يوسف قابلان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

إن انعقاد قمة للناتو في تركيا يُعد، من أي زاوية نظرنا إليه، حدثا مهما.

وبعد تسجيل هذه الملاحظة، أود أن أقول عن الناتو كلاما قد لا يعجبنا كثيرا، وقد يهز راحتنا الذهنية ويزعزعها...

وسأقول، مع الاعتذار، إن تصوراتنا بشأن سبب تأسيس الناتو، وطبيعة وظيفته أو هدفه، تشبه إلى حد كبير مكبّا للنفايات.

الناتو: الدرع الحامي للنظام العالمي الصهيوني

الناتو هو المنظمة العسكرية والاستراتيجية للنظام العالمي الذي أنشأه المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية. وهو الدرع الحامي لذلك النظام العالمي.

وكان النظام العالمي، حتى الحرب العالمية الثانية، خاضعا في الأساس لسيطرة البريطانيين طوال قرن من الزمن.

أما النظام العالمي الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية، فيقف وراءه اليهود والنخب والمنظمات الصهيونية البارونية والماسونية "المستتبعة" التي تعمل، على حد تعبيره، في خدمتهم.

ولرؤية مدى البؤس الذي تبدو عليه هذه النخب التابعة، يكفي النظر جيدا إلى تركيبة الإدارة الأمريكية. فالغالبية الساحقة من أعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس الأمريكيين لا تزال تُموَّل من قبل اليهود حتى اليوم. وأبرز دليل مخيف على ذلك، هو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يصفه بأنه "مرتكب إبادة جماعية" قتل نحو 90 ألف طفل وامرأة ومدني فلسطيني بريء في غزة، حظي بـ67 تصفيقا وقوفا داخل الكونغرس الأمريكي خلال خطاب استمر 70 دقيقة.

تخيلوا لو أن أدولف هتلر، مرتكب الإبادة الجماعية، حضر إلى الكونغرس الأمريكي وألقى خطابا، ثم صفق له الحضور واقفين 67 مرة! أليست هذه فكرة شديدة العبث؟

لكن الكونغرس فعل ذلك مع نتنياهو. ويرى أن هذا يعد دليلا وإعلانا على أن الولايات المتحدة ليست مستقلة، وإنما أصبحت، على حد تعبيره، تابعة لليهود.

وأود أن أقول لمن يعتقد أنني أبالغ في تصوير قوة اليهود: إن ما أقوله ينقصه الكثير، لكنه لا يتضمن أي مبالغة. وكل من يعرف الولايات المتحدة جيدا سيوافقني، بلا شك.

اليهود، منذ عام 1897، عندما فرض روكفلر هيمنته على الاقتصاد الأمريكي والجهاز الإداري، وبدأ يحمل على عاتقه مهمة تحويل ما سماه "الإمبراطورية الأمريكية" إلى قوة مهيمنة على المستوى العالمي، تمكنوا من السيطرة على جميع المؤسسات الاستراتيجية والحيوية في الولايات المتحدة.

ومع الحرب العالمية الثانية، استحوذ اليهود على جميع المؤسسات المفصلية في الولايات المتحدة. وبعد الحرب، أخضعوا ألمانيا في المقام الأول، ثم أوروبا بأسرها واليابان، وجعلوها، على حد تعبيره، تابعة لهم. أما الحديث عن الشرق الأوسط، فلا حاجة إليه، لأن كل شيء يجري أمام أعيننا.

وخلاصة القول، إن الناتو، هو المنظمة التي تكفل لليهود إقامة هيمنة عالمية في جميع المجالات، وتتحمل مسؤولية حماية هذه الهيمنة. ويرى أن الموقف البارد الذي يبديه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الناتو، وتصريحاته التي قد تعني إنهاء الحلف، رغم كل ما يبدو على السطح، قد تفسَّر بأنها تستهدف توجيه ضربة للهيمنة اليهودية على النظام العالمي.

لماذا أصبحت تركيا عضوا في الناتو؟

والآن، لننتقل إلى الحديث عنا...

أحدهم جنرال.

والآخر أستاذ جامعي!

وهما يبالغان في الإشادة بالناتو في أحد البرامج الحوارية التلفزيونية!

فمن جهة، يقولان: "الناتو هو الجهة التي تقف وراء الانقلابات في تركيا". ومن جهة أخرى، يصرحان علانية: "لولا الناتو لما كانت هناك تركيا، ولما كان هناك جيش تركي"!

لعل هذا هو معنى الوقوع في حب الجلاد!

كنت سأفهم لو قالوا ما يلي: لقد أعلنت تركيا، مع قيام الجمهورية، أنها لم تعد تتبنى مشروعها الحضاري، بل إنها تخلت عنه، وأبلغت العالم بأنها لن تكون عقبة أمام النظام العالمي الذي انتقلت قيادته بعد الحرب العالمية الثانية من البريطانيين إلى الولايات المتحدة (اقرؤوا ذلك على أنه إلى اليهود). ولذلك، مُنحت تركيا استقلالا إقليميا قائما على الأرض.

وخاصة من خلال معاهدة لوزان، ثم لاحقا عبر انضمامها إلى الناتو.

فقد أنقذت تركيا، أولا بمعاهدة لوزان، ثم بعضويتها في الناتو (رغم تعرضها المتكرر لـ"الضرب" والانقلابات)، جسدها من الزوال، لكنها فقدت روحها.

وفي النهاية، حُصرنا داخل شبه جزيرة الأناضول، لكنهم قالوا لنا: "إذا تخليتم تماما عن مشاريعكم الحضارية، فلن نمسكم."

وقد قالوا ذلك، لكنهم، كلما بدأت تركيا تستعيد وعيها، وتقف على قدميها، وتكتشف عمقها التاريخي والثقافي، وتفعله في الواقع، وتتحدث ولو قليلا عن مشروعها الحضاري، نفذوا انقلابا بعد آخر، بما في ذلك محاولة الانقلاب والاحتلال في 15 يوليو/تموز.

جميع الانقلابات العسكرية هي من صنع الناتو. وإذا تجاهلنا هذه الحقيقة، فلن نستطيع أن نفهم ماذا يعني الناتو بالنسبة إلينا، وهل هو عدو أم صديق أم عدو يتظاهر بأنه صديق.

أما نحن، فقد انضممنا إلى التحالف الغربي عموما، وإلى الناتو خصوصا، لأننا سلمنا أيدينا وأذرعنا، بل وحتى أرواحنا، للغرب، ولأننا كنا نسعى إلى ألا نفنى بالكامل، وإلى كسب الوقت.

وبذلك، جعلتنا عضويتنا في الناتو بلدا مكبل اليدين إلى الحد الذي لا يشكل فيه تهديدا للغرب.

لكننا، من جهة أخرى، منعنا الغرب والناتو من مهاجمة تركيا واحتلالها بصورة مباشرة، وإن كان ذلك بصورة مؤقتة.

الناتو 3.0: وهم أننا سنعيد تشكيل الناتو

إن تركيا لم تحقق استقلالها الكامل بعد.

فهي ما تزال، على سبيل المثال، تعتمد على الناتو.

ويجري، مع مفهوم "الناتو 3.0"، السعي إلى تكوين انطباع مفاده أننا سنكون نحن من سيعيد تشكيل الناتو.

هذه مجرد حكاية خيالية.

وإغراء كبير ووهم كبير.

صحيح أن مكانة تركيا وقوتها داخل الناتو تتعززان. لكن ما يريده الآخرون هو الآتي: كلما ازدادت قوة تركيا، لا يريدون لها أن تشكل مستقبل المنطقة، ولا أن تعود بوصفها دولة محورية إلى موقع القوة الإمبراطورية. ولذلك، فإنهم يقدمون لتركيا داخل الناتو "تفاحة حلوى" لإغرائها، بهدف منعها من تبني مشروعها الحضاري، ومن قيادة مسيرة حضارية جديدة راسخة وعميقة.

ولهذا السبب، يحاولون احتواء تركيا وإيقافها عبر تعزيز موقعها داخل الناتو بصورة نسبية، ومن خلال إغرائها.

ولنعلم جيدا أن الأسباب التي أوقفت الدولة العثمانية بالأمس هي نفسها التي يُراد اليوم من خلالها تطويق تركيا وإيقافها.

لكنهم لن ينجحوا في ذلك.

فتركيا، عاجلا أم آجلا، ستبني محورها الحضاري الخاص.

غير أن لدينا مشكلة واحدة: لقد أصبحنا أقوياء جدا على الجبهة الخارجية، لكن الجبهة الداخلية تنهار.

وإذا لم نتمكن من ترتيب أوضاع الجبهة الداخلية، فلن نستطيع أن نفعل شيئا على الجبهة الخارجية.

والله المستعان.

عن الكاتب

يوسف قابلان

كاتب تركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس