
يحيى بستان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
ما يبدو في الأفق هو التالي... إن الحرب الأمريكية/الإسرائيلية-الإيرانية التي هدأت مع وقف إطلاق النار تستعد للدخول في مرحلة جديدة. وقد تعود الاشتباكات من جديد. فالولايات المتحدة، التي بدأت مبادرة لفتح هرمز، قد تستهدف البنية التحتية للطاقة والبنية التحتية المدنية في إيران بهجوم عنيف. وقد ترد إيران على ذلك بشكل غير متماثل. وكان يُقال سابقاً إن الطرفين باتا قريبين جداً من الاتفاق. لكن بعض الأمور تتغير على الطاولة. فالمعلومات الواردة حالياً تشير إلى أن الولايات المتحدة تركز على خيار الهجوم، وأن إيران تستعد لهذا الاحتمال. ماذا يحدث؟ دعونا أولاً ننعش ذاكرتنا.
الشروط التي دفعت الولايات المتحدة وإيران إلى الجلوس على الطاولة
أولاً. شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسعاً على إيران، لكنهما لم تتمكنا من تحقيق أهدافهما العسكرية والسياسية. أما إيران، التي تخوض معركة مصيرية، فقد تلقت ضربة قوية لكنها أظهرت قدرتها على الرد غير المتماثل. وتمكنت من الحفاظ على آلية القيادة والسيطرة. كما غيّرت أجندة الحرب بإغلاق هرمز.
ثانياً. تسبب إغلاق هرمز في ضغط على الاقتصاد العالمي وعلى ترامب (الذي يستعد للانتخابات). وكان ترامب قد دخل الحرب من دون إقناع الرأي العام الأمريكي. ولهذا السبب دخل الرئيس الأمريكي في توتر مع قاعدة “ماغا” التي كانت تقول: “هذه ليست حربنا بل حرب إسرائيل”. وقد أنتجت حرب إيران تكلفة بلغت 30 مليار دولار بالنسبة للولايات المتحدة (في حين لم يتم بعد احتساب العبء الذي تشكله أسعار النفط المرتفعة على الاقتصاد الأمريكي). ومن جهة أخرى... وهذه معلومة: لقد تجاوزت تكلفة الحرب بالنسبة لإيران 135 مليار دولار (ولا يشمل ذلك العبء الناتج عن الحصار المزدوج على هرمز).
ثالثاً. حاول ترامب إشراك حلفاء الناتو، والدول الأوروبية، والجهات الفاعلة في المنطقة في حرب إسرائيل. لكن هذه الدول، فضلاً عن رفضها المشاركة، عارضت الحرب نفسها بشكل مباشر. ودخلت العلاقات الأمريكية-البريطانية (بل وحتى الأمريكية-الألمانية) في حالة اضطراب. ووجد ترامب نفسه محاصراً بين الضغوط الداخلية والخارجية. وبشكل عام، فإن هذه الأسباب الثلاثة (الشروط) هي التي أجبرت الأطراف على الجلوس إلى الطاولة.
كان الاتفاق شبه مكتمل
تبع وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 7 أبريل الجولة الأولى من المفاوضات التي جرت في باكستان في 11 أبريل. لكن لم يتم التوصل إلى نتيجة. وقد كتبنا أسباب ذلك: إذ جلس الطرفان إلى الطاولة من دون أي مشاورات تمهيدية. ولذلك لم يكن هناك اتفاق على العناوين الأساسية (انظروا: الولايات المتحدة-إيران: يعيدان ترتيب الزر الأول من جديد، 17 أبريل).
وقبيل الجولة الثانية من المفاوضات، التي كان متوقعاً عقدها في 22 أبريل لكنها لم تتم، كان الطرفان قد أحرزا تقدماً مهماً في مسودة الاتفاق نتيجة للمشاورات التمهيدية التي جرت عبر الوسطاء (انظروا: تفاصيل مسربة من مسودة الاتفاق الأمريكي-الإيراني، 21 أبريل).
وبناءً على ذلك، كانت المفاوضات الأساسية تُجرى حول الملف النووي. وقد تم التوصل إلى اتفاق بنسبة 80 بالمئة في الملف النووي. وكانت هناك بعض العقبات التي لم يتم التوافق عليها. وكان من المقرر أن يناقشها ممثلون رفيعو المستوى في الجولة الثانية من المفاوضات. فما هي بنود التفاهم؟
الولايات المتحدة عارضت خيار باكستان، وإيران رفضت خيار تركيا
أولاً. كان سيتم إرسال 460 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب الذي تمتلكه إيران إلى دولة ثالثة (وكان يُقال إن هذه الدولة الثالثة قد تكون تركيا أو باكستان أو روسيا أو الصين، وكانت باكستان الأوفر حظاً. لكن... المعلومات الجديدة تقول إن الولايات المتحدة - على الأرجح لأسباب أمنية - لم تتحمس لخيار باكستان. أما إرسال اليورانيوم المخصب إلى تركيا فقد رفضته إيران. وزيارة وزير الخارجية الإيراني عراقجي إلى موسكو، إضافة إلى المكالمة الهاتفية التي استمرت ساعة بين ترامب وبوتين، كانت تشير إلى أن الدولة الثالثة قد تكون روسيا).
وفي الأثناء، اقترحت إيران أيضاً تخفيف نسبة تخصيب اليورانيوم من 60 بالمئة إلى 20 بالمئة بدلاً من إرساله إلى دولة ثالثة، لكن الأمريكيين رفضوا ذلك.
ثانياً. أما نقطة الخلاف فكانت تتعلق بموعد استئناف إيران لعمليات التخصيب. فالولايات المتحدة كانت تتحدث عن 20 عاماً، بينما كانت إيران تتمسك بخمس سنوات. وكانت الخيارات المتعلقة بـ10 أو 12 أو 15 عاماً تكتسب وزناً أكبر. أما الجانب الإيراني، فكان يرى أن: “منشآتنا النووية تعرضت لأضرار. وحتى لو أردنا اليوم، فلن نتمكن من البدء قبل 10 سنوات”.
الحصار المزدوج على هرمز عطّل العملية
وكان من المفترض توضيح هذه العناوين في الجولة الثانية. لكن الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة لم تتم. والسبب هو أن ترامب فرض حصاراً مزدوجاً على هرمز في 13 أبريل لرفع سقف الضغط. وقد طلبت إيران من الولايات المتحدة فتح هرمز حتى تتم المفاوضات. لكن ترامب يعتقد أن قرار هرمز وضع إيران تحت الضغط ومنحه موقعاً متقدماً على الطاولة. ولذلك فهو لا يقبل رفع الحصار قبل التوصل إلى اتفاق. كما أن إيران لا تريد الجلوس إلى الطاولة من موقع ضعف. وهي تدرك أيضاً “إلى أي مدى يريد ترامب الاتفاق”. ولهذا السبب، ومن خلال المجازفة، قدمت اقتراحاً جديداً إلى الطاولة.
ويبدو أن الحرس الثوري غيّر أجندة المفاوضات وصيغتها (فهو لا يريد مفاوضات وجهاً لوجه). ووفقاً للمعلومات الواردة، فإن رد إيران على الولايات المتحدة يتمحور حول ثلاثة عناوين:
أولاً. دعونا نناقش وضع هرمز. لا عودة إلى الوضع السابق. ولنبحث الملف النووي لاحقاً.
ثانياً. يجب أن تتوقف الحرب في كامل المنطقة. وألا تُشن هجمات على القوى الوكيلة (لبنان، حزب الله).
ثالثاً. يجب دفع تعويضات عن جميع خسائر الحرب.
سيناريوهات المرحلة الجديدة
لم يقبل ترامب هذا الاقتراح الإيراني. بل قام بخطوة مضادة: ففي الوقت الذي يواصل فيه الحصار البحري على إيران، أصدر تعليماته للجيش الأمريكي بمرافقة سفن الدول الأخرى، أي كسر الحصار الإيراني في هرمز. ويحاول ترامب، في الوقت الذي يحافظ فيه على ضغطه على الاقتصاد الإيراني، أن يخفف الضغط عن الاقتصاد العالمي (وعن نفسه). لكن مثل هذه الخطوة، التي تهدف إلى جرّ إيران بالقوة إلى الطاولة، قد تفسد حالة التهدئة التي فرضها وقف إطلاق النار. وقد تضطر إيران، كي لا تفقد ورقة هرمز، إلى القيام بخطوة جديدة - ربما لا تستهدف السفن الأمريكية الداخلة إلى هرمز بشكل مباشر، لكنها قد تتحرك بطريقة أخرى. ويمكن أن نتوقع هذه الخطوة في باب المندب بالبحر الأحمر.
وفي مثل هذا السيناريو، هناك معلومات تفيد بأن ترامب، الواقع تحت ضغط الانتخابات والوقت، قد يحاول كخيار أخير إجبار إيران على الجلوس إلى الطاولة عبر ضرب البنية التحتية المدنية وبنية الطاقة بقوة شديدة. كما يُقال إن إيران تستعد لهذا الاحتمال. ويُوصف ما تبقى من الأيام القليلة المقبلة بأنه “حرج”. فهل سيحدث ذلك فعلاً، أم أن الأطراف ستجد طريقاً جديداً للهروب؟ سنرى.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













