هذه الدول تقييم علاقاتها الأمنية مع واشنطن.
وأكد أن تطبيع العلاقات بين إيران والسعودية يمثل خطوة أساسية نحو بناء توازن إقليمي جديد، يسمح للطرفين بالتوقف عن النظر إلى بعضهما باعتبارهما تهديداً دائماً.
مراجعة السياسة الإيرانية تجاه فلسطين
وتطرق غُل إلى القضية الفلسطينية، رابطاً فرص تحقيق تقدم فيها بإعادة ترتيب العلاقات بين الدول الإسلامية وتخفيف حدة الانقسامات الإقليمية.
ودعا إيران إلى مراجعة نتائج سياساتها السابقة تجاه فلسطين، والتساؤل عما إذا كانت مقاربتها قد حققت مكاسب فعلية للقضية الفلسطينية.
واعتبر أن الخطاب الإيراني وفر، في بعض الحالات، ذريعة لإسرائيل لتبرير سياساتها العسكرية والحصول على دعم أميركي واسع، بدلاً من المساهمة في إيجاد تسوية عادلة للقضية.
وفي هذا الإطار، رأى أن تخفيف التوتر بين إيران والدول العربية قد يفتح المجال أمام تنسيق إقليمي أوسع بشأن فلسطين، بعيداً عن الصراعات التي استنزفت قدرات دول المنطقة خلال السنوات الماضية.
نافذة تفاوضية قد لا تبقى مفتوحة
وفي ختام مقاله، حذّر الرئيس التركي الأسبق من أن الفرصة الدبلوماسية المتاحة أمام إيران قد لا تستمر طويلاً، داعياً قيادتها إلى التحرك قبل تراجع موقعها التفاوضي.
وربط غُل هذا التحذير بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، معتبراً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تصبح أقل استعجالاً للتوصل إلى اتفاق مع طهران بعد الانتخابات، وربما تتجه إلى مواقف أكثر تشدداً.
وشدد على أن إيران تستطيع التفاوض من أجل تخفيف العقوبات وإنهاء الحصار واستعادة علاقاتها الطبيعية مع المجتمع الدولي، من دون أن يعني ذلك قبولها بالاستسلام أو التخلي عن جميع مطالبها.
وفي المقابل، دعا الولايات المتحدة والأطراف الأخرى إلى التعامل بجدية مع المخاوف الأمنية الإيرانية، معتبراً أن عقوداً من العداء والضغوط الخارجية أسهمت في ترسيخ شعور طهران بالتهديد وتعزيز مواقفها المتشددة.
وخلص غُل إلى أن الوصول إلى تسوية مستدامة يتطلب التوفيق بين الهواجس الأمنية للنظام الإيراني وحق الشعب الإيراني في العيش بأمان وازدهار، بما يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي.
وبذلك، يقدم غُل في مقاله رؤية تقوم على اعتبار التحولات التي أفرزتها الحرب فرصة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية، شريطة أن تتجنب إيران تحويل مكاسبها العسكرية والتفاوضية المؤقتة إلى سبب لإطالة المواجهة وإهدار فرص التسوية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










