ترك برس

تناول مقال للكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي، معرض دمشق الدولي للكتاب بعد تحرر سوريا بوصفه حدثًا رمزيًا يعكس عودة البلاد إلى العالم عبر الثقافة لا عبر السياسة وحدها. 

يبرز الكاتب كيف تحوّل المعرض من فضاء خاضع للرقابة والمنع في عهد نظام الأسد إلى ساحة مفتوحة لحرية الفكر والتعبير، تستعيد فيها دمشق دورها التاريخي كمركز للمعرفة والحضارة.

كما يربط بين تحرر الكتاب وتحرر الإنسان، ويعرض المعرض كجزء من عملية أوسع لإعادة تأسيس الهوية السورية على أسس ثقافية، تعددية، ومنفتحة بعد سنوات القمع والحرب.وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:

 

منذ أن تحررت سوريا، وهي تشهد حركة زيارات مكثفة للغاية. وعلى طريق إعادة الانفتاح على العالم والاندماج فيه، قطعت حتى الآن شوطًا لا بأس به. غير أن اختيار معرضٍ للكتاب ليكون أول فعالية كبرى تُنظم بمبادرة دمشقية، وتحمل بُعدًا رساليًا موجهًا إلى العالم في إطار هذا الاندماج، هو اختيار بالغ الدلالة وعظيم النفع في آنٍ معًا.

وهو نافع، لأن دمشق كانت عبر التاريخ مركزًا حضاريًا وثقافيًا خاطب العالم من خلال الكتاب. بل إن مؤلفات اليونان القديمة، التي ألهمت لاحقًا الحضارة الغربية، تُرجمت هنا، فأسهمت في إضفاء لون جديد على الحضارة الإسلامية، كما جرى إعدادها لتكون محل اهتمام الغرب.

 

وفي تاريخ الفكر والمذاهب الإسلامية، تحتضن هذه المدينة رمزين يجسدان أحد أعمق الانقسامات الفكرية: ابن تيمية وابن عربي. وفي كل شارع من شوارعها شواهد تمتد إلى عهد الصحابة الكرام، أو إلى الأجيال التي أعقبتهم مباشرة، من شخصياتٍ عظيمةٍ ذاع صيتها في التاريخ الإسلامي. كما تحتضن ثراها ضريحي صلاح الدين الأيوبي ونور الدين زنكي متجاورين، ولا تزال بطولاتهما وحكمتهما في الإدارة والسياسة مصدر إلهام لكتب الفلسفة السياسية.

 

وعلى مدى ستين عامًا من ظلم وقمع نظام البعث، لم يُوارَ الناس الثرى فحسب، بل بدا كأن طاقة حضارية كاملة قد دُفنت معهم. واليوم نشهد إحياء هذه الطاقة من جديد. ومن هذه الزاوية، فإن انطلاق هذا الإحياء بمعرضٍ للكتاب يحمل أهمية خاصة. والمعرض لا يُقام بوصفه مجرد لقاء للنشر، بل يُعد أحد أبرز الانعكاسات الثقافية للتحول السياسي والاجتماعي الكبير الذي عاشته سوريا في هذه المرحلة.

 

ويشارك في الدورة السابعة والخمسين لمعرض دمشق الدولي للكتاب 500 دار نشر من 35 دولة. ويحمل الرقم 57 دلالة لافتة؛ إذ يشير إلى أن المعرض أُقيم 56 مرة حتى عام 2011، ما يدل على وجود تقليد عريق في معارض الكتاب، على ما فيه من إيجابيات وسلبيات. ومع انطلاق مسار الثورة عام 2011، علق نظام الأسد المعرض كليًا. ومع ذلك، فإن المعارض التي أُقيمت في السابق لم يكن لها صلة تُذكر بالمنطق الذي يقوم عليه المعرض الحالي. فقد كانت تخضع لرقابة صارمة على الكتب المعروضة للبيع، حتى إن مؤلفات بعض كبار العلماء المسلمين، أو بعض عناوينها، كانت تقع تحت طائلة المنع، وكان المعرض يُقام تحت ضغوط كبيرة.

 

وفي الواقع، كان ذلك الشكل من أشد أنماط معارض الكتب صرامة في العالم العربي. وعند مدخل المعرض، عُلقت على الجدران رسوم توضيحية مؤثرة تُجسد الممارسات الرسمية تجاه الكتاب في تلك المرحلة: من قراءة الكتب خفية في الزوايا خوفًا من مصادرتها، إلى دفنها في التراب لإخفائها، ثم ملاحقة من يقرأها من قبل أجهزة المخابرات، لينتهي به المطاف في سجون تدمر وصيدنايا وغيرها؛ وصولًا إلى عودة الكتاب اليوم من تحت التراب بوصفه نورًا للتنوير.

 

وبعد خمسة عشر عامًا من هذا القمع، شهد اليوم الأول من المعرض تدفقًا يقارب 250 ألف زائر. وتعكس هذه الكثافة، من جهة، توق المجال الثقافي الذي أُنهك اقتصاديًا واجتماعيًا لسنوات إلى «استعادة أنفاسه»، ومن جهة أخرى، تتجلى متانة الصلة بالكتاب، إذ يغدو شريانًا نابضًا يُبقي الذاكرة الجماعية حية في أحلك الأزمات.

 

وإن كنا نتحدث عن انقطاع دام خمسة عشر عامًا، فإن إدلب، التي عُدت مهد الثورة، شهدت تنظيم معارض للكتاب في السنوات الخمس أو الست التي سبقت الثورة. وقد شاركتُ شخصيًا عبر الإنترنت في فعاليات اثنين منها. وهذا دليل ساطع على أن اهتمام إدارة الشرع بالكتاب ليس اهتمامًا عابرًا أو شكليًا.

 

أما أبرز ما يميز معرض دمشق اليوم فهو خلوه من أي حظر في ما يتعلق بالكتب. إذ يُعرض نحو مئة ألف عنوان للبيع والعرض دون قيود. غير أن وكالة رويترز، في تغطيتها، ركزت على غياب القيود من زاوية واحدة، مشيرة فقط إلى أن مؤلفات الإسلامي الراديكالي سعيد قطب، التي كانت محظورة سابقًا، باتت تُباع الآن وتحقق رواجًا واسعًا. وكأن هذا هو التغيير الوحيد، أو السمة الوحيدة للمعرض! بينما الحقيقة أن «الحرية» هي شعار المعرض؛ إذ لا كتاب حيث يوجد الحظر، ولا يمكن أن يخرج من الكتب التي تعيش في ظل المنع فكرٌ محرر أو شافٍ للصدور.

 

ويحمل هذا المعرض لغة رمزية قوية. فالشعار المرفوع «نكتب التاريخ… نقرأ التاريخ» يشير إلى مساءلة الماضي والسعي إلى صياغة سردية مشتركة جديدة. وكما أشار تحليل يورونيوزبالعربية، فإن تصميم الملصقات يتضمن إحالات إلى الأبجدية الأوغاريتية، في مسعى لإعادة تموضع سوريا ليس فقط في سياق النقاشات السياسية الراهنة، بل أيضًا عبر إرثها الثقافي العريق.

 

وفي كلمة الافتتاح، شدد الرئيس أحمد الشرع على أن «الإنسانية تبحث منذ زمن طويل عن الحقيقة، وكلما ازداد العلم اتسع الوعي وتعززت الحاجة إلى التعلم». وذكّر بأن دمشق كانت تاريخيًا أحد مراكز «العلم والمعرفة»، وقدم المعرض بوصفه «ليس مجرد فعالية ثقافية بسيطة، بل استدعاءً لادعاء حضاري». وأكد أن «الجهل يقترن بالضعف، وأن المجتمع الذي يعلم ويعمل بما يعلم هو مجتمع قوي»، محذرًا من أن «القوة بلا علم مدمرة، والسيف بلا بصيرة يرتد على صاحبه». وتمحورت كلمته حول فكرة أن دمشق كانت «منبعًا جذب طلاب العلم من الشرق والغرب»، واصفًا المعرض بأنه «عودة مباركة وبداية قيّمة بعد تحرر سوريا بالكامل».

 

أما وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، فبنى رسالته الافتتاحية على مفهوم «إعادة التأسيس» من خلال الكتاب، معتبرًا أن الكتاب والمعرفة كانا عبر التاريخ من أعمدة الهوية السورية، وأن دمشق، بوصفها «المدينة التي أنجبت أول أبجدية»، ينبغي أن تؤكد حضورها الثقافي من هذا الباب من جديد. كما ربط المعرض بتوسيع فضاء حرية الفكر والتعبير، ملمحًا إلى تجاوز «هيمنة الفكر الواحد» وتدشين مناخ ثقافي جديد.

 

ومن تجليات هذا المناخ الجديد تخصيص قسم للغة والثقافة الكردية، بعد أن كانتا عرضة للتضييق. كما أُعلن عن إنشاء مديرية للغة والثقافة الكردية في وزارة الثقافة. وكان القائمون الأكراد على الجناح يستقبلون الزوار ويعرضون مؤلفاتهم في أجواء بدت مفعمة بالحرية والثقة، واستقبلونا بصدقٍ بالغ.

 

ومن زاوية أخرى، يبدو المعرض نموذجًا أوسع نطاقًا من معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي، الذي يُنظّم منذ عشر سنوات ويتميّز أيضًا بخلوه من القيود مقارنة بمعارض عربية أخرى. وخلال التجوال في أروقة المعرض، يكثر اللقاء بأشخاص مألوفين مقارنة بما يحدث في تركيا، إذ يتحدث معظم الزوار التركية بدرجات متفاوتة، ويحاولون مخاطبتنا بها لفتة ودية.

 

وفي ثورة سوريا، نرى أقوى تجليات تحرر الإنسان في تحرر الكتاب. فسوريا، بهذا المعرض، «تكتب التاريخ، وتقرأه، وتُقرئه» بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!