
ترك برس
شكّل التعليم أحد المكونات الأساسية للحياة الاجتماعية في الدولة العثمانية، حيث انتشرت مؤسسات تعليمية متعددة المستويات، بدأت بالكتاتيب والمكاتب المخصصة للأطفال، وصولا إلى المدارس العليا التي خرّجت العلماء والقضاة والمدرسين، وفق ما وثقه الرحالة العثماني أوليا جلبي في كتابه الموسوعي «سياحتنامه».
وتكشف مشاهدات أوليا جلبي، الذي أمضى نحو أربعة عقود متنقلا بين مدن الدولة العثمانية وأقاليمها، عن نظام تعليمي تميز بالفصل بين التعليم الأولي والتعليم المتوسط والعالي، مع اختلاف المناهج والمستويات تبعا لطبيعة المؤسسات التعليمية ومواقعها.
وكان يطلق على مؤسسات التعليم الابتدائي اسم «المكاتب»، فيما عُرف المعلم باسم «خواجة» أو «خوجة». وبدأ الأطفال تعليمهم عادة بين الرابعة والسادسة من العمر، واستمرت الدراسة أربع سنوات أو أكثر، بحسب سن الالتحاق ومدى تقدم التلميذ.
وشملت المناهج الأساسية القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم وحفظ أجزاء منه، إلى جانب العمليات الحسابية والمعارف الدينية، قبل أن تضاف في مراحل لاحقة مواد التاريخ والجغرافيا.
وفي بعض المدن الكبرى، قدمت المكاتب الراقية تعليما أكثر تنوعا، شمل الموسيقى والخط واللغة الفارسية، فضلا عن العربية والتركية.
ومن الجوانب اللافتة في الحياة التعليمية العثمانية وجود تعليم مختلط في بعض المكاتب، حيث تلقى الأولاد والبنات دروسهم داخل الفصل نفسه، وإن جلسوا على مقاعد منفصلة. وكان غطاء الرأس من المظاهر المرتبطة بآداب التعليم والانضباط الاجتماعي آنذاك.
ويشير النص التاريخي إلى أن أعداد التلاميذ في المكاتب العادية كانت غالبا دون المئة، بينما ضمت بعض المؤسسات بين 20 و30 تلميذا فقط، في حين عُرفت المكاتب الكبيرة باسم «طاش مكتب».
ويورد أرقاما تعكس اتساع شبكة المؤسسات التعليمية، إذ بلغ عدد المدارس والمكاتب في القاهرة وضواحيها ومدنها المجاورة نحو 6176 مؤسسة في أواخر القرن السابع عشر، مقابل 1993 مدرسة في إسطنبول دون ضواحيها، وفق الأرقام التي ينقلها النص.
أما «المدرسة» فمثلت المؤسسة التعليمية الرئيسية للدراسات المتوسطة والعالية، وكانت الدراسة فيها موزعة على 12 درجة بعد المرحلة الابتدائية، خُصصت الأربع الأخيرة منها للتعليم العالي.
وحظي كبار المدرسين وطلبة العلوم، المعروفون باسم «صوفتة»، بمكانة اجتماعية مميزة، في مجتمع منح التعليم الديني والعلمي أهمية واضحة.
ورغم صدور أوامر سلطانية بشأن إلزامية التعليم الابتدائي في عهدي السلطان سليمان القانوني والسلطان محمود الثاني، فإن التطبيق الشامل للتعليم الإلزامي لم يتحقق، بحسب النص، وظل تطور القطاع متفاوتا عبر المراحل التاريخية.
وتقدم هذه الصورة لمحة عن نظام تعليمي جمع بين المعارف الدينية والمهارات الأساسية والفنون واللغات، وأسهم في تشكيل الحياة الثقافية والاجتماعية داخل المدن العثمانية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










