تورغاي يرلي قايا - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

"في ذلك الصباح كان الجو في مقر الناتو كئيبا لكنه هادئا. كان كل شيء يبدو ساكنا، ولم تكن هناك أي علامات توتر أو فوضى، وكان الجميع يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله. لكننا جميعا كنا قد أدركنا أننا، من الآن فصاعدا، سنعيش في أوروبا أكثر خطورة. كان هناك عالم قبل 24 فبراير/شباط 2022، ثم بدأ عالم آخر بعد ذلك".

تمثل هذه الملاحظات التي أدلى بها ينس ستولتنبرغ بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، والتي كانت إحدى أكثر القضايا حساسية خلال فترة توليه منصب الأمين العام، لحظة حاسمة بالنسبة لمستقبل الحلف اليوم. فالوضع الجديد الذي تشكل انطلاقا من هذه اللحظة، والتي تحولت في أوقات مختلفة إلى أزمة على ضفتي الأطلسي، يدفع الحلف نحو مسار جديد. والحرب الروسية الأوكرانية، التي تعد القوة الدافعة لعملية التحول هذه، والتي يطلق عليها اسم "الناتو 3.0"، تمضي قدما وهي تفتح الباب أمام تحديات جديدة لكل من أوروبا والحلف.

إن عودة شبح روسيا إلى الظهور في سماء أوروبا، بعد فترة طويلة، نتيجة ضم شبه جزيرة القرم، كانت تعني أن أجراس الإنذار قد دقت بالنسبة لأوروبا. وفي الواقع، فإن إصرار كل من السويد وفنلندا على الانضمام السريع إلى الناتو كان خطوة دراماتيكية أظهرت مدى سخونة التهديد الروسي بالنسبة لأوروبا. وفي قلب هذه الجبهة، كانت التحديات التي واجهتها أوكرانيا، المدعومة إلى حد كبير من قبل كل من جو بايدن وأوروبا، في مواجهة روسيا، ذات أهمية بالغة بالنسبة للناتو وأوروبا. وبالنسبة لأوكرانيا، التي تعد جزءا من الغرب لكنها ليست عضوا في الناتو، لم يكن هناك الكثير من الخيارات سوى الدعم المالي والمساعدات العسكرية. إذ إن لا الناتو ولا أوروبا كانا يرغبان في الانخراط في حرب ضد روسيا، كما أن دعوات فولوديمير زيلينسكي للتدخل ضد روسيا لم تجد استجابة. وقد عبر ستولتنبرغ عن هذه الحقيقة المؤلمة بقوله: "كنا سنقف إلى جانب الأوكرانيين، لكننا لم نكن مستعدين للموت من أجلهم". وبذلك تُركت أوكرانيا إلى حد كبير في مواجهة روسيا.

لقد أوجدت الحرب الروسية الأوكرانية، التي فتحت المجال لإعادة تشكيل الناتو، مساحة واسعة من الشرعية لتحركات ومطالب دونالد ترامب في ولايته الثانية. ففي ولايته الأولى، كان رفع الدول الأعضاء ميزانيات الدفاع إلى ما يعادل 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي قد أثار حماس ترامب، كما أتاح له وضع أهداف جديدة لولايته الثانية. وبعد انتخابات عام 2024، التي خرج منها برئاسة أكثر قوة، أصبح هدف ترامب الجديد رفع هذه النسبة إلى نحو 5 بالمئة. وإن تحقق هذه المطالب، التي تستجيب لحاجة عملية واضحة، رغم الأصوات الخافتة داخل الحلفاء، يعزز الهيمنة الأمريكية داخل الحلف، وفي الوقت نفسه يخفف الأعباء عن القوة المهيمنة. وفي هذا السياق، فإن المفهوم الجديد للناتو، الذي يسميه ترامب وفريقه "الناتو 3.0"، يعبر عن رؤية تقلل أعباء الولايات المتحدة إلى الحد الأدنى، وتوزع التكلفة على الحلفاء.

التحالف الأطلسي!

في البداية، كان الحديث عن المقاومة الأوروبية للولايات المتحدة، الذي برز على لسان أنغيلا ميركل وإيمانويل ماكرون، وعن الاستقلالية الاستراتيجية لأوروبا، يحظى بزخم، إلا أن تأثيره تراجع مع مرور الوقت، وسارت العملية في الاتجاه الذي كانت الولايات المتحدة تريده. فقد سعت الولايات المتحدة، من خلال الناتو، إلى ترسيخ هيمنتها على شريكها الحضاري الأوروبي في الضفة الأخرى من الأطلسي، ليس فقط عبر مظلة الأمن، بل أيضا عبر السياسة، وعملت على إضعاف المقاومة القائمة ضدها من خلال دعم الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة في أنحاء القارة. فهل تحولت حالة انعدام الثقة العميقة بين الولايات المتحدة وجزء من أوروبا، بفعل الحرب الروسية الأوكرانية، إلى علاقة قائمة على الضرورة؟ وهل يمكن للوضع الراهن أن يكون مستداما بالنسبة للولايات المتحدة؟ وماذا سيعني ذلك بالنسبة للناتو إذا استعادت أوروبا قوتها؟

إن الوضع الجديد الذي يشار إليه بـ"الناتو 3.0" يعبر، من جهة، عن تكيف الناتو مع الظروف المتغيرة، وتحديثه لإدراكه للتهديدات. لكن، هل لا يزال هناك اليوم تصور مشترك للتهديد، كالذي مثله الاتحاد السوفيتي، والذي كان الدافع الرئيسي لتأسيس الناتو؟ من الواضح أن تصورات الدول الأعضاء للتهديد تختلف فيما بينها. فعلى سبيل المثال، ورغم النهج الأمريكي العدائي تجاه الصين، فإن نمط العلاقات الذي طورته الدول الأوروبية مع الصين في الآونة الأخيرة يدل على أن المصالح المشتركة وتصورات التهديد داخل الحلف يمكن أن تتغير.

ويعد هذا الوضع مؤشرا مهما أيضا على تحرك أوروبا وفقا لمصالحها الخاصة وعلى استقلاليتها الاستراتيجية. فعلى سبيل المثال، إذا شنت روسيا هجوما داخل أوروبا، كما فعلت في أوكرانيا، فكيف سيكون رد الولايات المتحدة؟ وهل ستهاجم روسيا مباشرة استنادا إلى المادة الخامسة، وتتقاسم المخاطر؟ لقد كان شارل ديغول يشعر بهذا الإحساس العميق بانعدام الثقة منذ البداية، ولذلك جعل فرنسا في عهده قوة مستقلة ذات قدرة ردع نووية. واليوم يحاول ماكرون القيام بشيء مشابه، لكن بصوت وردود فعل أضعف.

ورغم أن ترامب نجح إلى حد كبير في خطته لإعادة تنظيم الناتو من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي، فإن كيفية استمرار حلف تختلف فيه تصورات التهديد والأولويات المشتركة تظل موضوعا مهما للنقاش. ولا شك أن المشهد الذي أفرزته الحرب الروسية الأوكرانية سيكون أيضا ساحة للصراع بين الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية وبين سعي الولايات المتحدة إلى ترسيخ هيمنتها. أما دور تركيا، التي تستضيف قمة هذا العام، داخل هذا الحلف، فهو موضوع آخر للنقاش. وهذا النقاش، الذي سيكون محور المقال القادم، سيسلط الضوء على ماضي الحلف وحاضره، كما سيركز على الكيفية التي بنت بها تركيا استقلاليتها الاستراتيجية، وإلى أي مدى، رغم جميع المشكلات البنيوية والقيود القائمة. كما أن الاختلافات التي برزت منذ المرحلة التي يطلق عليها "الناتو 2.0"، وخاصة فيما يتعلق بالتدخلات التي جرى تبريرها بدوافع إنسانية، وبقضية الإرهاب، ستسهم أيضا في فهم الواقع الراهن.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!