
كرم ألكين - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
لم يعد النفط مجرد مادة خام تُنتج، بل أصبح رافعة جيوسياسية. ففي عالم اليوم، لم يعد النفط مجرد مادة أولية لإنتاج الطاقة؛ بل تحول إلى واحدة من أكثر أدوات إسقاط القوة، والضغط الدبلوماسي، وتوجيه التمويل، والنفوذ العالمي تأثيرًا. ولهذا السبب، ينبغي قراءة قرار الإمارات العربية المتحدة الخروج من منظمة أوبك ليس بوصفه قرارًا تقنيًا متعلقًا بالطاقة، بل باعتباره إعلان استقلال استراتيجي للمرحلة الجديدة.
لقد كانت فيينا، لسنوات طويلة، المركز السياسي للنفط. وكانت أوبك بنية تمثل القدرة الجماعية لدول الخليج على التحرك، من خلال موازنة الأسعار عبر حصص الإنتاج وضبط أسواق الطاقة. وقد أظهر هذا النظام المتمركز في فيينا، من خلال أزمتي النفط عامي 1973 و1978، أن النفط لم يكن مجرد أداة اقتصادية، بل كان أيضًا رمزًا لعصر استُخدم فيه كآلية توازن سياسي. وكانت السعودية الزعيم الطبيعي لهذا الهيكل، بينما كانت بقية دول الخليج شركاء منسجمين ضمن المعادلة.
لكن مرحلة «الميركانتيلية الثانية» و«الرأسمالية المضبوطة» تعمل على تآكل المؤسسات والانضباطات متعددة الأطراف القديمة. فالدول لم تعد تريد أن تكون مجرد أطراف تلتزم بالقواعد الجماعية، بل أصبحت ترغب في أن تكون فاعلًا يصوغ مجاله الجيوسياسي بصورة مستقلة. وهذه بالضبط هي الرسالة التي تبعث بها أبوظبي: «لن نكون بعد اليوم الطرف الخاضع للقواعد، بل الطرف الذي يعيد كتابة القواعد». ولا ينبغي قراءة خيار الشيخ آل نهيان باعتباره مجرد اعتراض على حصص إنتاج النفط. فهذا القرار يجب أن يُقرأ بوصفه إعلانًا واضحًا عن تعمق التنافس القيادي مع السعودية، وعن صراع النفوذ أمام واشنطن وتل أبيب، وعن البحث عن هندسة قوة جديدة في الخليج.
ومن اليمن إلى السودان، ومن معادلة إيران إلى أمن البحر الأحمر، لم تعد أبوظبي تريد أن تكون الشريك الصغير، بل تسعى إلى أن تصبح اللاعب المهيمن. وهي تحاول إثبات ذلك من خلال تحركاتها الطموحة في عدد من الدول الإفريقية، وعلى رأسها ليبيا. ومع ذلك، يتعين على الإمارات أيضًا أن تعيد النظر في هويتها بوصفها «وكيلًا استفزازيًا»، وأن تواجه الأضرار التي ألحقتها بنفسها وبالدول التي تدخلت فيها. لكن القضية الأساسية هي التالية: أين سيكون المركز الجديد للخليج؟ في الرياض أم في أبوظبي؟
في البنية القديمة لأوبك، كان الجواب عن هذا السؤال واضحًا إلى حد كبير. أما اليوم، فإن الإمارات تريد أن تُظهر إرادة تأسيس مركزها الخاص، اعتمادًا على قدراتها الاقتصادية، وصناديقها السيادية، واستثماراتها الدفاعية، وروابطها العالمية. وهنا تكتسب الكلمات التي نشرها حاكم دبي آل مكتوم يوم الجمعة الماضي أهمية أكبر بكثير: «المسؤولية أمانة... والأنانية في النجاح بالخدمة العامة خيانة للأمانة... والوطن لا يتجزأ». ولا ينبغي قراءة هذه العبارات بوصفها مجرد موعظة أخلاقية عادية، بل بوصفها فلسفة دولة بشكل مباشر. فالإمارات، في جوهرها، تقوم على توازن حساس للقوة بين الإمارات المختلفة. فأبوظبي تمثل القوة الصلبة والطاقة والدفاع والأمن الاستراتيجي، بينما تدير دبي التمويل والخدمات اللوجستية والتجارة وتدفقات رأس المال العالمي والقوة الناعمة.
ويكتسب دور دبي أهمية حيوية هنا. لأن قيمة النفط في المرحلة الجديدة لم تعد تُقاس فقط بحالته الخام الخارجة من البئر، بل أيضًا بالمراكز المالية والبنية التحتية للموانئ وصناديق الاستثمار وتدفقات رأس المال العالمية التي تُبنى حوله. وتشكل دبي المركز العصبي لهذا النظام. فإذا كانت أبوظبي تمثل الإرادة الجيوسياسية، فإن دبي هي المحرك الاقتصادي لهذه الإرادة. ورسالة آل مكتوم واضحة: إذا لعبت أبوظبي منفصلة عن دبي، ولعبت دبي منفصلة عن أبوظبي، فإن النظام سينهار. فالولاء الشامل بين الإمارات يتقدم على المصالح المحلية. وصاحب المسؤولية الحقيقي ليس من يفكر فقط في مسيرته الشخصية داخل الدولة، بل من يراعي استمرارية النظام بأكمله. لأن الوطن لا يتجزأ، وكذلك المسؤولية لا يمكن تقسيمها.
أما الانكسار الأكبر الحقيقي فهو نموذج ما بعد أوبك. لأن النفط لم يعد يُباع بحد ذاته؛ بل الذي يُباع الآن هو «الخيار الجيوسياسي». ومعنى ذلك هو الانتقال من كارتل نفطي إلى دولة استثمار سيادية. فالصراع اليوم لم يعد حول حصص الإنتاج، بل حول من سيرسم الخريطة السياسية للمستقبل. فيينا أم أبوظبي؟ إن أبوظبي تريد في الوقت نفسه أن تتحول إلى العاصمة المؤسسة لنظام ما بعد النفط. ولذلك، فإن خروج الإمارات ليس سوى عملية بناء لمركز جديد ولسيادة استراتيجية جديدة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













