
ترك برس
يشهد الاقتصاد العالمي تحولات متسارعة في خرائط التجارة والنقل والطاقة والاتصالات الرقمية، مع سعي القوى الدولية إلى إنشاء ممرات اقتصادية جديدة تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وتمنح الدول المشاركة فيها قدرة أكبر على التأثير في حركة السلع والاستثمارات والبيانات. ولم تعد المنافسة مقتصرة على اختيار أقصر الطرق لنقل البضائع، بل باتت تشمل السيطرة على الموانئ والسكك الحديدية وخطوط الطاقة وكابلات الإنترنت البحرية والبنية التحتية الرقمية التي تدير حركة التجارة العالمية.
وفي خضم هذا التحول، تواجه تركيا تحدياً استراتيجياً يتمثل في الحفاظ على موقعها ضمن شبكات الربط الجديدة، ولا سيما مع بروز مشروعات مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، وخطة «ماتّي» الإيطالية للتعاون مع أفريقيا، إلى جانب الممرات التي تسعى أنقرة إلى تطويرها، وفي مقدمتها «طريق التنمية» العراقي و«الممر الأوسط» العابر لبحر قزوين.
وفي هذا السياق، يستعرض المحلل الاستراتيجي التركي الدكتور عثمان غازي كاندمير، في مقال نشره موقع «إندبندنت تركية» بعنوان «الممرات الجديدة واستراتيجية تركيا للاتصالية»، التحولات الجيو-اقتصادية التي تعيد تشكيل طرق التجارة العالمية، محذراً من أن التحدي أمام أنقرة لا يقتصر على احتمال تجاوز أراضيها في مسارات النقل الجديدة، بل يمتد إلى مسألة من يضع قواعد الربط الاقتصادي والرقمي، ومن يتحكم في البنية التحتية الحيوية التي ستحدد اتجاهات التجارة مستقبلاً.
ويرى الكاتب أن الموقع الجغرافي يمنح تركيا فرصة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لتحويلها إلى مركز مؤثر في الاقتصاد العالمي، ما لم يقترن باستثمارات في البنية التحتية المادية والرقمية، وشراكات دولية قادرة على تعزيز دورها في شبكات التجارة والطاقة والبيانات.
الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا وخطة «ماتّي»
يشير كاندمير إلى ضرورة النظر إلى الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) وخطة «ماتّي» الإيطالية باعتبارهما مشروعين متكاملين ضمن تصور أوسع لإعادة تنظيم الروابط الاقتصادية بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
ويوضح أن الممر الاقتصادي المقترح يهدف إلى ربط الهند بمنطقة الخليج، ثم بلاد الشام والبحر المتوسط وصولاً إلى أوروبا، بما يشكل محوراً اقتصادياً يمتد من الشرق إلى الغرب. أما خطة «ماتّي»، فتضيف إلى هذا التصور بُعداً أفريقياً، من خلال تعزيز الروابط الإيطالية مع دول القارة في مجالات الطاقة والتنمية والهجرة.
وبحسب الكاتب، فإن الجمع بين المشروعين قد يفضي إلى إنشاء شبكة اقتصادية أوسع تربط أوروبا بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع امتدادات نحو الداخل الأفريقي، وهو ما يمنح البنية التحتية للنقل والطاقة والاتصالات أهمية تتجاوز دورها التقليدي.
ويشير كاندمير إلى أن الدول المعنية تؤدي أدواراً مختلفة داخل هذه المنظومة؛ إذ توفر الهند الثقل الاقتصادي والقدرات الرقمية واللوجستية في الطرف الشرقي، بينما يشكل ميناء حيفا والتقنيات الأمنية الإسرائيلية إحدى نقاط الربط المطروحة في شرق المتوسط، في حين تستفيد إيطاليا من موانئها، ومنها ترييستي، وشبكات النقل الممتدة إلى عمق أوروبا.
ويرى الكاتب أن أهمية هذه الترتيبات لا تكمن في نقل البضائع وحده، بل في بناء شبكة متكاملة تربط البنية التحتية المادية بالأنظمة الرقمية، بما يسمح بتنسيق حركة الشحن وتبادل البيانات وإدارة الإجراءات الجمركية عبر أنظمة مترابطة.
من الموانئ والسكك الحديدية إلى كابلات الإنترنت
يلفت كاندمير إلى أن العنصر الذي يميز الممرات الاقتصادية الجديدة هو دمج النقل التقليدي بالبنية التحتية الرقمية، بحيث تصبح إدارة البيانات جزءاً أساسياً من تشغيل التجارة العابرة للحدود.
ويستشهد الكاتب بالخطط الرامية إلى الربط بين منصة الواجهة اللوجستية الموحدة في الهند والمنصة اللوجستية الوطنية في إيطاليا، بهدف تسهيل الإجراءات الجمركية وتتبع الشحنات وتبادل المعلومات عبر أنظمة مشتركة.
ويشير إلى أن هذه المنظومة تشمل أيضاً كابلات الألياف الضوئية البحرية وأنظمة التتبع عبر الأقمار الصناعية والبنية التحتية للأمن السيبراني، ما يجعل الممر الاقتصادي شبكة متعددة الوظائف، لا مجرد مسار مادي لنقل السلع.
وفي هذا الإطار، يتناول كاندمير مشروع كابل «بلو رامان» البحري، الذي تطوره شركتا غوغل وتيليكوم إيطاليا سباركل، باعتباره مثالاً على الربط بين البنية التحتية الرقمية والممرات الجغرافية الجديدة.
ويوضح أن المشروع يستهدف توفير مسار لربط إيطاليا بإسرائيل، ثم توسيع الاتصال عبر الشرق الأوسط وصولاً إلى الهند، بما يوفر بديلاً عن بعض المسارات الحالية التي تمر عبر مصر.
ويرى الكاتب أن المخاطر الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب تزيد أهمية تنويع مسارات نقل البيانات، تماماً كما تدفع التهديدات التي تواجه طرق الشحن البحري إلى البحث عن بدائل للممرات التقليدية.
ويضيف أن السيطرة على هذه البنية التحتية تمنح الدول والشركات المشغلة لها نفوذاً يتجاوز تسهيل حركة التجارة؛ فالممر الذي يدير انتقال البضائع يمكنه أيضاً التأثير في تدفق البيانات والمعايير اللوجستية، بما قد ينشئ أشكالاً جديدة من الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي.
ومن هذا المنطلق، يحذر كاندمير من أن المنافسة على الممرات الجديدة تتعلق أيضاً بمن يمتلك القدرة على إدارة الأنظمة الرقمية وتأمينها وتحديد القواعد التي تحكم عملها.
مشروعات طموحة تعترضها عقبات سياسية ومالية
على الرغم من الطموحات المرتبطة بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، يؤكد كاندمير أن المشروع لم يتحول بعد إلى منظومة مكتملة، وأن التحديات السياسية والأمنية والمالية لا تزال تعيق تقدمه.
ويشير الكاتب إلى أن حرب غزة ألقت بظلالها على فرص تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، وهو مسار كان من شأنه أن يسهم في تهيئة الظروف السياسية اللازمة لتطوير بعض حلقات الممر.
كما يلفت إلى وجود فجوات في البنية التحتية للسكك الحديدية التي يُفترض أن تربط الأردن بميناء حيفا، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التمويل وعدم وضوح ترتيبات الإدارة المؤسسية للمشروع.
ويضيف أن غياب آليات مشتركة لمعالجة النزاعات العابرة للحدود يزيد صعوبة الانتقال من التصورات السياسية إلى التنفيذ الفعلي.
ويرى كاندمير أن التقدم في الأنظمة الرقمية قد يساعد على تطوير بعض جوانب المشروع حتى في ظل تأخر تنفيذ البنية التحتية المادية، لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين الطموح التكنولوجي والإنجاز على الأرض؛ فالأنظمة البرمجية لا تستطيع تعويض غياب السكك الحديدية أو المعابر الحدودية اللازمة لنقل البضائع.
أما خطة «ماتّي»، فيصفها الكاتب بأنها محاولة إيطالية لتنسيق سياسات الطاقة والتنمية والهجرة في أفريقيا ضمن إطار استراتيجي واحد. ويشير إلى أن الموارد الأولية المخصصة للخطة، والبالغة 5.5 مليارات يورو وفق المقال، قد لا تكون كافية لتغطية اتساع أهدافها.
ومع ذلك، يرى أن جمع إيطاليا بين الموارد الأوروبية والاستثمارات في الطاقة وعلاقاتها مع الدول الأفريقية قد يؤثر في موازين النفوذ في منطقة البحر المتوسط، ويفتح المجال أمام ترتيبات اقتصادية جديدة.
تركيا أمام منافسة تتجاوز طرق النقل
يعتبر كاندمير أن المخاطر التي تواجه تركيا لا تقتصر على احتمال تجاوز أراضيها في مسارات النقل بين آسيا وأوروبا، بل تشمل أيضاً احتمال تشكل شبكة اقتصادية وتكنولوجية في شرق المتوسط من دون مشاركة تركية مباشرة.
ويوضح أن تطور الروابط اللوجستية بين حيفا وإيطاليا، إلى جانب الاستثمارات في الموانئ والطاقة وكابلات البيانات البحرية، قد يؤدي إلى نشوء شبكة متكاملة تؤثر في حركة التجارة والاتصالات، وتضيف أبعاداً جديدة إلى التنافس في شرق المتوسط.
كما يشير إلى أن التنافس قد يمتد إلى أفريقيا، حيث تتقاطع أهداف خطة «ماتّي» مع أنشطة تركيا السياسية والاقتصادية والأمنية في ليبيا والصومال ومنطقة الساحل الأفريقي.
لكن الكاتب يحذر من اعتبار العلاقة بين أنقرة وروما منافسة حتمية، لافتاً إلى أن وصول إيطاليا إلى الموارد الأوروبية، في مقابل حضور تركيا السياسي والاقتصادي والميداني في عدد من الدول الأفريقية، قد يتيح فرصاً للتعاون في مشروعات مشتركة.
وبحسب كاندمير، فإن قدرة تركيا على التعامل مع هذه التحولات تتوقف على تبني رؤية تتجاوز المنافسة على خطوط النقل، لتشمل تطوير البنية الرقمية، وتعزيز الشراكات الإقليمية، وتوسيع قدرتها على التأثير في إدارة الممرات الاقتصادية.
«طريق التنمية».. ربط الخليج بأوروبا عبر تركيا
يحدد كاندمير ثلاثة مسارات رئيسية يمكن أن تعزز موقع تركيا في شبكة التجارة العالمية الجديدة، ويأتي في مقدمتها تسريع تنفيذ مشروع «طريق التنمية» العراقي.
ويهدف المشروع إلى ربط ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بمنطقة أوفاكوي على الحدود التركية، عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق السريعة، بما يتيح نقل البضائع من الخليج إلى تركيا ومنها إلى الأسواق الأوروبية.
ويرى الكاتب أن هذا المشروع يمكن أن يشكل مساراً مهماً لتعزيز دور تركيا في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، خصوصاً إذا جرى تنفيذه ضمن منظومة متكاملة تشمل النقل والخدمات اللوجستية والتخليص الجمركي.
لكنه يشير إلى أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطاً بمعالجة التحديات السياسية والإدارية داخل العراق، وتوفير التمويل اللازم، والتعامل مع المخاطر الأمنية التي قد تعيق تنفيذ المشروع وتشغيله.
ومن وجهة نظر كاندمير، فإن تسريع «طريق التنمية» لا ينبغي أن يقتصر على إنشاء البنية التحتية المادية، بل يجب أن يشمل أيضاً تطوير أنظمة الإدارة والتشغيل والتنسيق بين الجهات المعنية، حتى يتمكن المشروع من المنافسة مع الممرات الأخرى.
الممر الأوسط.. تعزيز الربط عبر بحر قزوين
أما المسار الثاني، فيتمثل في زيادة القدرة الاستيعابية للممر الأوسط العابر لبحر قزوين، الذي يربط آسيا بأوروبا عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا، مروراً بخط باكو-تبليسي-قارص.
ويشير الكاتب إلى أن هذا الممر يمثل أحد المسارات القائمة التي يمكن لتركيا الاستفادة منها في تنويع طرق التجارة بين الشرق والغرب، لكنه يواجه تحديات تحد من قدرته على المنافسة.
ويعدد كاندمير من بين هذه التحديات مشكلات نقل البضائع بين وسائل النقل المختلفة في بحر قزوين، وارتفاع تكاليف الشحن، وعدم التوافق الكامل بين الإجراءات الجمركية والأنظمة التشغيلية للدول التي يعبرها الممر.
ويرى أن تعزيز قدرة الممر الأوسط يتطلب تحسين كفاءة النقل البحري والسككي، وتقليص أوقات الانتظار عند نقاط العبور، وتوحيد الإجراءات الجمركية قدر الإمكان.
ويضيف أن تطوير هذه الجوانب من شأنه تعزيز جاذبية الممر أمام الشركات التي تبحث عن مسارات بديلة لنقل بضائعها بين آسيا وأوروبا.
البنية الرقمية.. الحلقة التي تربط الممرات بعضها ببعض
يضع كاندمير تطوير البنية التحتية الرقمية في المرتبة الثالثة ضمن أولويات تركيا، مؤكداً أن نجاح الممرات المادية يعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة الرقمية التي تديرها.
ويدعو الكاتب إلى تطوير شبكات الألياف الضوئية ومراكز البيانات وأنظمة الجمارك الإلكترونية وقدرات الأمن السيبراني على امتداد «طريق التنمية» والممر الأوسط، بما يتيح إدارة أكثر كفاءة لتدفق البضائع والمعلومات.
ويرى أن تكامل الأنظمة الرقمية يمكن أن يقلل التأخير الإداري، ويحسن تتبع الشحنات، ويسهل تبادل البيانات بين الدول والشركات، بما يعزز القدرة التنافسية للممرات التي تمر عبر تركيا.
كما يشير إلى أهمية ربط مشروعات النقل بالبنية الرقمية منذ مراحل التخطيط الأولى، بدلاً من التعامل مع الاتصالات وتبادل البيانات باعتبارهما خدمات إضافية يمكن تطويرها لاحقاً.
ويعني ذلك، وفق منطق المقال، أن المنافسة المستقبلية لن تُحسم بالمسافة الجغرافية وحدها، بل بمدى قدرة الدول على توفير خدمات لوجستية متكاملة وسريعة وآمنة.
من موقع جغرافي إلى مركز للاتصال العالمي
في ختام تحليله، يشدد كاندمير على أن تركيا ليست مضطرة إلى الاختيار بين مبادرة الحزام والطريق الصينية، والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والمشروعات التي تقودها دول الخليج، بل إن مصلحتها تكمن في بناء روابط مع مختلف الشبكات وتعزيز قدرتها على التأثير في طريقة عملها.
ويدعو الكاتب إلى استكشاف فرص التعاون مع إيطاليا في أفريقيا، وتعزيز مشاركة دول الخليج في «طريق التنمية»، ودفع التكامل الرقمي والجمركي في إطار منظمة الدول التركية.
ويرى أن هذه الخطوات يمكن أن تساعد أنقرة على الاستفادة من موقعها الجغرافي، مع تحويله إلى قدرة اقتصادية واستراتيجية ملموسة عبر الاستثمارات والبنية التحتية والتعاون الدولي.
ويخلص كاندمير إلى أن الهدف التركي ينبغي ألا يقتصر على البقاء دولة عبور تمر عبرها البضائع في طريقها إلى وجهات أخرى، بل أن تصبح مركزاً مؤثراً في توجيه التجارة والبيانات والاستثمارات، وقادراً على المشاركة في تحديد المعايير التي تحكم الممرات الاقتصادية الجديدة.
وبذلك، يضع المقال مستقبل استراتيجية الربط التركية أمام معادلة أساسية: فالموقع الجغرافي يمنح أنقرة فرصة للاضطلاع بدور محوري في التجارة العالمية، لكن تحويل هذه الفرصة إلى نفوذ مستدام يتطلب استكمال المشروعات المادية، وتطوير القدرات الرقمية، وبناء شراكات متعددة المسارات، بما يضمن لتركيا مكاناً فاعلاً في النظام الاقتصادي الذي يتشكل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











