
د. باتوهان يلدز - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
الإنسان، بوصفه كائنا اجتماعيا، ومنذ اليوم الأول الذي ظهر فيه على مسرح العالم، دأب على محاولة فهم الظواهر التي واجهته، وإضفاء المعنى على الأحداث التي مر بها، وتصنيف الأشخاص والمجتمعات والجماعات الاجتماعية المحيطة به.
إن هذه العملية من البناء الاجتماعي، التي تمتد من تسمية المسكن الذي يعيش فيه بـ"البيت"، ووصف الأشخاص الذين يتشاركون معه المثل العليا نفسها بـ"الرفاق"، إلى وصم من لا يعتنقون معتقده بصفات مثل "الغريب" (بالإنجليزية: outlander)، أو "الكافر" (بالفرنسية: infidèle)، أو "الوثني" (باللاتينية: paganus)، تُعد من أوضح الدلائل على أن نوعنا البشري لم يُشكّل العالم الذي يعيش فيه استنادا إلى الحقائق المادية وحدها، بل أيضا عبر الرموز والانتماءات وعلاقات السلطة.
ومع ذلك، فقد امتدت آثار هذه الأنماط من الترميز إلى التعريفات الجغرافية أيضا، ولا سيما في ظل النظام العالمي الجديد الذي تشكّل عقب الانهيار المفاجئ لكيان سياسي ضخم مثل الاتحاد السوفيتي بعد عام 1991. ومن هذا المنطلق تحديدا، سأحاول أن أنقل إلى قرائي الأعزاء، بأبسط صورة ممكنة، الملامح السوسيولوجية متعددة الطبقات لـ"ساحة لعب" أصيلة، صُنفت في كتاب "رقعة الشطرنج الكبرى" (The Grand Chessboard) من قبل بريجنسكي تحت مسمى "بلقان أوراسيا" (Eurasian Balkans)، وهي واحدة من أكثر المناطق الجغرافية تعقيدا في تاريخ البشرية.
إذن، يمكننا أن نبدأ.
ما هي بلقان أوراسيا وما الذي ليست عليه؟
من الناحية التاريخية، تُعد كلمة "بلقان" لفظة ذات أصل تركي، وتشير إلى السلاسل الجبلية الوعرة شديدة الانحدار والمكسوة بالغابات الكثيفة، أو إلى المناطق التي يغلب عليها الطابع المستنقعي والقصبي ويصعب اجتيازها.
أما في أدبيات العلاقات الدولية الحديثة، فإن مفاهيم مثل "البلقان" و"البلقنة" أو "البلقنة السياسية" (Balkanization) لم تعد مجرد توصيفات جغرافية، بل أصبحت ترمز إلى المجتمعات المتفككة، ومناطق الصراع التي تشهد احتكاكات عرقية بالغة التعقيد، وبنى الدول الهشة، والجغرافيات المتنازع عليها والمنفتحة على التدخلات الخارجية. ومن ثم، فإن تعبير "بلقان أوراسيا" الذي استخدمه بريجنسكي في عمله الأشهر "رقعة الشطرنج الكبرى" يجب أن يُقرأ في إطار هذا السرد السوسيولوجي-السياسي تحديدا.
الملامح السوسيولوجية لبلقان أوراسيا
انطلاقا مما سبق، فإن نواة بلقان أوراسيا تتكون من دول مثل كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وأذربيجان، وأرمينيا، وجورجيا، وأفغانستان. أما أبرز القوى الفاعلة القادرة على قلب موازين اللعبة في المنطقة، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الروسي، وجمهورية الصين الشعبية، فتُعرَّف غالبا بأنها الجمهورية التركية وإيران.
وعلاوة على ذلك، يرى كثير من خبراء شؤون المنطقة والاستخبارات أن أول ما يلفت الانتباه في البنية السوسيولوجية لهذه المنطقة هو التشابك المعقد للغاية بين الهويات العرقية والدينية. وفي هذا السياق، يمثل الجورجيون، والأرمن، والكازاخ، والأوزبك، والتركمان، والأذربيجانيون، والقيرغيز، والطاجيك، والبشتون، والهزارة، والأقليات الروسية، الوجوه المختلفة لهذه الرقعة الجغرافية الواسعة. وبينما يثري هذا التنوع العرقي النسيج الاجتماعي للمنطقة، فإنه يتحول أيضا، خلال فترات الأزمات مثل الغلاسنوست والبيريسترويكا والحرب الأمريكية الإيرانية، إلى مشكلة شديدة التعقيد بالنسبة للنخب الحاكمة، تزيد الأوضاع اشتعالا بدلا من تهدئتها.
وثمة عنصر مهم آخر يزيد من الأهمية الجيوستراتيجية للمنطقة، يتمثل في موارد الطاقة وخطوط العبور التي تمتلكها بلقان أوراسيا. فاحتياطيات النفط، والذهب، واليورانيوم، والغاز الطبيعي الغنية في حوض بحر قزوين وآسيا الوسطى، تجعل هذه الجغرافيا تتجاوز كونها مجرد فضاء تعيش فيه شعوب محلية، لتتحول إلى مركز استراتيجي مغرٍ يمد الاقتصاد العالمي بعوامل الحياة. غير أن النقطة الأهم التي ينبغي الالتفات إليها هنا لا تتعلق بمن يمتلك هذه الموارد الطبيعية، بل بالسؤال المتعلق عبر أي مسارات، وبواسطة من، سيتم نقل هذه الموارد.
فعلى سبيل المثال، عندما تمر خطوط الطاقة عبر روسيا، تتعزز هيمنة موسكو على المنطقة. وخلال العقد الأخير، أخذ ميزان القوى يتشكل بصورة تتوافق مع ما تريده بكين، بفضل المبادرات الدبلوماسية والاستثمارات الاقتصادية الصينية. أما الخطوط الممتدة نحو الغرب عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا، فما زالت تمثل إحدى أهم الأوراق الجيوسياسية التي تعزز موقع بلادنا. وخلاصة القول، إن خطوط الأنابيب، التي تُعد شرايين وأوردة تجارة الطاقة العالمية، لم تعد مجرد أدوات توفر البنية التحتية التقنية، بل تحولت إلى أدوات جيوسياسية فريدة تعيد تنظيم علاقات الهيمنة العالمية والاعتماد المتبادل.
وإلى جانب كل ذلك، ومن منظور فيبري (Weberyen)، فإن آخر العناصر، وربما أهمها، التي تجعل بلقان أوراسيا منطقة بالغة الحساسية، يتمثل في أن سبب وجودها (raison d'être) يُدرَك ويُعاد تفسيره من قبل قوى مختلفة وفقا لوجهات نظر متباينة.
فعلى سبيل المثال، تمثل هذه المنطقة بالنسبة إلى فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين موطن الإمبراطورية القديمة، أو بالأحرى الحديقة الخلفية للاتحاد الروسي. أما بالنسبة إلى شي جين بينغ، فهي ساحة استراتيجية ترتبط بأمن الطاقة لجمهورية الصين الشعبية واستقرار مشروع "الحزام والطريق". ومن منظور الولايات المتحدة وحلفائها المنضوين تحت مظلة حلف الأطلسي، فإن أوراسيا تُعد بمثابة "مرجل ساحرات" ينبغي إبقاؤه في حالة غليان واضطراب دائمين، حتى لا تقع المنطقة تحت هيمنة قوة عظمى منافسة واحدة.
الخاتمة
وفي الختام، فإن رسم الملامح السوسيولوجية لبلقان أوراسيا لا يقتصر على تناول القضايا العرقية أو الدينية أو المرتبطة بالطاقة في القوقاز وآسيا الوسطى ضمن إطار ضيق. فبحسب تعبير خبراء بارزين مثل بريجنسكي وألكسندر دوغين، فإن الفهم الحقيقي للتحركات التي تُنفذ على "رقعة الشطرنج" المشار إليها لا يتحقق إلا من خلال دراسة وإعادة تحليل، بدقة محقق، ما إذا كانت روسيا قادرة على التحول مجددا إلى قوة عملاقة شبيهة بالاتحاد السوفيتي، وقدرة دول تمتلك عقلا حضاريا مثل تركيا على الانفتاح نحو أوراسيا، وحدود النفوذ الإقليمي لإيران، واتساع الاهتمام الاستراتيجي الصيني باتجاه الغرب، وسعي الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها العالمي بصورة "عصابية".
ولهذا السبب تحديدا، فإن أي طرف يسعى إلى فرض هيمنته على هذه المنطقة ينبغي له، عند الضرورة، أن يتحلى بوقار "الملك الفيلسوف"، وأن يمتلك، في الوقت نفسه، من الخبرة ورباطة الجأش ما يمتلكه أستاذ شطرنج بارع في إحباط الألعاب التي تُحاك ضده وإفشال الكمائن المنصوبة له. لأن حركة خاطئة واحدة (بالإنجليزية: blunder) في لعبة الشطرنج وفي فن الدبلوماسية كفيلة بإهدار ألف حركة صائبة سبقتها.
أتمنى للجميع أسبوعا جميلا، تبقى فيه أبواب إدراكنا مفتوحة، ويسود فيه الوئام المجتمعي والسلام المطلق في جميع مناحي الحياة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











