
ترك برس
تأتي التطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة، بالتزامن مع تصاعد المواجهة بين روسيا وأوكرانيا وتزايد التوترات بين السعودية والحوثيين، في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات لإعادة ترتيب منظومتها الأمنية وتعزيز التعاون الدفاعي بين دولها. وفي ظل هذه التحولات، تبرز تساؤلات بشأن انعكاسات الصراعات الإقليمية على المبادرات الرامية إلى بناء ترتيبات أمنية تنطلق من داخل المنطقة، بعيداً عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل التركي جوشكون باشبوغ، في مقال نشرته صحيفة ستار المحلية بعنوان «كابوس مكة»، أن التطورات العسكرية المتزامنة لا ينبغي قراءتها باعتبارها أحداثاً منفصلة بالضرورة، بل ضمن مشهد دولي أوسع تتداخل فيه المصالح الجيوسياسية والصراعات على النفوذ. ويذهب الكاتب إلى أن التصعيد بين الحوثيين والسعودية قد يعرقل مساعي تأسيس تحالف دفاعي إقليمي، يعتبره أحد التطورات التي يمكن أن تؤثر في موازين القوى بالمنطقة.
ويطرح باشبوغ، في تحليله، فرضية مفادها أن القوى التي تعارض إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية قد تستفيد من تصاعد الأزمات لإجهاض المبادرات الأمنية الجديدة، مستنداً في ذلك إلى تزامن المواجهات مع التحركات الرامية إلى تأسيس ما يسميه «تحالف مكة».
عالم يتجه نحو تحولات جيوسياسية كبرى
يستهل باشبوغ مقاله بالإشارة إلى أن العالم يمر بمرحلة شديدة التعقيد، تتزامن فيها تطورات عسكرية وأمنية في أكثر من منطقة، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى التوترات في شبه الجزيرة العربية.
ويقول الكاتب إن الهجمات التي تستهدف منشآت إنتاج النفط ومحطات نقل الوقود في روسيا والسعودية تستدعي، من وجهة نظره، قراءة أوسع للروابط المحتملة بين الأحداث، بدلاً من التعامل مع كل تطور بمعزل عن السياق الدولي المحيط به.
ويربط باشبوغ هذه التطورات بما يصفه بتحولات عميقة في النظام العالمي، مع ظهور مراكز قوة متعددة وتراجع قدرة المنظومة الدولية القائمة على احتواء التغيرات الجيوسياسية.
ويعتبر أن تعدد الأقطاب وتغير موازين النفوذ يهددان مصالح القوى التي اعتادت التأثير في مسار النظام الدولي، ويرى أن بعض هذه القوى قد تلجأ إلى تصعيد الأزمات للحفاظ على نفوذها وإعاقة نشوء ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.
وفي هذا الإطار، يوجّه الكاتب اتهامات إلى إسرائيل وقوى إمبريالية عالمية، ويضع بريطانيا في مركز ما يصفه بالتحركات الرامية إلى إبقاء المنطقة والعالم في حالة اضطراب. غير أن هذه الطروحات تمثل تفسير باشبوغ للأحداث، ولا يقدم المقال أدلة مستقلة تثبت وجود تنسيق موحد بين الأطراف المذكورة لإدارة الصراعات المتزامنة.
السعودية والحوثيون.. تصعيد في توقيت حساس
يولي الكاتب أهمية خاصة للتوترات بين السعودية والحوثيين، معتبراً أن التصعيد بين الطرفين يكتسب دلالة إضافية بسبب تزامنه مع التحركات المتعلقة بتأسيس «تحالف مكة».
ويشير باشبوغ إلى أن التحالف، وفق التسلسل الزمني الذي يعرضه في مقاله، وُقّع في 7 أغسطس/آب 2026، وأعقبته اجتماعات مهمة، من بينها اجتماع في 31 أغسطس/آب من العام نفسه. ثم اندلعت، بحسب روايته، مواجهات متصاعدة بين الحوثيين والسعودية اعتباراً من 3 سبتمبر/أيلول.
ويرى الكاتب أن هذا التزامن يثير تساؤلات بشأن الأطراف التي قد تستفيد من إضعاف التعاون الدفاعي الإقليمي، خصوصاً أن التحالف الجديد يستهدف، وفق تصوره، إيجاد إطار أمني قادر على التعامل مع تحديات المنطقة.
ويضيف باشبوغ أن التصعيد العسكري يمكن أن يتحول إلى اختبار سياسي للتحالف قبل اكتمال مؤسساته وآليات عمله، إذ قد يؤدي انشغال أعضائه بمواجهة الأزمات المباشرة إلى إبطاء التنسيق بينهم وإضعاف الثقة بقدرته على الاستجابة للتهديدات.
كما يشير إلى أن التساؤلات التي يوردها بشأن قدرة التحالف على التعامل مع التصعيد تعكس، في قراءته، محاولة لاختبار تماسك المبادرة الجديدة وجدواها.
ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك، إذ يطرح فرضية أن التصعيد قد يخدم أطرافاً تسعى إلى عرقلة التحالف قبل أن يترسخ. لكنه لا يقدم في مقاله أدلة موثقة تثبت أن المواجهات بين الحوثيين والسعودية اندلعت نتيجة خطة مشتركة تقف وراءها إسرائيل أو قوى دولية أخرى.
إيران وإسرائيل في قراءة الكاتب
وفي تفسيره للتصعيد، يطرح باشبوغ اتهامات بشأن وجود صلات بين إسرائيل والحرس الثوري الإيراني، ويرى أن هذه الصلات قد تُستغل، وفق تصوره، للتأثير في تحركات الحوثيين ضد السعودية وإعاقة قيام التحالف الإقليمي.
كما يقارن الكاتب بين الهجمات الحوثية التي استهدفت إسرائيل، والهجمات التي يقول إنها أصابت أهدافاً سعودية بدقة، معتبراً أن هذا التباين يثير تساؤلات حول طبيعة العمليات وأهدافها.
ويستخدم باشبوغ هذه المقارنة لتعزيز فرضيته بشأن وجود حسابات إقليمية تتجاوز المواجهة المباشرة بين الحوثيين والسعودية.
ومع ذلك، فإن الربط الذي يقيمه الكاتب بين إسرائيل والحرس الثوري الإيراني والحوثيين في سياق استهداف التحالف يظل جزءاً من تحليله السياسي، ولا تكفي الوقائع التي يسوقها المقال وحدها لإثبات وجود تنسيق سري بين هذه الأطراف لتحقيق هذا الهدف.
وتكشف هذه القراءة عن تركيز الكاتب على البعد الجيوسياسي للأحداث، إذ لا ينظر إلى الهجمات بوصفها عمليات عسكرية فحسب، بل باعتبارها تطورات يمكن أن تؤثر في مستقبل التحالفات الإقليمية ومساعي إعادة ترتيب الأمن في المنطقة.
«تحالف مكة».. محاولة لبناء أمن إقليمي
يعتبر باشبوغ أن «تحالف مكة» يمثل، في تصوره، خطوة مهمة نحو تغيير معادلات الأمن الإقليمي، من خلال تعزيز قدرة دول المنطقة على تنسيق مواقفها والاستجابة للتهديدات التي تواجهها.
ويرى أن أهمية المبادرة تكمن في إمكانية تأسيس إطار أمني يستند إلى مصالح الدول المعنية وقدراتها، بدلاً من الاعتماد على تدخلات خارجية قد لا تتطابق دائماً مع أولويات المنطقة.
ويشير الكاتب إلى أن التحالف، وفق رؤيته، لا يقتصر على التنسيق العسكري، بل يحمل دلالة سياسية أوسع تتعلق بقدرة الدول الإقليمية على صياغة حلول لمشكلاتها الأمنية، وتطوير مؤسسات وآليات مشتركة تسمح لها بالتعامل مع الأزمات بصورة أكثر استقلالية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر باشبوغ أن التصعيد المتزامن مع تأسيس التحالف قد يشكل اختباراً مبكراً لمدى قدرة الدول المشاركة على مواصلة التنسيق رغم الضغوط والتحديات.
لكن نجاح أي إطار دفاعي إقليمي، وفق ما يمكن استخلاصه من القضايا التي يناقشها المقال، يرتبط بوضوح أهدافه، وتحديد التزامات أعضائه، ووجود آليات عملية للتعامل مع الأزمات، فضلاً عن القدرة على إدارة الخلافات السياسية التي قد تظهر بين الأطراف المشاركة.
أردوغان: لن ننجر إلى الاستفزازات
ويستشهد باشبوغ بتصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن اتفاقية الدفاع عن مكة، باعتبارها تعكس موقفاً يدعو إلى مواصلة المسار الإقليمي رغم التحديات التي قد تواجهه.
وينقل الكاتب عن أردوغان وصفه الاتفاقية بأنها «خطوة قوية في الاتجاه الصحيح»، مشيراً إلى أن إطلاق مبادرة مهمة في منطقة معقدة لا يعني أن الطريق سيكون خالياً من الاختبارات والصعوبات.
ويؤكد أردوغان، بحسب التصريحات التي أوردها المقال، أن تركيا تمتلك خبرة مؤسساتية وسياسية تجعلها قادرة على التعامل مع الاستفزازات وتجنب الوقوع في الفخاخ، قائلاً إن بلاده لن تنجر إلى محاولات الاستفزاز أو تقع في المصائد.
كما يشدد الرئيس التركي، وفق النص المنقول، على أهمية استكمال أعمال مأسسة التحالف، معرباً عن ثقته بأن هذه الخطوات ستسمح له بالمضي قدماً بفاعلية أكبر.
ويضيف أردوغان أن المبادرة تمهد الطريق أمام إيجاد أرضية لمعالجة مشكلات المنطقة عبر إمكاناتها الذاتية، مستحضراً تجارب سابقة رأى فيها أن التدخلات الخارجية تركت وراءها مزيداً من عدم الاستقرار بدلاً من حل الأزمات.
ويختم الرئيس التركي، بحسب الاقتباس الذي أورده باشبوغ، بالتعبير عن ثقته بقدرات بلاده وشعبها وشركائها، وتشبيه المبادرة بغرسة ستنمو تدريجياً لتصبح شجرة راسخة.
ويقرأ باشبوغ هذه التصريحات باعتبارها تأكيداً على أن أنقرة لا تنظر إلى التحديات الراهنة بوصفها سبباً للتراجع عن مسار التعاون الإقليمي، بل باعتبارها اختباراً يتطلب مزيداً من التنسيق والصبر واستكمال البنية المؤسسية للتحالف.
اختبار للمبادرات الأمنية في المنطقة
يخلص باشبوغ إلى أن تزامن الأزمات الدولية والإقليمية يفرض، من وجهة نظره، ضرورة النظر إلى التطورات الأمنية ضمن سياق أوسع من المواجهات العسكرية المباشرة، مع إيلاء اهتمام خاص لتأثيرها في التحالفات الناشئة وموازين القوى.
ويعتبر أن مستقبل «تحالف مكة» يرتبط بقدرته على تجاوز الضغوط، واستكمال مؤسساته، وتطوير آليات مشتركة للاستجابة للأزمات، دون السماح للتصعيد بأن يتحول إلى عامل يعطل أهدافه السياسية والأمنية.
وفي المقابل، يظل تفسير التصعيد باعتباره جزءاً من خطة منسقة لإفشال التحالف فرضية يطرحها الكاتب، ولا يمكن الجزم بصحتها استناداً إلى التزامن الزمني وحده.
وبذلك، يسلط المقال الضوء على سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الأمن الإقليمي: هل تستطيع دول المنطقة بناء منظومة تعاون دفاعي تستمر في ظل الصراعات والتنافسات الدولية، أم أن الأزمات المتلاحقة ستحد من قدرتها على تحويل المبادرات السياسية إلى ترتيبات مؤسسية مستقرة؟
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











