
ترك برس
تتداخل أزمات الشرق الأوسط مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، في مشهد تتشابك فيه حسابات الطاقة والمصالح الانتخابية والتنافس الجيوسياسي، وسط تزايد الضغوط على أطراف الصراع وإعادة ترتيب التحالفات الدولية. وفي ظل هذه التطورات، يرى الكاتب التركي ندرت إرسانيل، في مقال بصحيفة «يني شفق» التركية، أن التحركات الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية لا يمكن فصلها عن محاولات التأثير في مسارات الحروب وموازين القوى، محذراً من أن الأطراف التي تبدو اليوم ممسكة بخيوط اللعبة قد تجد نفسها في نهاية المطاف ضحية لهذه الحسابات.
وفي مقاله الذي حمل عنوان «يشنقون الدمية بحبلها»، يربط إرسانيل بين تصاعد التوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز والخليج، وبين الضغوط السياسية التي تواجهها أوكرانيا والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبراً أن ما يجري يتجاوز الأزمات الإقليمية المنفصلة إلى صراع أوسع على النفوذ والطاقة ومستقبل العلاقات عبر الأطلسي.
البحر الأحمر والخليج.. عروض المساعدة في قلب الصراع
يشير إرسانيل إلى أن التوترات المرتبطة بإسرائيل وإيران، إلى جانب هجمات الحوثيين على أهداف سعودية، تزيد من احتمالات اندلاع أزمات متزامنة في البحر الأحمر ومضيق هرمز والخليج، بما يرفع مستوى التهديدات المحيطة بالمنطقة.
ويلفت الكاتب إلى مفارقة لافتة تتمثل في عرض كل من إيران وإسرائيل تقديم المساعدة للسعودية، رغم التباين الحاد بين مواقفهما ومصالحهما الإقليمية.
ووفقاً لقراءته، تحاول طهران تقديم نفسها وسيطاً بين الرياض والحوثيين، في حين تعرض إسرائيل استهداف الحوثيين بذريعة حماية الأراضي المقدسة، في وقت يرى فيه الكاتب أن هذا العرض يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الأمني.
ويحذر إرسانيل من التداعيات الرمزية والسياسية التي قد تترتب على ظهور إسرائيل بمظهر الطرف الذي يتولى حماية السعودية، معتبراً أن مثل هذا السيناريو قد ينعكس على صورة العلاقات والتحالفات في المنطقة. ويشير إلى أن رفض الرياض العرض الإسرائيلي، بحسب ما يورده المقال، يعكس حساسية هذا الملف وتعقيداته.
كما يلفت الكاتب إلى ما يصفه بمفارقة أخرى تتمثل في تصعيد إيران ضغوطها على الولايات المتحدة، مقابل محاولات إسرائيل، وفق تقديره، دفع واشنطن إلى الانخراط بصورة أعمق في المواجهة عبر الساحة اليمنية.
ترامب وزيلينسكي.. ضغوط سياسية تتجاوز الحرب
ينتقل إرسانيل إلى الحرب الروسية الأوكرانية، متوقفاً عند تصريحات ترامب التي قال فيها إن أوكرانيا تحتاج إلى رئيس قادر على إبرام اتفاق، وإن الوقت قد حان لذلك.
ويرى الكاتب أن هذه التصريحات أثارت قلقاً في كييف والعواصم الأوروبية، لأنها لا تتعلق بمستقبل الحرب وحده، بل تحمل أيضاً رسالة سياسية مباشرة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
ويشير إرسانيل إلى أن زيلينسكي وصل إلى الرئاسة عبر الانتخابات، لكنه لم يخض انتخابات جديدة منذ اندلاع الحرب، في ظل استمرار تأجيل الاستحقاق الانتخابي بسبب الظروف الاستثنائية. ويعتبر الكاتب أن توظيف ترامب مسألة الانتخابات في الضغط على زيلينسكي لا يمكن قراءته بمعزل عن مساعي واشنطن لإعادة تشكيل مسار الحرب وشروط التسوية.
وفي هذا السياق، يربط إرسانيل بين تحركات ترامب تجاه موسكو وملف الطاقة في الولايات المتحدة، موضحاً أن الرئيس الأمريكي أعلن، عقب تواصله مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، عن احتمال وصول الديزل الروسي إلى بلاده.
ويقول الكاتب إن هذه الخطوة قد لا تكون كافية لمعالجة المشكلات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الأمريكي أو سوق الطاقة، لكنها قد تحقق أثراً معنوياً وسياسياً في الداخل، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، وارتفاع حساسية الناخبين تجاه أسعار الوقود.
وبحسب إرسانيل، فإن الضغط الذي يمارسه ترامب على زيلينسكي يمكن فهمه أيضاً باعتباره جزءاً من مقايضة سياسية أوسع، إذ قد تُقرأ الخطوات الروسية المتعلقة بالطاقة بوصفها بادرة تجاه واشنطن، في مقابل تشديد الضغوط الأمريكية على القيادة الأوكرانية.
أوروبا تحاول تخفيف الضغط عن كييف
يقول إرسانيل إن لندن وبرلين وباريس تعاملت بجدية مع تصريحات ترامب، وسارعت إلى تجديد تأكيد دعمها لأوكرانيا والتزامها الوقوف إلى جانب زيلينسكي.
ويرى الكاتب أن الموقف الأوروبي يهدف، في أحد أبعاده، إلى تخفيف الضغط السياسي الأمريكي عن الرئيس الأوكراني، ومنع واشنطن من استخدام التهديد بتقليص الدعم أو التشكيك في شرعيته السياسية لدفع كييف إلى قبول شروط لا ترغب فيها.
ويشدد إرسانيل على ضرورة التمييز بين ملف الديزل الروسي والحرب في أوكرانيا، معتبراً أن الأول يرتبط بدرجة كبيرة بحسابات السياسة الداخلية الأمريكية، في حين يمثل مستقبل الحرب جزءاً من استراتيجية واشنطن الخارجية الأوسع.
ويضيف أن التسوية المحتملة في أوكرانيا لا يمكن اختزالها في صفقة للطاقة، حتى لو تضمنت كميات كبيرة من الوقود، لأنها ترتبط بمستقبل العلاقات الأمريكية الأوروبية، والوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، والتوازنات في الشرق الأوسط، فضلاً عن المنافسة مع الصين.
ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن التلويح الأمريكي بالضغط على زيلينسكي يحمل أهمية تتجاوز مستقبل القيادة الأوكرانية، إذ يعكس محاولة أوسع لإعادة ترتيب الملفات الدولية وفق أولويات الإدارة الأمريكية.
ويشير إلى أن كييف حاولت الرد على تصريحات ترامب بمقترح تقني، يتمثل في مطالبة روسيا بقبول وقف لإطلاق النار لمدة 60 يوماً لإتاحة تنظيم الانتخابات. غير أن موسكو، وفق ما ينقله المقال، تعاملت مع المقترح باعتباره محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الصفوف.
ويعتبر إرسانيل أن التباين بين الموقفين يكشف جانباً من المأزق الذي تواجهه أوكرانيا، في ظل استمرار الحرب وضيق الخيارات السياسية والعسكرية المتاحة أمام قيادتها.
أوروبا تراهن على إضعاف ترامب انتخابياً
وفي قراءته للموقف الأوروبي، يرى إرسانيل أن العواصم الأوروبية واصلت، منذ إعادة انتخاب ترامب، اتباع سياسة تقوم على كسب الوقت، على أمل أن تحدّ نتائج انتخابات التجديد النصفي من قدرته على فرض توجهاته على الحلفاء.
ويشير الكاتب إلى أن الخلافات بين الطرفين برزت بوضوح خلال المواجهات السياسية بين ترامب وزيلينسكي، ولا سيما بعد الانتقادات العلنية التي تعرض لها الرئيس الأوكراني في البيت الأبيض، وما أعقبها من تحركات أوروبية لتأكيد الدعم لكييف.
ويقول إرسانيل إن بريطانيا عملت، وفق تقديره، على إعداد زيلينسكي سياسياً ودبلوماسياً للتعامل مع ترامب، من خلال مساعدته على تعديل خطابه وطريقة ظهوره في المحافل الدولية، بهدف تقليص قدرة الرئيس الأمريكي على استخدام المواجهات الشخصية وسيلةً للضغط عليه.
ويضيف أن الأوروبيين اتجهوا لاحقاً إلى اتخاذ مواقف مغايرة لتوجهات واشنطن في عدد من الملفات، من بينها الحرب مع إيران، حيث لم يستجيبوا للدعوات الأمريكية إلى تقديم الدعم، حتى عندما جاءت بعض المطالب في إطار حلف شمال الأطلسي «الناتو».
وبحسب الكاتب، فإن هذه المواقف لا تنفصل عن حسابات انتخابية أوروبية، إذ تراهن بعض العواصم على أن يؤدي تراجع نفوذ ترامب في الانتخابات المقبلة إلى تقليص قدرته على فرض خياراته الخارجية، حتى لو لم يخسر منصبه الرئاسي.
خلافات إسرائيل وأوروبا.. حسابات تتجاوز الشرق الأوسط
ويتوقف إرسانيل عند التوتر المتزايد بين إسرائيل وبعض الدول الأوروبية، ولا سيما بريطانيا، معتبراً أن المشهد يحمل دلالات سياسية غير مألوفة في ضوء العلاقات الوثيقة التي ربطت الطرفين بالولايات المتحدة.
ويشير الكاتب إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليس بالضرورة راضياً عن جميع جوانب السياسة الأمريكية الحالية، وأن هناك أصواتاً داخل إسرائيل ترى أن بعض توجهات واشنطن لا تخدم المصالح الإسرائيلية على النحو المطلوب.
ويرى إرسانيل أن هذا التباين كان من الممكن أن يفتح المجال أمام تقارب بين إسرائيل وبعض العواصم الأوروبية في مواجهة سياسات ترامب، لكن التطورات اتخذت مساراً مختلفاً، مع تزايد الانتقادات الأوروبية لإسرائيل وتراجع مكانتها في بعض الأوساط السياسية الأوروبية.
ويعتبر الكاتب أن تصاعد المواجهة الكلامية بين لندن وتل أبيب يعكس تغيراً في طبيعة العلاقة بين الطرفين، اللذين تمتعا طويلاً بمكانة خاصة في دوائر النفوذ الأمريكية.
ويضيف أن إسرائيل تواجه، وفق تقديره، ضغوطاً متزايدة في علاقاتها الأوروبية والروسية، ما يدفع نتنياهو إلى محاولة الاستفادة من أدوات الضغط المتاحة له داخل الولايات المتحدة للتأثير في المشهد السياسي الأمريكي، بما في ذلك إضعاف موقف ترامب إذا رأت تل أبيب أن سياساته تضر بمصالحها.
وتبقى هذه القراءة، كما يعرضها الكاتب، تفسيراً سياسياً لتشابك المصالح بين الأطراف، في ظل تباينات لا تقتصر على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى مستقبل النظام الدولي والتحالفات القائمة.
تسوية أوكرانيا رهينة صراع النفوذ
وفي سياق متصل، يتناول إرسانيل الجهود الرامية إلى عقد لقاء يجمع ترامب وبوتين وزيلينسكي، مشيراً إلى أن محادثات جرت في ميامي بمشاركة المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر ترامب، في إطار مساعٍ لاستكشاف فرص التسوية.
غير أن الكاتب يلفت إلى أن القمة المرتقبة لم تتحقق، كما تأجلت زيارة ويتكوف وكوشنر إلى موسكو، معتبراً أن الموقف الأوروبي من روسيا والحسابات المتعلقة بالانتخابات الأمريكية قد يكونان من بين العوامل التي تعرقل تقدم هذه المساعي.
ويرى إرسانيل أن بعض الأطراف الأوروبية لا ترغب في منح ترامب مكسباً في السياسة الخارجية قبيل الانتخابات النصفية، وهو ما قد يفسر، وفق تقديره، تمسكها بمواقف تحد من فرص تحقيق اختراق سريع في المفاوضات.
ويشير إلى أن أي تراجع أوروبي عن دعم أوكرانيا قد يضعف موقع زيلينسكي بصورة كبيرة، لكن المعطيات الحالية لا توحي، بحسب قراءته، بوجود توجه أوروبي وشيك للتخلي عنه.
«الدمية» ومصير الخيوط السياسية
يخلص إرسانيل إلى أن الأزمات المتزامنة في الشرق الأوسط وأوكرانيا لا يمكن فهمها بوصفها صراعات منفصلة، بل باعتبارها ساحات تتقاطع فيها حسابات الطاقة والانتخابات والنفوذ الدولي.
ويؤكد الكاتب أن مستقبل الحرب الروسية الأوكرانية لن يتحدد فقط بموازين القوى على الأرض، بل سيتأثر أيضاً بالخلافات بين واشنطن والعواصم الأوروبية، وبقدرة كل طرف على توظيف الملفات الإقليمية لخدمة أهدافه السياسية.
وفي استعارة عنوان مقاله، يرى إرسانيل أن الأطراف التي تستخدم الآخرين أدواتٍ لتحقيق أهدافها قد تجد نفسها عرضة للضغوط ذاتها، وأن زيلينسكي، رغم الدعم الأوروبي الذي يتلقاه، يظل في قلب معادلة سياسية تتجاوز قدرته على التحكم في مسارها.
وبحسب خلاصة الكاتب، فإن الصراع لا يدور فقط حول من ينتصر في الحرب، بل حول من يمتلك القدرة على التحكم في توقيت التسوية وشروطها، ومن يستطيع تحويل أزمات الآخرين إلى أوراق تفاوضية تخدم مصالحه في مرحلة دولية تتسم بتزايد الاضطراب وتراجع اليقين بشأن التحالفات التقليدية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











