
نجم الدين أجار - فوكوس بلاس - ترجمة وتحرير ترك برس
إن الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة في 28 فبراير على إيران لا تحمل فقط تداعيات عسكرية، بل تمتلك القدرة على تحريك خطوط الصدع الاقتصادية الهشة في المنطقة وإنتاج نتائج عميقة. فالبنية الأمنية في الشرق الأوسط، التي كانت تتحرك منذ سنوات في إطار توترات مضبوطة، أصبحت اليوم تتشكل تحت ظل خطر الصراع المباشر. وهذه الصورة الجديدة تفتح الباب أمام عملية قد تكون لها نتائج حيوية بالنسبة لدول الخليج، خصوصًا تلك التي أطلقت في العقد الأخير برامج تنموية طموحة.
تكلفة الصراع العسكرية عالية بلا شك. لكن التكلفة الاقتصادية الأقل ظهورًا، والتي لا تقل عنها أهمية، تحمل وزنًا استراتيجيًا أكبر بالنسبة لدول الخليج. فالنموذج الذي بُني عليه الازدهار والتنمية في الخليج خلال الأربعين عامًا الماضية كان يعتمد أساسًا على الاستقرار الجيوسياسي، وانخفاض المخاطر الأمنية، وقابلية التنبؤ بالمستقبل. إلا أن الردود المتبادلة التي نشرتها إيران في الأيام الأخيرة بدأت في تآكل هذه العناصر الثلاثة على نحو جدي.
الاستقرار الجيوسياسي وما ولّده من رخاء
استفادت دول الخليج لسنوات طويلة من عوائد ضخمة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، إضافة إلى محدودية الضغوط السكانية، ما سمح بتكوين احتياطيات مالية كبيرة. ولم يقتصر أثر هذه الوفورات على تمويل سياسات الرفاه، بل مهد أيضًا لظهور صناديق ثروة سيادية ذات تأثير عالمي. وأصبحت مؤسسات مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وهيئة أبوظبي للاستثمار، وجهاز قطر للاستثمار لاعبين ماليين استراتيجيين يضخون رؤوس أموال في الأسواق العالمية.
لكن جاذبية الخليج بالنسبة لرأس المال العالمي لم تكن نابعة فقط من هذه القدرة المالية. العامل الحاسم كان انخفاض المخاطر الجيوسياسية. فقد تمتعت دول الخليج بحماية أمنية ضمنية من الولايات المتحدة، ما أتاح لها منذ تسعينيات القرن الماضي إدارة تحولات اقتصادية عميقة دون اضطرابات سياسية كبرى، ومنحها صورة “الملاذ الآمن”.
أبرز تجليات هذا الاستقرار تمثلت في نموذج دبي. فقد انتقلت الإمارة من اقتصاد يعتمد على عوائد النفط المحدودة إلى استراتيجية تنموية قائمة على الاندماج في الاقتصاد العالمي. وأسست مناطق تجارة حرة، وسياسات ضريبية منخفضة، وتشريعات تسمح بملكية الأجانب، إضافة إلى استثمارات ضخمة في البنية اللوجستية. وأصبحت مناطق مثل المنطقة الحرة في جبل علي ومركز دبي المالي العالمي مؤسسات توفر ضمانات قانونية للمستثمرين، في حين جعلت الموانئ والمطارات وشركات مثل “طيران الإمارات” من دبي عقدة تجارية تربط الشرق بالغرب.
إلا أن نجاح هذا النموذج الاقتصادي والمؤسسي اعتمد بصورة أساسية على انخفاض المخاطر الجيوسياسية. فقد كان ثقة المستثمرين تستند إلى الأمن وقابلية التنبؤ، وليس إلى الحوافز وحدها. ومن هنا برزت حقيقة واضحة: عندما تتعرض البيئة الجيوسياسية للاهتزاز، حتى أقوى النماذج الاقتصادية تواجه صعوبة في الحفاظ على ثقة المستثمرين.
مشاريع الرؤية في الخليج: الاستعداد لعصر ما بعد النفط
على مدى العقد الأخير، سعت دول الخليج إلى توسيع نموذج التنويع الاقتصادي المستوحى من تجربة دبي، لكن على نطاق أكثر طموحًا. المثال الأبرز هو برنامج “رؤية 2030” الذي أعلنته السعودية عام 2016. ضمن هذا البرنامج جرى التخطيط لبناء مدينة “نيوم” العملاقة في قلب الصحراء، لتكون مختبرًا لدمج الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتقنيات المتقدمة في نموذج حياة مستقبلي. كما شملت الخطة مشاريع سياحية فاخرة على ساحل البحر الأحمر، واستثمارات في الصناعات الدفاعية، وتحرير قطاع الترفيه، بهدف إخراج الاقتصاد من هيمنة النفط.
أما الإمارات، فقد عمّقت استراتيجيتها بتحويل بنيتها المالية والسياحية إلى منصات للذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الفضاء والصناعات المتقدمة، سعياً للتحول إلى مركز عالمي للتقنية. في حين استفادت قطر من البنية التحتية التي وفرتها استضافة كأس العالم 2022 لدمجها في رؤية لوجستية ومالية مستدامة. كذلك قامت البحرين وعُمان بتحديث قطاعي الخدمات المالية والموانئ للانخراط في موجة التحول. القاسم المشترك بين هذه المشاريع هو جذب الاستثمار الأجنبي، وهو هدف لا يمكن تحقيقه إلا في ظل بيئة أمنية مستقرة.
التوتر الجديد: ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية
الهجمات التي تقودها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، والردود المتبادلة التي استطاعت طهران توسيع نطاقها، أدت إلى زعزعة الصورة الأمنية التي بنيت في الخليج على مدى عقود. تمتلك إيران قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة تشكل تهديدًا مباشرًا للبنية التحتية للطاقة والموانئ والمصافي والمنشآت الاستراتيجية. وقد أثبت الهجوم على منشآت أرامكو السعودية عام 2019 هشاشة منظومة الحماية. واليوم يبدو أن مستوى المخاطر قد أصبح أكثر شمولًا ونظامية.
ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية لا يقتصر أثره على المجال الأمني؛ بل يمتد إلى الاقتصاد. فكلما ارتفعت المخاطر، زادت تكاليف الاقتراض على الدول والشركات، وقد تتأثر التصنيفات الائتمانية، وترتفع تكاليف التأمين والنقل، ما يرفع كلفة التجارة. والأهم أن الاستثمارات طويلة الأجل – التي تقوم عليها مشاريع الرؤية – قد تتأخر أو تُحوّل إلى مناطق أكثر أمانًا. فالمشاريع العملاقة مثل المدن الذكية، والجزر الاصطناعية، ومراكز التكنولوجيا، تحتاج إلى بيئة مستقرة على مدى عقود.
يضاف إلى ذلك أن القدرات الدفاعية لدول الخليج، رغم ضخامة الإنفاق العسكري، لا توفر ردعًا مطلقًا أمام التهديدات غير المتماثلة. كما أن الغموض المتزايد بشأن التزامات الولايات المتحدة الأمنية يضيف بعدًا من عدم اليقين. وقد أثارت الطريقة التي نجحت بها واشنطن في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية المتجهة إلى إسرائيل نقاشًا ضمنيًّا في الخليج: فالحماية الأمريكية تبدو حاسمة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، لكن السؤال هو مدى استعدادها لتوفير المستوى نفسه من الحماية للبنى التحتية الخليجية. إذا تراجع الشعور بصلابة الضمانات الأمنية، فإن الثقة في جدوى الاستثمارات الضخمة ستتأثر.
على المدى القصير، قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة إيرادات الخليج. لكن هذا المكسب مؤقت، إذ إن هدف مشاريع الرؤية هو تقليل الاعتماد على النفط. كما أن احتمال تعرض المنشآت للطاقة أو اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز قد يهدد تدفقات النقد. فالسعر المرتفع للنفط قد يوفر تنفسًا اقتصاديًا، لكنه لا يعوّض المخاطر طويلة المدى التي تقوض ثقة المستثمرين.
لا يعني ذلك نهاية مشاريع الرؤية، لكن المخاطر تفرض ثلاثة تحديات: تباطؤ الاستثمار الأجنبي، ارتفاع تكاليف التمويل، وتحول الموارد نحو الإنفاق الأمني. فمشاريع السياحة والعقارات شديدة الحساسية لإدراك المخاطر. وإذا أصبح الخليج يُنظر إليه كساحة توتر، فإن صورته كمركز عالمي مستقر ستتضرر.
النتيجة أن التحول الاقتصادي في الخليج اعتمد تاريخيًا على بيئة منخفضة المخاطر. وإذا أصبحت المخاطر مرتفعة بشكل دائم، فقد تفقد المشاريع زخمها أو تتأخر. فالتنمية تحتاج إلى رأس مال، ورأس المال يحتاج إلى الثقة. وعندما تتزعزع الثقة، حتى أكثر الرؤى طموحًا تواجه اختبارًا صعبًا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










