ترك برس

استعرض مقال للكاتب والإعلامي التركي البارز سليمان سيفي أوغون، تحليلا سياسيا للتفاعلات المعقدة بين العوامل الداخلية والخارجية في المشهد السياسي التركي والعالمي، مع التركيز على ضرورة تبني منظور متعدد الطبقات لفهم الأحداث الراهنة.

وشدد الكاتب على أن التحليلات العاطفية والسطحية غير كافية، بل يجب دمج السياقات المحلية والدولية لفهم التحديات الاستراتيجية التي توتركيا، مثل التحول في التحالفات الدولية (التقارب الروسي-الأمريكي)، وتصاعد التوتر مع إسرائيل، وديناميكيات العلاقة مع إيران وأوروبا.

كما انتقد أوغون - في المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق - التبسيط المفرط في النقاشات العامة حول الديمقراطية والفساد، وتدعو إلى رؤية أشمل تربط الأحداث المحلية بالسياق الجيوسياسي المتغير، الذي يُعيد تشكيل موازين القوى ويؤثر بشكل عميق على السياسة التركية.

وفيما يلي نص المقال:

نعيش في الأيام الأخيرة أجواءً سياسية متوترة إلى حدّ كبير. وعندما نلقي نظرة على المناخ العام، نلاحظ أن هناك مشاعر حادة وردود أفعال مشبعة بالعاطفة والانفعال تملأ المكان. لا شكّ أن التفكير يبدأ بالعاطفة – وأنا أقرّ بأن المشاعر تولّد الأفكار – لكن التوقف عند هذا الحد لا معنى له.

وإذا أردنا أن نفي التفكير حقّه، فعلينا أن نفعّل مبردات العاطفة في مرحلة ما. لأن التفكير من خلال ردود الأفعال العاطفية لا يُنتج سوى مزيد من التفاعلات العاطفية. إنها دائرة مغلقة تدور في أضيق أشكالها، وقد تخرج عن السيطرة. ولتجنّب هذا التخبّط، يجب الإصرار على التفكير المترابط متعدد الطبقات. وهذه مهمة المثقفين في هذا البلد.

أودّ أن أؤكد على مصطلح "الترابط متعدد الطبقات"، لأن تجاهل السياق لا يظهر فجأة، بل يبدأ غالبًا بالمبالغة في التركيز على سياق معيّن. السياقات التي يُبالغ فيها عادةً ما تكون القريبة والداخلية. لكن إن واصلنا التفكير في هذه السياقات المنفصلة عن السياق العالمي، فإنها ستتآكل مع الوقت وتخرج من أيدينا.

والصواب هو أن نأخذ السياقات القريبة والبعيدة، الداخلية والخارجية، معًا بعين الاعتبار.

سأوضح ذلك بمثال من التخصصات الأكاديمية: فكما أن تقييم السياسة الدولية دون ربطها بعلم السياسة سيكون تقييمًا منقوصًا، فإن تحليل السياسة الداخلية بمعزل عن السياق الدولي سيكون أيضًا غير مكتمل. (وفي الحقيقة، أرى أنه من الضروري دمج هذين التخصصين – السياسة الداخلية والدولية – في الجامعات كما كان معمولًا به في المناهج القديمة بدلًا من فصلهما إلى قسمين مستقلين).

ولا أتحدث هنا عن أسبقية أحد الديناميكيات – الداخلية أو الخارجية – على الآخر، بل أركّز على التفاعل المتبادل بينهما. إن التفاعلات بين السياسة الداخلية والخارجية، إذا نظرنا إلى الوقائع، لا تخصّ تركيا وحدها، بل تنطبق على جميع الدول.

فعلى سبيل المثال، عندما ننظر إلى الانتخابات الأمريكية، يتضح لنا سريعًا أن الصراع الحقيقي يدور بين تيار "أوروبي" داخل أمريكا وتيار آخر يريد طرد هذا التيار الأوروبي منها.

وفي المقابل، إذا قصرنا الصراع في الانتخابات الأوروبية بين الأحزاب التي تمثل التيار الوسطي والأحزاب اليمينية المتطرفة على أنه صراع بين من يتمسكون بالقيم الديمقراطية الأوروبية ومن تخلّوا عنها، فذلك ليس خاطئًا، لكنه تبسيط سطحي للغاية. عندما ننقل هذا الصراع إلى المستوى الدولي، يتضح أن الأمر يشكّل "تصويتًا على الموقف من روسيا" بالنسبة لأوروبا. فالأحزاب الوسطية تسعى إلى إبعاد روسيا عن أوروبا، بينما معظم الأحزاب اليمينية المتطرفة تُبدي تعاطفًا مع روسيا.

خلاصة القول: لا وجود لما يُسمّى "استقلالًا تامًا". في هذا العالم – وخصوصًا في العالم الحديث – الجميع يعتمد على بعضهم البعض.

وإذا أصررنا على استخدام مصطلح "الاستقلال التام"، فقد نصل إلى نتيجة غير متوقعة، وهي أن الدولة الوحيدة التي تنطبق عليها هذه الصفة – أو بالأحرى، التي تتميز بـ"أدنى مستويات التبعية" – هي كوريا الشمالية. وبالتالي، فالمسألة لا تتعلق بوجود التبعية أو عدمها، بل بطبيعة هذه التبعية ونوعيتها.

لنلقِ نظرة الآن على الأحداث التي نعيشها. ألاحظ أن التحليلات السطحية تملأ الأجواء. ففي الرأي العام، تُقابل اتهامات الديمقراطية وغياب سيادة القانون باتهامات مضادة تتعلق بسوء استخدام السلطة والفساد، وكأنها تُطلق من على منصات متحركة بشكل متكرر دون توقف.

الاختيار في النهاية للأفراد، ولا يتدخل فيه أحد. لكن لا بد من تدوين هذه الملاحظة: إذا أصررت على التمركز داخل هذه التقييمات، فلن تكون سوى جزء منها في نهاية المطاف.

لكن إذا كانت المسألة تتعلق بوطن، وهو كذلك كما تُخبرنا الأجواء المحيطة بوطننا اليوم، فعندها ينبغي أن نخرج من هذا الضباب، وأن نفكر في أي سياق عالمي تتقاطع معه هذه التوترات التي نعيشها داخليًا، وفي أي إحداثيات تقع تحديدًا.

نحن نعيش في عالم تتغير فيه التحالفات الكبرى على نحو غير مسبوق. روسيا والولايات المتحدة، اللتان كانتا على شفا صراع بالأمس، لم تعودا تتواجهان اليوم، بل تسعيان لتأسيس أرضية للتعاون بينهما. وهذا يمثل نهاية حقيقية لحلف الناتو.

ومن منظور تركيا، فإن هذا التطور وحده يُعدّ زلزالًا استراتيجيًا. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت السياسة الخارجية التركية بأكملها مبنية على استمرار الصراع الروسي-الأمريكي. أما الآن، فإن هذا التقارب يقلب حسابات تركيا التقليدية رأسًا على عقب.

وفي الوقت ذاته، تزداد حدّة العداء بيننا وبين إسرائيل، خاصة بعد المجازر الأخيرة. إسرائيل منزعجة للغاية من احتمال أن تحل تركيا مكان إيران في سوريا.

ولا تزال متمسكة بورقة تنظيم بي كي كي/واي بي جي.

أما إيران، فهي تحاول الخروج من هذه الأزمة بالاستعانة بروسيا، وقد تحوّل الأمر لديها إلى هاجس للانتقام من خسارتها أمام تركيا في سوريا.

أليس من مصلحة إسرائيل اندلاع حرب بين تركيا وإيران؟ كم سيكون ذلك مفيدًا لها، أليس كذلك؟

ومن ناحية أخرى، تحاول إسرائيل ضمّ أذربيجان إلى اتفاقيات "إبراهيم" عبر فصلها عن تركيا. ولا حاجة لذكر تقارب إسرائيل مع اليونان وقبرص الجنوبية.

ألا يكفي كل هذا لفهم مدى تعمق التوتر في العلاقات بين تركيا وإسرائيل؟

أما احتمال التقارب بين تركيا وأوروبا – التي تعاني اليوم مثلها مثل تركيا – فهل يُقلق بعض الأطراف؟ ألن تكون الصدامات في الشوارع، ومواجهة الشرطة للمواطنين، أداة مثالية لتصوير تركيا على أنها دولة همجية غريبة عن أوروبا، وبالتالي قطع الطريق أمام أي تعاون محتمل معها، ودفعها نحو العزلة؟

تدور في ذهني أسئلة كهذه، وإجاباتها تنضج تدريجيًا. وسأكتب عنها وأتحدث بها بطبيعة الحال…

لكن في الوقت الراهن، سأقول مايلي:

المسألة ليست مسألة ديمقراطية، ولا قضية فساد، ولا غياب للعدالة...

لن أقول: ألم تفهموا؟ بل سأقول: لقد فهمتم، أليس كذلك؟

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!