أيغون أتار - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

إن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأذربيجانية بتاريخ 29 يونيو/حزيران 2026، يشكل ردا مبدئيا ومتزنا يستند إلى حكمة الدولة، على قرار الحكومة الإسرائيلية بشأن ما يسمى بـ"الإبادة الجماعية للأرمن". ويكتسب هذا البيان أهمية خاصة من حيث الحفاظ على الحقائق التاريخية، واحترام القانون الدولي، والدفاع عن أجندة السلام الدائم في جنوب القوقاز.

وكما أكدت الوزارة، فإن تحويل المسارات التاريخية المعقدة المتعلقة بأحداث عام 1915 إلى موضوع لقرارات سياسية، بعيدا عن الأسس القانونية والعلمية، يعد نهجا غير مقبول.

إن تقييم الأحداث التاريخية تحت ضغط جماعات الضغط، والحسابات الدبلوماسية، والظروف السياسية الراهنة، لا يخدم مساعي تحقيق العدالة، بل على العكس، يفضي إلى خلق بؤر جديدة لانعدام الثقة. وينبغي دراسة الصفحات المأساوية من الماضي عبر الأرشيفات والوثائق والمؤرخين، وخبراء القانون الدولي، واللجان العلمية المستقلة.

ويأتي هذا التحرك من جانب الحكومة الإسرائيلية في وقت تحتاج فيه منطقة جنوب القوقاز إلى السلام أكثر من أي وقت مضى. فبعد ما يقرب من ثلاثين عاما من الاحتلال والحرب والدمار والتهجير القسري، دخلت المنطقة مرحلة سياسية جديدة.

فبعد تحرير قره باغ وشرق زنغزور، فضلت أذربيجان، بدلا من انتهاج طريق الانتقام، المضي في مسار إعادة الإعمار، وعودة السكان، وفتح الروابط الإقليمية، وتعزيز البنية الأمنية. وفي هذه المرحلة الحساسة، فإن أي خطوة تؤجج النقاشات التاريخية تفرض أعباء ثقيلة على عملية السلام، وتمهد الطريق لإحياء النزاعات القديمة.

ومن هذا المنطلق، فإن دعوة وزارة الخارجية الأذربيجانية الحكومة الإسرائيلية إلى إعادة النظر في هذا القرار، تعد موقفا مسؤولا وفي محله تماما. ولا يمكن حصر مقاربة باكو في إطار رد فعل سياسي ضيق. فهذا الموقف يمثل إرادة دولة واضحة في مواجهة تحويل الحقيقة التاريخية إلى مادة للتلاعب السياسي.

وتعد تركيا بالنسبة لأذربيجان دولة شقيقة وحليفا استراتيجيا لا غنى عنه. وترتكز هذه الأخوة على أسس تاريخية وروحية وسياسية. وقد بلغت فلسفة الزعيم الوطني العام للشعب الأذربيجاني حيدر علييف، المتمثلة في "أمة واحدة، دولتان"، اليوم مرحلة أكثر قوة، في ظل قيادة الرئيس والقائد الأعلى المنتصر إلهام علييف، عبر مفهوم حديث للتحالف، والأمن المشترك، والدعم المتبادل، والمسؤولية التاريخية المشتركة.

وفي هذا السياق، لا يزال الموقف التاريخي الذي أبداه الرئيس إلهام علييف خلال قمة الشراكة الشرقية التي عقدت في براغ عام 2014 يحظى بأهمية خاصة. فعندما حاول الرئيس الأرميني آنذاك، سيرج سركيسيان، استغلال منصة دولية لم تشارك فيها تركيا لتوجيه اتهامات إليها، رد عليه الرئيس إلهام علييف قائلا بحزم:

"تركيا ليست موجودة هنا، وأنتم تحاولون استغلال ذلك. لكنني موجود هنا، وأنا من سيرد عليكم."

وقد أظهرت هذه الكلمات أن الأخوة بين أذربيجان وتركيا ليست مجرد نصوص دبلوماسية، بل حقيقة حية وراسخة يتم الدفاع عنها حتى في أصعب المنابر السياسية.

واليوم أيضا، لا يزال المبدأ نفسه ساريا: فعندما تُوجَّه إلى تركيا اتهامات تاريخية ظالمة، لا تلتزم أذربيجان الصمت. وحين يُحاول إعادة كتابة التاريخ بما يخدم الدعاية الأرمنية، تتحدث باكو بلغة الحقائق، والكرامة، وحكمة الدولة.

وعلى مدى سنوات طويلة، نجحت أذربيجان في الحفاظ على توازن قائم على الاحترام المتبادل والتعاون العملي بين تحالف الأخوة مع تركيا، وشراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل. وقد أولت باكو، في علاقاتها مع الدول الصديقة، أهمية دائمة للحفاظ على الجسور البناءة، وتعزيز الثقة المتبادلة، ومنع التوترات غير الضرورية في المنطقة. ولذلك، فإن القرار الحالي للحكومة الإسرائيلية يمثل خطوة إشكالية، ليس فقط بالنسبة للعلاقات التركية الإسرائيلية، بل أيضا للتوازنات الحساسة في المنطقة.

وتعد إسرائيل دولة صديقة بالنسبة لأذربيجان. كما أن الروابط التاريخية بين أذربيجان والشعب اليهودي، وعيش الجالية اليهودية في بلادنا في أجواء من الأمن والاحترام والتسامح، وتطور العلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية في مختلف المجالات، كلها تمثل قيما رفيعة. كما أن الموقف الودي الذي أبدته إسرائيل تجاه أذربيجان خلال حرب الوطن التي استمرت 44 يوما، يشكل جزءا مهما من هذه الذاكرة. ولهذا السبب تحديدا، يثير القرار الحالي حالة خاصة من الدهشة والانزعاج في باكو.

إن دولة إسرائيل، التي ترتبط ذاكرتها التاريخية ارتباطا لا ينفصم بمأساة الهولوكوست، ينبغي أن تكون أكثر من غيرها إدراكا للمخاطر التي يترتب عليها تحويل القضايا التاريخية إلى أدوات سياسية. فالهولوكوست جريمة ارتكبت بحق الإنسانية، وثبتت بالأدلة والوثائق، ولا تقبل الجدل. وإن وضع هذه الذاكرة التاريخية في المستوى نفسه مع الحسابات السياسية الآنية، والمعايير المزدوجة، وحسابات جماعات الضغط، يعد أمرا بالغ الخطورة. فالذاكرة ينبغي أن تكون أساسا للعدالة، لا وسيلة للضغط السياسي.

لقد عاش الشعب اليهودي على مدى قرون في الجغرافيات التي سادت فيها تقاليد الدولة التركية، القائمة على حماية الطوائف، وإيلاء أهمية لحرية المعتقد، ودعم ثقافة التعايش، وحافظ هناك على هويته وازدهر. ولا يمكن محو هذه الروابط التاريخية بين الشعب اليهودي والعالم التركي بحسابات سياسية مؤقتة. كما أن تحويل ما يسمى بـ"القضية الأرمنية" إلى وسيلة للضغط السياسي على تركيا، يتعارض مع الذاكرة التاريخية، والحكمة السياسية، والمسؤولية الأخلاقية.

ومن اللافت أن التصريح الأخير لرئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يكشف بوضوح مدى خطورة هذا النهج. فعندما أجاب عن سؤال للصحفيين بشأن اعتراف الحكومة الإسرائيلية بما يسمى بـ"الإبادة الجماعية للأرمن"، أكد أن أرمينيا لا ترى ضرورة للرد على هذا القرار، موضحا أن الانخراط في عملية تحويل قضية "الإبادة الجماعية للأرمن" إلى سلاح لا يخدم مصالح أرمينيا. ويعد هذا التصريح مؤشرا سياسيا بالغ الأهمية، لأن رئيس الوزراء الأرميني نفسه يعترف بأن تحويل قضية عام 1915 من قبل أطراف ثالثة إلى أداة للضغط الجيوسياسي والحسابات السياسية، لن يعود بأي فائدة على أرمينيا.

وفي هذه الحالة، فإن القرار المذكور للحكومة الإسرائيلية ينطوي على خطر إحياء أجندة خطيرة، تحاول حتى الإدارة الأرمينية نفسها النأي بنفسها عنها. ويظهر تصريح باشينيان بوضوح أن هذه القضية لم تعد اليوم بندا يسهم في أجندة أرمينيا الحقيقية المتعلقة بالتنمية، والسلام، وفتح الحدود، والاندماج الإقليمي، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي تستخدمها قوى مختلفة ضد تركيا. وإن إشراك دولة مثل إسرائيل، التي يفترض أن تبدي حساسية خاصة تجاه الذاكرة التاريخية، ومسؤولية الدولة، والتوازنات الإقليمية، في هذه اللعبة، يمثل خطوة تفتقر إلى البصيرة سياسيا، وتلحق ضررا استراتيجيا.

إن الاعتراف السياسي اليوم بما يسمى بـ"الإبادة الجماعية للأرمن" لا يخدم الحقيقة التاريخية بقدر ما يفتح المجال أمام مصالح اللوبي الأرمني، والأوساط الساعية إلى الانتقام التي لا ترغب في قبول الواقع الجديد في جنوب القوقاز. وتهدف هذه الأوساط إلى تخريب عملية السلام، وتعقيد مسار التطبيع بين تركيا وأرمينيا، ومنع فتح خطوط النقل الإقليمية، وإعادة جنوب القوقاز إلى ساحة للتنافس الخارجي.

إن الرسالة الأساسية في بيان وزارة الخارجية الأذربيجانية واضحة: فمثل هذه الخطوات لا تسهم في السلام ولا في تعزيز التفاهم المتبادل، بل تعمق أوجه التناقض القائمة. وإن أبرز ما تحتاج إليه المنطقة اليوم هو نظام سلام جديد، يقوم على السيادة، ووحدة الأراضي، واحترام القانون الدولي، والاحترام المتبادل، بدلا من تحويل الماضي إلى سلاح سياسي.

وينبغي للحكومة الإسرائيلية أن تعيد النظر في هذا القرار، وألا تسمح بأن تقع سياسة الدولة تحت تأثير اللوبي الأرمني، والأوساط الساعية إلى الانتقام، والقوى التي ترغب في خلق موجة جديدة من التوتر في المنطقة. فهذا القرار لن يحقق لإسرائيل مكاسب استراتيجية، بل سيلحق الضرر بعلاقاتها مع الشعوب الصديقة، ومكانتها الإقليمية، وسمعتها الأخلاقية.

لقد وقفت أذربيجان وتركيا دائما إلى جانب العدالة والسلام والتعاون الإقليمي. ولا يمكن بناء مستقبل جنوب القوقاز عبر تحويل الأساطير التاريخية إلى أدوات للصراع السياسي. فهذا المستقبل سيتشكل على أساس الاعتراف بالحقائق، وفتح خطوط النقل، والتعاون الاقتصادي، وإعادة بناء الثقة، واحترام سيادة الدول.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!