ترك برس

دعا المؤرخ والأكاديمي التركي زكريا قورشون إلى إطلاق جهود علمية وتوثيقية شاملة لإعادة كتابة تاريخ قطاع غزة وحصر أوقافه التاريخية ورسم خرائط دقيقة لمواقعها، محذرا من ضياع الذاكرة المكانية والحضارية للقطاع في أعقاب الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية، وطال الأحياء التاريخية والمباني الأثرية والمعالم الدينية.

وجاءت دعوة قورشون تعليقا على مشاهد فضائية أظهرت حجم الدمار الذي تعرضت له غزة، وما رافقه من تغيرات جذرية في معالمها العمرانية والتاريخية.

وقال المؤرخ التركي، معبرا عن صدمته إزاء المشاهد: «لقد دُمّرت واحدة من أقدم مدن التاريخ مع سكانها، وفي عصر يدّعي فيه العالم التحضر».

وشدد على ضرورة إعادة كتابة تاريخ غزة مرارا، وتوثيق أوقافها ومواقعها التاريخية، حفاظا على هويتها الحضارية ومنع اندثار الشواهد التي توثق تعاقب الحضارات على أرضها.

غزة.. تاريخ مهدد بالاندثار

تكتسب دعوة قورشون أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التاريخية لغزة، التي تعد من أقدم المدن المأهولة في المنطقة، وشكلت عبر قرون محطة رئيسية على طرق التجارة بين مصر وبلاد الشام.

وتعاقبت على المدينة حضارات وإدارات متعددة، من العصور القديمة والرومانية والبيزنطية إلى العهود الإسلامية، وصولا إلى الحكم العثماني الذي امتد في فلسطين من عام 1516 حتى الحرب العالمية الأولى.

وخلال هذه المراحل، نشأت في غزة شبكة واسعة من المساجد والمدارس والأسواق والأوقاف والمباني العامة، التي شكلت جزءا من بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، وأسهمت في الحفاظ على استمرارية الحياة الحضرية.

الأوقاف العثمانية والذاكرة المكانية

تبرز أهمية الأوقاف في التاريخ العثماني باعتبارها مؤسسات خصصت موارد عقارية ومالية لتمويل المساجد والمدارس والخدمات الاجتماعية والمرافق العامة.

وتتيح سجلات الأوقاف والمحاكم الشرعية والوثائق العقارية التاريخية إمكانية تتبع مواقع الأبنية والأراضي والأحياء القديمة، حتى عندما تختفي معالمها المادية.

ومن هذا المنطلق، تمثل دعوة قورشون إلى إعداد خرائط للأوقاف محاولة للحفاظ على ذاكرة المكان، وربط الوثائق التاريخية بالمواقع الجغرافية باستخدام الخرائط القديمة والصور الجوية والتقنيات الرقمية الحديثة.

وقد تساعد هذه الجهود مستقبلا في توثيق المعالم المدمرة وتحديد مواقعها الأصلية ودعم مشاريع الترميم والحفاظ على التراث.

دمار واسع يطال التراث الفلسطيني

تؤكد المعطيات الدولية خطورة التهديد الذي يواجه التراث التاريخي في غزة؛ إذ أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أنها تحققت من تضرر 164 موقعا ثقافيا وتاريخيا حتى 24 مارس/آذار 2026.

وشملت المواقع المتضررة 14 موقعا دينيا و128 مبنى تاريخيا أو فنيا، فضلا عن مواقع أثرية ومتاحف ومعالم أخرى، بينها المسجد العمري الكبير وقصر الباشا وحمام السمرة.

وتعزز هذه الأرقام المخاوف من فقدان أجزاء من الذاكرة العمرانية للمدينة، خصوصا مع صعوبة الوصول إلى كثير من المواقع لإجراء عمليات الجرد والترميم.

اهتمام تركي بتوثيق تاريخ غزة

يرتبط اهتمام قورشون بغزة بأبحاثه في التاريخ العثماني وفلسطين، إذ شارك مع الباحث علي إحسان آيدن في تأليف كتاب «غزة في العهد العثماني»، الصادر عام 2024، الذي يتناول جوانب من تاريخ المدينة وإدارتها خلال تلك المرحلة.

وسبق للمؤرخ التركي أن أكد أهمية الخرائط والوثائق العثمانية في إثبات التاريخ الفلسطيني، خلال محاضرة أكاديمية بعنوان «قضيتنا الفلسطينية وغزة» في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وتعيد دعوته الراهنة طرح قضية توثيق التراث الفلسطيني باعتبارها ضرورة تتجاوز إعادة بناء المنشآت المدمرة، إلى استعادة أسماء الأماكن وحدود الأوقاف وسجلات الملكية والشواهد الحضارية.

وفي ظل التحولات التي أصابت المشهد العمراني للقطاع، تبرز أهمية إنشاء أرشيف تاريخي وجغرافي متكامل لغزة، يحفظ ذاكرتها للأجيال المقبلة ويدعم جهود حماية تراثها من الضياع.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!