ترك برس

اعتمدت الدولة العثمانية في مراحل طويلة من تاريخها على نظام عسكري واقتصادي ربط بين استغلال الأراضي الزراعية والخدمة في الجيش، من خلال تشكيلات الفرسان المعروفة باسم «تيمارلي سباهي»، التي أدت دورا محوريا في الدفاع عن أراضي الدولة والمشاركة في حملاتها العسكرية.

وتكشف مشاهدات الرحالة أوليا جلبي في كتابه «سياحتنامه» عن تفاصيل هذا النظام، الذي استند إلى تخصيص عائدات أراض زراعية للفرسان والقادة العسكريين، مقابل التزامهم بتقديم قوات مجهزة عند استدعائهم إلى الحرب.

وكانت الأراضي المخصصة تعرف باسم «تيمار» إذا كانت صغيرة، و«زعامت» إذا كانت كبيرة، ويتولى المستفيد منها تحصيل الضرائب الزراعية المحددة قانونا، واستخدام عائداتها لتغطية نفقاته وتجهيز الفرسان التابعين له.

ولم يكن الفرسان يمتلكون الأراضي ملكية خاصة، إذ ظلت الأرض تابعة للدولة، بينما حصل أصحاب التيمار على حق إدارة مواردها والانتفاع بعائداتها ضمن الالتزامات العسكرية والإدارية المفروضة عليهم.

وامتدت مسؤوليات السباهية إلى حفظ الأمن والاستقرار في المناطق التي يشرفون عليها خلال فترات السلم، فيما حُدد حجم القوات المطلوب تقديمها في زمن الحرب وفقا لقيمة الإقطاع وموارده.

واتسم النظام بتسلسل عسكري منظم؛ إذ كان الفرسان يلتحقون بقادتهم المحليين، الذين ينضمون بدورهم إلى قادة الكتائب المعروفين باسم «آلاي بك»، ثم إلى أمراء الألوية «سنجق بك»، وصولا إلى قادة الولايات «بكلربك»، قبل الالتحاق بالقيادة العليا للجيش.

ويشير النص إلى أن جذور الإقطاع العسكري سبقت الدولة العثمانية، وامتدت إلى التجربة السلجوقية، قبل أن يتوسع تطبيقه في الأناضول ومناطق من البلقان وبلاد الشام.

وشكلت العشائر التركمانية، إلى جانب مجموعات من التتار والشركس والشيشان والأبخاز، جزءا أساسيا من القوة البشرية لفرسان التيمار.

وبحسب الأرقام التي أوردها أوليا جلبي، بلغ مجموع جنود التيمار والجنود الذين يتقاضون رواتب في الدولة العثمانية نحو 566 ألف جندي عام 1650، دون احتساب بعض قوات المناطق التابعة ذات الحكم الذاتي والمتطوعين.

غير أن هذا النظام بدأ يفقد أهميته تدريجيا منذ أواخر القرن السادس عشر، مع تنامي دور المشاة والأسلحة النارية والمدفعية، وتراجع الفاعلية العسكرية التقليدية لسلاح الفرسان.

ويورد النص أن نظام التيمار انتهى عام 1850، بعدما شهد مراحل طويلة من التراجع والتحول، وأعقبت ذلك تغيرات في علاقات ملكية الأراضي وظهور فئات جديدة من كبار الملاك.

وتبرز تجربة السباهية كيف جمعت الدولة العثمانية بين إدارة الموارد الزراعية والتنظيم العسكري والأمن المحلي، قبل أن تدفع التحولات العسكرية والاقتصادية نحو تفكيك هذا النظام التاريخي.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!