
ترك برس
في ظل التصعيد العسكري المتواصل بين إسرائيل وإيران، تتجه ملامح النظام الإقليمي في الشرق الأوسط نحو إعادة تشكّل متسارعة، تتجاوز حدود المواجهة الميدانية لتطال بنية الأمن الإقليمي برمّتها. وفي هذا السياق، تحدثت صحيفة هآرتس عن حراك دبلوماسي وأمني متصاعد تقوده تركيا ودول الخليج، يهدف إلى بلورة إطار تعاون إقليمي بديل، يقلّص الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة دون القطيعة معها.
وبحسب تحليل للمحاضر والباحث عيلاد جيلادي، نشرته هآرتس، فإن الحرب المستمرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى لم تقتصر تداعياتها على الساحة العسكرية فحسب، بل بدأت تظهر في أبعاد سياسية وأمنية أوسع، خصوصا في دول الخليج العربي، حيث تتشكل نقاشات حيوية حول مستقبل الأمن الإقليمي بعد انتهاء النزاع.
ووفقا لموقع "عربي21" الإخباري، أشارت الصحيفة إلى أن سلسلة من الاجتماعات المغلقة جرت في الرياض، جمعت مسؤولين خليجيين مع شركاء محتملين من المنطقة، لمناقشة ليس فقط كيفية الرد على العمليات العسكرية الجارية، بل وأيضا كيفية الاستعداد لعالم ما بعد الحرب، مع التركيز على احتمال ألا يعتمد النظام الأمني في المنطقة بالكامل على الولايات المتحدة.
وأكدت هآرتس أن الاجتماعات الأخيرة أظهرت الدور المحوري الذي تلعبه تركيا في صياغة هذه التوجهات الجديدة، فقد شارك وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان في 19 آذار / مارس في أول نقاش من نوعه حول التعاون الإقليمي، بينما صدر بيان مشترك حاد اللهجة من دول خليجية أخرى، لم يقتصر على انتقاد إيران سياسيا، بل عبر عن شعور متزايد بالتهديد بسبب الهجمات الإيرانية المباشرة على البنية التحتية المدنية والاقتصادية في المنطقة.
وتابعت الصحيفة أن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أوضح خلال الاجتماعات أن دول الخليج لا تستطيع فهم دوافع الهجمات الإيرانية على أراضيها، رغم أنها ليست طرفا مباشرا في الحرب، مؤكدا أنه إذا استمرت هذه الهجمات، فإن الدول الخليجية قد تتخذ "إجراءات مضادة"، وأضافت هآرتس أن صدور مثل هذه الرسائل بشكل علني وفي إطار إقليمي واسع يشير إلى تحول عميق في النظرة إلى التهديد الإيراني، وإلى السعي لإيجاد إطار أمني بديل جزئي عن الاعتماد على الولايات المتحدة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الموقف الخليجي يحمل بعدا مفارقيا، فبينما حرصت دول الخليج منذ اندلاع الحرب على التأكيد بأنها ليست طرفًا في النزاع ورفضت استخدام أراضيها لشن هجمات على إيران، فإن الهجمات الأخيرة على منشآت الغاز في قطر والبنية التحتية النفطية في السعودية والإمارات، بالإضافة إلى إطلاق الصواريخ تجاه السعودية، أعادت رسم الحدود الأمنية والسياسية، ما دفعها إلى دراسة تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في مجال الأمن دون الانفصال الكامل عنها.
وأكدت هآرتس أن من زاوية إسرائيلية، يمثل هذا التحول علامة بارزة، فبينما تتبنى دول الخليج ومصر مواقف أكثر تشددًا تجاه إيران، وتؤكد على الضرر الذي لحق بالبنية التحتية المدنية، فإنها في الوقت نفسه تحرص على عدم الانخراط الكامل ضمن تحالف مع إسرائيل، ما يخلق وضعًا معقدًا يجمع بين المصالح المتقاربة والأطر السياسية المنفصلة.
وتابعت الصحيفة أن من منظور سعودي، لا يتركز السؤال على استبدال الولايات المتحدة، بل على تنويع مصادر الأمن، وهنا يظهر دور التعاون الإقليمي الذي يشمل مزايا متعددة لكل شريك: تركيا بصناعتها الدفاعية المتقدمة، وباكستان بقدراتها الاستراتيجية، ومصر بقوتها العسكرية، والسعودية والإمارات بمواردهما المالية.
وأكدت هآرتس أن المبادرة التركية لإنشاء إطار للتعاون الأمني الإقليمي تعكس فهمًا مشتركًا من الجانب السعودي بأن الاعتماد الحصري على واشنطن غير كافٍ، مشيرة إلى تصريحات فيدان: "إما أن تتحد دول المنطقة وتتعلم حل مشاكلها بنفسها، أو ستفرض قوة خارجية حلولًا تخدم مصالحها".
وأشارت هآرتس إلى أن هذا التعاون ليس تحالفًا رسميًا، بل منصة مرنة تشمل التعاون في الإنتاج والتنسيق السياسي وربما مستقبلًا إدارة الأزمات، وهو ما يسمح لدول الخليج بالمشاركة دون الالتزام الكامل. وأكدت أن الحرب الحالية سرّعت من عملية بناء هذا الإطار الإقليمي، حيث أصبحت البنية التحتية للطاقة هدفًا مباشرًا، وفشلت محاولات النأي بالنفس عن الصراع، مما أبرز الحاجة إلى إطار أمني محلي.
وتابعت الصحيفة أن دول الخليج لا تتخلى عن علاقاتها مع واشنطن، لكنها تسعى إلى صياغة نظام يكون فيه الدور الأمريكي شريكًا وليس الركيزة الوحيدة، مشيرة إلى أن السعودية سمحت باستخدام قاعدة الملك فهد للأنشطة الأمريكية، بينما تستعد الإمارات لاحتمال استمرار الحرب الطويلة وتبحث عن بدائل أمنية.
وأكدت هآرتس أن الحرب الحالية قد تمثل بداية نظام إقليمي جديد، تنتقل فيه مسؤولية الأمن تدريجيًا من القوة الأمريكية العظمى إلى الفاعلين الإقليميين، مع إبراز الدور المحوري لدول الخليج، وأن ما سيبقى في الذاكرة بعد انتهاء الحرب قد لا يكون فقط توازن الردع بين إسرائيل وإيران، بل أيضًا اللحظة التي بدأت فيها دول الخليج بتفكيك اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة بشكل تدريجي، ودراسة كيفية بناء نظام إقليمي من الداخل.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











