
ترك برس
يتجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) نحو إعادة تعريف مفهوم النصر العسكري، عبر تبنّي مقاربة دفاعية لا تستهدف بالضرورة إلحاق هزيمة استراتيجية شاملة بالخصم، بل إحباط هجومه ومنعه من تحقيق أهدافه الميدانية، ثم تقويض قدرته على مواصلة العمليات العسكرية. وتقوم هذه المقاربة على ثلاثة محاور رئيسية هي: المنع، والإضعاف، والتفكيك، مع توظيف التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة وشبكات الاستشعار لتعزيز الردع والاستعداد القتالي.
وتناول الكاتب والمحلل العسكري التركي غورسل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة استخبارات القوات الجوية التركية، هذه التحولات في مقال تحليلي نشره موقع «إندبندنت تركية» تحت عنوان «هل لدى الناتو نظرية جديدة للنصر؟»، مستعرضاً دلالات إعلان القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، الجنرال الأمريكي أليكسوس غرينكويتش، عن ملامح «نظرية النصر» الجديدة للحلف، خلال مشاركته في منتدى وارسو الأمني في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
ويرى توكماك أوغلو أن هذه النظرية تمثل تحولاً في التفكير العسكري الغربي، إذ تبتعد عن التصورات التقليدية التي تربط النصر بإلحاق هزيمة استراتيجية شاملة بالعدو، وتتجه بدلاً من ذلك إلى حرمانه من تحقيق أهدافه، وإفشال محاولاته لفرض واقع ميداني جديد، مع إبقاء التصعيد العسكري تحت السيطرة.
ثلاثة محاور لإحباط الهجوم
يشير الكاتب إلى أن نظرية النصر التي عرضها غرينكويتش تقوم على ثلاثة محاور متكاملة: «المنع، والإضعاف، والتفكيك»، وتستند إلى استراتيجية الردع والدفاع عن المنطقة الأوروبية الأطلسية، التي أقرّها حلفاء الناتو، وفق المقال.
وفي المرحلة الأولى، المعروفة باسم «المنع»، يتمثل الهدف في التصدي للهجوم عند خطوط التماس، والحيلولة دون تمكن الخصم من السيطرة السريعة على أراضٍ جديدة وفرض أمر واقع قبل أن يتمكن الحلف من الرد.
ويوضح توكماك أوغلو أن القوات البرية تؤدي الدور الأساسي في مواجهة الهجوم الأولي، بالتوازي مع تحرك القوات الجوية والبحرية والاستفادة من القدرات الفضائية والسيبرانية، بهدف تحقيق التفوق الجوي والبحري وتوفير القوة النارية والدقة اللازمتين لوقف تقدم الخصم.
أما المرحلة الثانية، «الإضعاف»، فتركز على كسر زخم الهجوم وتقليص قدرة الخصم على المبادرة والتحكم بمسار العمليات. ويشير الكاتب إلى أن الناتو يعتزم الاعتماد في هذا السياق على شبكات الاستشعار المتقدمة، والأنظمة ذاتية التشغيل، والطائرات المسيّرة، وتقنيات الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ويضيف أن تنسيق التأثيرات العسكرية عبر مختلف المجالات، من البر والجو والبحر إلى الفضاء والفضاء السيبراني، يهدف إلى تعطيل حركة القوات المهاجمة وإبطاء تقدمها، وصولاً إلى منعها من تحقيق أهدافها العملياتية.
وفي المرحلة الثالثة، «التفكيك»، ينتقل التركيز من القوات المقاتلة وحدها إلى المنظومة التي تتيح لها مواصلة القتال. ويشرح توكماك أوغلو أن ذلك يشمل خطوط الإمداد والتموين، وشبكات القيادة والسيطرة، والبنية اللوجستية التي تدعم العمليات العسكرية.
ووفق الكاتب، تقوم هذه المرحلة على الجمع بين الذخائر الدقيقة عالية الكفاءة والأنظمة الأقل تكلفة والقابلة للإنتاج والتوسع على نطاق واسع، مع مواصلة الضغط العسكري عبر مختلف المجالات. والغاية هي ترك القوات المعادية عاجزة عن الحصول على الإمدادات اللازمة أو الحفاظ على التنسيق والسيطرة، بما يؤدي إلى انهيار قدرتها على مواصلة العمليات بفاعلية.
دروس أوكرانيا والشرق الأوسط في صلب الاستراتيجية
يلفت توكماك أوغلو إلى أن غرينكويتش ربط النظرية الجديدة بالدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط، حيث باتت المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا المتقدمة وسرعة تبادل البيانات عوامل حاسمة في إدارة المعارك.
ويقول الكاتب إن التفوق الاستخباراتي، القائم على جمع المعلومات من مصادر متعددة وتحليلها باستخدام خوارزميات متقدمة، من شأنه تقليص احتمالات المفاجأة وتمكين الحلف من نشر قواته مسبقاً في المواقع التي تقتضيها الضرورات الدفاعية.
كما يشير إلى أن تأكيد غرينكويتش الاستعداد للقتال «هذه الليلة» يعكس توجهاً نحو الحفاظ على الجاهزية المستمرة، من خلال التدريب المتكرر والاستعداد المسبق لمواجهة التهديدات المحتملة.
وفي هذا الإطار، يحدد المقال ثلاثة مجالات رئيسية للاستثمار العسكري المستقبلي: قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى، وشبكات الاستشعار، وما يعرف بـ«سحابة العمليات القتالية»، التي تتيح ربط المعلومات والقدرات والوحدات العسكرية ضمن منظومة متكاملة لتبادل البيانات وتنسيق العمليات.
ويرى توكماك أوغلو أن هذه الأولويات تعكس توجهاً نحو بناء قوة قادرة على اكتشاف التهديد مبكراً، والاستجابة له بسرعة، وتوجيه ضربات دقيقة إلى القوات المهاجمة ومراكز دعمها، بدلاً من الاعتماد حصراً على التفوق في حجم القوات أو الأسلحة التقليدية.
الناتو لا يستهدف هزيمة استراتيجية شاملة
يعتبر الكاتب أن النقطة الأكثر أهمية في إعلان غرينكويتش تتمثل في تحديد سقف واضح للأهداف الاستراتيجية للناتو، إذ لا يسعى الحلف، وفق التصور الذي عرضه القائد العسكري الأمريكي، إلى فرض هزيمة استراتيجية شاملة على الخصم، بل إلى إحباط هجومه وحرمانه من القدرة على احتلال الأراضي والاحتفاظ بها.
وينقل توكماك أوغلو عن غرينكويتش قوله إن الحلف «لا يسعى إلى فرض هزيمة استراتيجية على خصمه، ولا يحتاج إلى ذلك»، موضحاً أن المطلوب هو وقف الهجوم في موقعه ومنع القوات المهاجمة من تحقيق مكاسب إقليمية، وأن هزيمتها على المستويين التكتيكي والعملياتي تكفي لتحقيق هذا الهدف.
ويشرح الكاتب أن هذا التصور يستند إلى فكرة عسكرية مرتبطة بالوصول إلى «نقطة الذروة» لدى الخصم، أي المرحلة التي يفقد فيها القدرة على مواصلة عملياته وتحقيق أهدافه بسبب استنزاف قدراته وتعطل وظائفه القتالية الأساسية.
وبذلك، لا يشترط الناتو، وفق القراءة التي يقدمها المقال، تدمير القوة العسكرية للخصم بالكامل أو تغيير النظام السياسي الذي يقودها، بل يسعى إلى جعل مواصلة الهجوم غير مجدية عسكرياً، ومنع تحويل المكاسب الميدانية المحدودة إلى انتصار استراتيجي.
ويشير توكماك أوغلو إلى أن هذه المقاربة تتجسد في ثلاثة مسارات مترابطة.
أولها، إفشال الأهداف الاستراتيجية للخصم منذ البداية، سواء كانت تتمثل في الاستيلاء السريع على أراضٍ محدودة، أو اختبار مصداقية المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تنص على الدفاع الجماعي، أو إحداث انقسام سياسي داخل الحلف. فحرمان المهاجم من تحقيق مكاسب إقليمية من شأنه، بحسب هذا المنطق، أن يحول دون نجاحه في فرض أمر واقع أو إضعاف تماسك الحلف.
وثانيها، نقل عبء التصعيد إلى الطرف المهاجم. ويوضح الكاتب أن الناتو، من خلال تبنّي أهداف دفاعية محدودة، لا يحتاج بالضرورة إلى توسيع نطاق الحرب لتحقيق أهدافه. أما الخصم الذي يحاول تصعيد المواجهة بعد فشل هجومه، فقد يجد نفسه أمام تكاليف عسكرية وسياسية أكبر، في وقت يمكن أن يؤدي فيه التصعيد إلى تعزيز وحدة الحلف بدلاً من تفكيكها.
وثالثها، تحقيق النجاح الاستراتيجي من خلال الردع. فبحسب المقال، لا يتوقف النصر عند إحباط الهجوم بعد وقوعه، بل يشمل أيضاً منع وقوعه من الأساس، عبر إقناع الخصم بأن فرص نجاحه ضئيلة وأن تكلفة المغامرة العسكرية ستكون مرتفعة.
ويشير الكاتب إلى أن وصول الخصم إلى قناعة بأن «اليوم ليس اليوم المناسب» لشن الهجوم يمثل، وفق هذا التصور، نجاحاً استراتيجياً للناتو، حتى من دون الدخول في مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
حسابات التصعيد وحدود القوة العسكرية
يربط توكماك أوغلو هذه المقاربة بالقيود التي تفرضها البيئة الدولية الراهنة، ولا سيما مخاطر التصعيد في ظل وجود الأسلحة النووية وتنامي التهديدات الهجينة التي تجمع بين الأدوات العسكرية والسيبرانية والسياسية والإعلامية.
ويرى أن السعي إلى فرض هزيمة استراتيجية شاملة على قوة منافسة قد يحمل مخاطر تصعيد كبيرة، في حين تتيح استراتيجية حرمان الخصم من تحقيق أهدافه هامشاً أوسع للتحكم في مستوى المواجهة وتجنب الانزلاق إلى حرب أوسع.
كما يربط الكاتب هذا التوجه بالنقاشات المتعلقة بمستقبل الالتزام الأمريكي تجاه أمن أوروبا، وما قد يفرضه ذلك من ضرورة تعزيز قدرة الحلفاء الأوروبيين على الدفاع عن أنفسهم، والاستعداد للتعامل مع التهديدات دون افتراض توافر تدخل أمريكي غير محدود في جميع الظروف.
ويستحضر المقال تجربة الحرب في أوكرانيا، التي أظهرت، وفق تحليله، مدى صعوبة حسم النزاعات الممتدة وفق المفاهيم التقليدية للنصر والهزيمة. ففي الحروب الطويلة، قد تصبح السيطرة على مسار الصراع، وتغيير حسابات الخصم، ورفع تكلفة استمرار الحرب، أكثر أهمية من السعي إلى انتصار نهائي يصعب تحقيقه.
ومن هذا المنطلق، يرى توكماك أوغلو أن نظرية النصر الجديدة تعكس محاولة للتكيف مع واقع عسكري وسياسي لا يسمح دائماً بتحقيق أهداف قصوى، ويجعل إدارة المخاطر والتصعيد جزءاً أساسياً من التخطيط الدفاعي.
هل تكفي استراتيجية منع الخسارة لتحقيق النصر؟
في تقييمه النهائي، يصف توكماك أوغلو نظرية النصر الجديدة بأنها استراتيجية واضحة على المستويين التكتيكي والعملياتي، تعتمد على العمل المتكامل عبر المجالات العسكرية المختلفة، وتضع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة وشبكات الاستشعار في صلب بناء القدرات الدفاعية.
لكنه يرى أن هذه النظرية تقوم، على المستوى الاستراتيجي، على منطق مختلف عن مفهوم النصر التقليدي؛ فبدلاً من السعي إلى تحقيق انتصار شامل، تركز على منع الهزيمة وإلحاق الفشل بالخصم، مع الحفاظ على السيطرة على مسار التصعيد.
ويعتبر الكاتب أن هذا الاختيار يبدو مقصوداً، إذ يسمح للحلف بتحديد أهداف محدودة وقابلة للقياس، وتجنب تحمل أعباء توسيع الحرب، وترك مسؤولية التصعيد للطرف الذي يبدأ الهجوم، فضلاً عن تعزيز الردع من خلال إظهار القدرات العسكرية الفعلية.
ومع ذلك، يحذر توكماك أوغلو من أن هذه المقاربة قد لا تكون كافية بالنسبة إلى من يتوقعون نتائج استراتيجية أوسع، مثل إحداث تحول طويل الأمد في ميزان القوى أو تقليص قدرة الخصم على تهديد الحلف مستقبلاً.
ويشير إلى أن نظرية غرينكويتش قد تمثل الخيار الأكثر واقعية في ظل القيود السياسية والعسكرية الحالية، لكن السؤال الأساسي يظل متعلقاً بما إذا كانت استراتيجية إحباط الهجوم وحرمان الخصم من المكاسب كافية بمفردها، أم أن الحلف سيحتاج إلى تصور استراتيجي إضافي في حال لم تحقق هذه المقاربة أهدافها على المدى الطويل.
ويخلص المقال إلى أن حديث وارسو يشير إلى تحول في تعريف الناتو لمفهوم «النصر»، من السعي إلى هزيمة شاملة للخصم إلى تحقيق تغيير محدود ومحسوب في الوضع الميداني، مع الحفاظ على القدرة على ضبط التصعيد.
وبحسب قراءة توكماك أوغلو، فإن هذا التحول يتلاءم مع طبيعة الحروب في القرن الحادي والعشرين، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن حدود الإرادة الاستراتيجية للحلف، ويطرح تساؤلات حول قدرته على الانتقال من مجرد إحباط الهجمات إلى تحقيق نتائج أكثر استدامة في ميزان القوى الدولي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











