محمد عاكف صويصال - يني شفق - ترك برس

إن بعض الرسوم البيانية في الأسواق المالية ليست مجرد بيانات تقنية؛ بل هي نذير بالانكسارات المقبلة. وعودة عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً إلى تجاوز مستوى 5 بالمئة تُعد تطوراً من هذا النوع تماماً.

للوهلة الأولى قد يبدو الأمر مجرد حركة عادية في أسعار الفائدة. لكن عندما نتعمق قليلاً، نرى أن الأمر ليس مجرد بيانات تخص سوق السندات، بل تحذير جدي للاقتصاد العالمي.

نفس الفائدة… لكن ليست نفس أمريكا

علينا أولاً أن نحدد هذه الحقيقة بشكل صحيح: تجاوز عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عاماً مستوى 5 بالمئة ليس أمراً غير مسبوق تاريخياً.

ففي بدايات الألفية الثانية كان هذا المعدل يتجاوز 6 بالمئة. وحتى قبيل الأزمة المالية العالمية عام 2007 تم اختبار مستويات تفوق 5 بالمئة.

لكن ما يجعل المستوى نفسه مختلفاً تماماً اليوم هو أن ميزانية الاقتصاد الأمريكي قد تغيرت بالكامل.

ففي عام 2007 كان الدين الفيدرالي الأمريكي يقارب 9 تريليونات دولار.

أما اليوم فقد تجاوز 36 تريليون دولار.

أي أن سعر الفائدة نفسه لم يعد يحمل المعنى نفسه.

فما كان يُنظر إليه بالأمس على أنه تكلفة يمكن إدارتها، أصبح اليوم يعني عبئاً أثقل بكثير. لأن القضية ليست فقط مستوى الفائدة، بل حجم الدين الذي تُحتسب عليه تلك الفائدة.

ولهذا فإن هذا الرسم البياني يقول لنا في الواقع ما يلي:

إن السوق بات يطالب بعائد أعلى عند إقراض الولايات المتحدة على المدى الطويل.

هذا ليس قرار الاحتياطي الفيدرالي… بل قرار السوق

وهنا يكمن الفارق الحاسم:

فالرقم الذي نتحدث عنه ليس سعر الفائدة الأساسي الذي يحدده الاحتياطي الفيدرالي.

فالاحتياطي الفيدرالي يحدد أسعار الفائدة قصيرة الأجل.

أما عائد السندات لأجل 30 عاماً فيُسعَّر مباشرة من قبل السوق.

ولهذا فإن ما نراه هنا ليس خياراً من البنك المركزي، بل هو تقييم المستثمرين للولايات المتحدة.

وهذا التقييم لا يشمل فقط توقعات التضخم؛ بل يشمل أيضاً:

تزايد عجز الموازنة

النمو السريع لعبء الديون

زيادة إصدار السندات

وعلامات الاستفهام حول الانضباط المالي في واشنطن

بعبارة أخرى، فإن السوق بات يسعّر “ديناً أكثر كلفة” حتى على الدولة التي تصدر عملة الاحتياط العالمية.

لماذا يُعد مستوى 5 بالمئة عتبة نفسية؟

إن نسبة 5 بالمئة ليست مجرد رقم تقني.

فهذا المستوى يؤثر على كل شيء، من فوائد الرهن العقاري إلى اقتراض الشركات، ومن تقييمات الأسهم إلى تدفقات رؤوس الأموال العالمية.

وبالنسبة لشركات التكنولوجيا خصوصاً، فإن ارتفاع الفائدة طويلة الأجل يخفض القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية.

أي أن قصص النمو تتعرض للضغط.

لكن الأهم من ذلك أن الناخب الأمريكي يشعر بهذا الأمر بشكل مباشر.

فقروض الإسكان تصبح أكثر تكلفة.

ويصبح شراء المنازل أكثر صعوبة.

وترتفع أقساط الرهن العقاري الشهرية.

ويتباطأ سوق الإسكان.

وهكذا لم يعد الأمر قضية تخص “وول ستريت” فقط، بل تحول إلى قضية تخص “الشارع الأمريكي”.

هل يوجد “ترامب بوت” في سوق السندات؟

هناك نمط لافت هنا.

فعندما يقترب عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات من مستوى 4.5 بالمئة، يبدو أن نبرة واشنطن تتغير.

أبريل 2025: وقف مؤقت للتعريفات الجمركية لمدة 90 يوماً

مايو 2025: رسائل تهدئة مع الصين

والآن: تصريحات حول الوصول إلى المرحلة الأخيرة من المفاوضات مع إيران

هل هي مجرد مصادفة؟

ربما.

لكن من الواضح أيضاً أن هناك آلية اقتصادية قوية.

فكلما ارتفعت الفائدة، انخفضت أسعار السندات.

وهذا يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية.

وترتفع تكاليف الرهن العقاري.

ويتراجع ثقة المستهلك.

ولذلك ليس مستغرباً أن يتدخل البيت الأبيض بخطوات تهدف إلى خفض التوتر.

بل يمكن القول إن نوعاً من “ترامب بوت” السياسي قد تشكل في السوق.

فكما أن الاحتياطي الفيدرالي أنشأ في الماضي شبكة أمان غير مرئية لأسواق الأسهم، فقد تكون هناك استجابة سياسية تعمل عند العتبات الحرجة في سوق السندات.

إذا تم تجاوز هذا المستوى…

فنحن أيضاً عند نقطة مهمة من الناحية التقنية.

إذ تتم إعادة اختبار منطقة القمم التي أعقبت أزمة 2007.

وإذا جرى تجاوز هذه المنطقة بشكل دائم، فلن تكون القضية مجرد ارتفاع في أسعار الفائدة.

بل سيعني ذلك تغيراً في النظام بأكمله.

لأنه عند تلك النقطة سيبدأ السوق بالتشكيك بشكل أكثر حدة في استدامة ديون الولايات المتحدة.

وهذا لن يولد ضغوطاً على الولايات المتحدة فقط، بل على النظام العالمي بأسره.

لماذا ينبغي لتركيا أن تتابع الأمر عن كثب؟

لأن المعادلة بالنسبة للمستثمر العالمي بسيطة:

إذا كانت الولايات المتحدة تمنحك عائداً خالياً من المخاطر يتجاوز 5 بالمئة، فلماذا تتحمل مخاطر أكبر في أسواق ناشئة مثل تركيا؟

ولهذا السبب:

ترتفع تكاليف التمويل الخارجي

وتضعف تدفقات رؤوس الأموال

وتتعرض عملات الدول الناشئة للضغط

وترتفع علاوات المخاطر

وتركيا ليست بمعزل عن هذه المعادلة.

فهي تتأثر بكل شيء، من سعر الصرف إلى عوائد السندات، ومن عقود التأمين ضد التعثر (CDS) إلى تدفقات رؤوس الأموال.

إنه ليس مجرد رسم بياني للسندات.

بل هو رسالة تحذير يرسلها السوق إلى الولايات المتحدة.

ورسالة هذا الخطاب واضحة:

إذا كانت حتى الدولة التي تصدر عملة الاحتياط العالمية تضطر اليوم إلى الاقتراض بكلفة أعلى، فقد نكون أمام دخول مرحلة جديدة في النظام المالي العالمي.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس