عبد الله مراد أوغلو - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتبع موقفًا أكثر تشددًا تجاه الصين في ولايته الأولى، وحتى في بدايات ولايته الثانية. ويبدو أن ترامب قد ابتعد عن هذا الموقف المتشدد. وربما أدرك ترامب أن تشابك الاقتصادين الصيني والأمريكي يجعل من الصعب ممارسة مزيد من الضغط على الصين. ففي ولايته الأولى كان ترامب يقول إن الصين سلبت الوظائف الأمريكية من أيدي الأمريكيين، ولذلك وعد بإعادة الوظائف إلى أمريكا. وقد زيّن ترامب هذا الوعد الانتخابي بشعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”.

إن ذهاب ترامب إلى بكين وعلى متن طائرته عدد كبير من رجال الأعمال كان مؤشرًا على أن فصل الاقتصادين الأمريكي والصيني، كما كان متعهدًا به، ليس أمرًا سهلًا. ويبدو أن سياسة ترامب الجديدة تهدف إلى تقليص العجز في التجارة الأمريكية مع الصين. كما أظهر الرئيس الصيني شي جين بينغ استعداده لتقديم بعض المبادرات الإيجابية لترامب في هذا الشأن. وربما يعتقد ترامب أن هذه المبادرات ستمنح حزبه أفضلية في انتخابات نوفمبر.

غير أن هذه العلاقة الجديدة لا تعني انتهاء التنافس على الهيمنة العالمية بين الولايات المتحدة والصين. فعلى الرغم من أن الجانب الصيني يؤكد أن صعود الصين لا يمثل تحديًا يهدف إلى إزاحة الولايات المتحدة من مكانتها على الساحة العالمية، فإن الصقور الأمريكيين تجاه الصين لا يفكرون بهذه الطريقة. ويجب أن نُذكّر بأن هؤلاء الصقور ينتمون إلى الحزبين معًا.

ويتفق العديد من المحللين الأمريكيين على أن أي قوة صاعدة ستُعتبر تهديدًا للهيمنة العالمية الأمريكية. وفي الواقع، فإن الصعود التكنولوجي لليابان في ثمانينيات القرن الماضي كان قد أثار خوف الأمريكيين إلى حد كبير. وكانت الحجج المطروحة ضد الصين اليوم تُطرح آنذاك ضد اليابانيين أيضًا. إلا أن اليابانيين تمكنوا من تفادي الأمريكيين عبر “ادعاء الضعف”. فقد قبل اليابانيون بالتراجع والرضا بمكانة أدنى من الولايات المتحدة.

إن الأمريكيين الذين يزعمون أنهم “أمة استثنائية”، وأن عالمًا لا تكون فيه الولايات المتحدة القوة المهيمنة سيغرق في الفوضى، لا يستطيعون تحمل فقدان نفوذهم على النظام العالمي. فالمزايا التي يوفرها النظام الاقتصادي العالمي القائم على كون الدولار عملة احتياطية تلعب دورًا مهمًا في تجهيز القوة العسكرية الأمريكية. كما أن استمرار الولايات المتحدة قوةً مهيمنة على النظام العالمي مرتبط ببقاء قوتها العسكرية المنتشرة عبر قواعدها في أنحاء العالم.

لقد سهّلت “هيمنة الدولار” معالجة الأضرار التي تسبب بها انتقال الوظائف الأمريكية إلى الصين. ومن جهة أخرى، كانت البضائع الصينية الرخيصة تتيح للأمريكيين تلبية احتياجاتهم اليومية. إلا أنه يبدو أن هذا الوضع لم يعد قابلًا للاستمرار. أما التفاوت الهائل في توزيع الدخل والثروة فقد دفع السياسة الأمريكية نحو مزيد من التطرف..

ومن الواضح أن مشاركة الصين في النظام الاقتصادي العالمي لعبت دورًا مهمًا في صعودها. وكان الليبراليون الغربيون المؤيدون للعولمة قد وعدوا أصلًا بأن العولمة ستكون مربحة لجميع الدول. أما الصقور الأمريكيون تجاه الصين فيرون أن النظام الاقتصادي الليبرالي العالمي الذي ترعاه الولايات المتحدة قد أغنى الصين وأفقر الأمريكيين. غير أن الحقيقة أيضًا هي أن انتقال الوظائف إلى الصين جعل الشركات الكبرى في أمريكا أكثر ثراءً.

لقد خاطب ترامب في البداية الناخبين الذين فقدوا وظائفهم الصناعية، لكنه اختار لاحقًا طريق التفاهم مع “أمريكا الشركات”. أما الرسوم الجمركية الإضافية التي فرضها ترامب فقد وضعت المنتجين الذين يرسلون بضائعهم إلى الصين في مأزق، وفي الوقت نفسه جعلت حياة الأمريكيين العاديين أكثر صعوبة بكثير. ويبدو أن ترامب أُجبر سياسيًا على إقامة علاقة تركز على التجارة مع الصين للخروج من هذا المأزق.

أما الصين فتطالب، مقابل المبادرات التجارية، بأن تلتزم الولايات المتحدة بـ “الخطوط الحمراء” الصينية. وفي الواقع، فإن بعض التصريحات التي أدلى بها ترامب بعد “قمة بكين” تعطي انطباعًا بأنه سيتم إجراء تغيير في سياسة تايوان. ففي حين تحرك شي جين بينغ في القمة برؤية استراتيجية وطويلة الأمد، اتخذ ترامب موقفًا قصير الأمد يقتصر في أقصى حدوده على فترة حكمه.

ووفقًا للتايوانيين، فإن شي جين بينغ يقدم مبادرات بهدف دفع الولايات المتحدة إلى رفع يدها عن تايوان. وتوصف هذه الاستراتيجية بأنها “سحب الحطب من تحت القدر المغلي”. وتُعتبر هذه الاستراتيجية، وهي استراتيجية صينية قديمة، جزءًا من الاستراتيجية الكبرى للصين في مواجهة الهيمنة الأمريكية.

وتتبع الصين “الصبر الاستراتيجي” في مواجهة الولايات المتحدة التي بلغت حدود توسعها الإمبراطوري، ولهذا دخلت مرحلة التراجع. وهي تريد مواصلة نموها الاقتصادي (والعسكري) من دون عوائق. كما تفضل مراقبة ضعف الأسس الدولية التي تستند إليها القوة الأمريكية. أما جوهر استراتيجية “سحب الحطب من تحت القدر المغلي” فيُشرح بالكلمات التالية:

“المحارب الجيد يجعل نفسه أولًا غير قابل للهزيمة، ثم ينتظر أن يصبح العدو قابلًا للهزيمة.”

 

عن الكاتب

عبد الله مراد أوغلو

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس