
د. زاكر أفشار - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
ستستضيف تركيا، عقب قمة الناتو مباشرة، اجتماعًا مهمًا آخر... مؤتمر الأطراف الـ31 لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (كوب 31)...
فليست هناك تركيا وسلطة سياسية عاجزة ومنعزلة عن العالم كما يتمنى البعض، وينتظر، ويشتكي في كل أنحاء العالم. بل هناك دولة تحظى بالاحترام والقوة والمكانة داخل النظام العالمي، يقودها رجب طيب أردوغان...
يتشكل النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين بفعل أزمات متعددة المستويات تتجاوز البنية التقليدية للأمن. فأمن إمدادات الطاقة، وضغوط المياه، والهشاشة في سلاسل الغذاء، وحركات الهجرة الناجمة عن المناخ، والآثار الاقتصادية الكلية للظواهر الجوية المتطرفة، جميعها تنتج نتائج ذات طابع منهجي لا يمكن تصنيفها على أنها مجرد قضايا بيئية.
وفي هذا السياق، لم يعد تغير المناخ مجرد عنوان فرعي بيئي في السياسة العالمية، بل أصبح أحد المعايير المؤسسة للنظام الدولي.
وباتت القدرة التنافسية للدول، وثقلها الدبلوماسي، وقدرتها على الصمود اقتصاديًا، تُقيَّم من خلال مدى قدرتها على التكيف مع التحول المناخي.
وقد غيّر هذا التحول أيضًا طبيعة آليات الحوكمة العالمية. فقد أدركت الدول قصور أدوات السياسات الأحادية في إدارة المخاطر العابرة للحدود، ونتيجة لذلك اضطلعت منصات التفاوض متعددة الأطراف بدور أكثر أهمية.
وتُعد آلية COP، أي مؤتمر الأطراف (Conference of the Parties)، واحدة من أهم هذه المنصات. ويمكن تعريف مؤتمر الأطراف بأنه الإطار المؤسسي لاتخاذ القرارات، حيث تجتمع الدول الأطراف في الاتفاقيات الدولية بصورة دورية لإنتاج القواعد، وتقاسم الأعباء، وتصميم آليات التمويل، والإشراف على التنفيذ.
ولم يكن حصول تركيا على استضافة COP31 أمرًا سهلًا. فقد كان هناك العديد من الدول الراغبة في الاستضافة، وكانت أستراليا من أكثرها إصرارًا. وبفضل الدبلوماسية التركية المتفوقة، أصبحت تركيا الدولة المضيفة. وأسهمت الجهود المكثفة والنوعية والحازمة التي بذلها رئيس جمهوريتنا رجب طيب أردوغان، ووزير البيئة والعمران وتغير المناخ مراد كوروم، وبالطبع السيدة أمينة أردوغان، التي أحدث مشروعها "صفر نفايات" تأثيرًا عالميًا، في جعل تركيا نجمة العالم أيضًا في مجال المناخ...
وفي الرأي العام، ارتبط مفهوم COP في الغالب بقمم المناخ المنعقدة في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. والسبب في ذلك واضح، إذ إن قمم المناخ هي المنصات التي تتشكل فيها القرارات ذات التأثير المباشر على الاقتصاد العالمي.
فهذه القمم تشهد التفاوض بشأن أسواق الكربون، والتزامات خفض الانبعاثات، والتمويل الأخضر، والتحول في قطاع الطاقة، وسياسات التكيف مع المناخ. ويُعد اتفاق باريس، الذي اعتُمد عام 2015، أحد أهم مخرجات هذه المفاوضات بالنسبة للنظام الدولي الحديث. وفي مرحلة ما بعد باريس، لم تعد القضية تتمثل في تحديد الأهداف، بل في بناء البنية التحتية المالية والتكنولوجية اللازمة لتحقيقها.
ولا يقتصر نظام COP على المناخ وحده. فهناك أيضًا اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفاقية التنوع البيولوجي، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، واتفاقية التجارة الدولية في أنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض، وهي جميعها تعمل من خلال آلية COP.
ويكشف ذلك بوضوح عن السمة الأساسية للحوكمة العالمية المعاصرة. فلم تعد الأزمات البيئية تقتصر على المشكلات الإيكولوجية، بل أصبحت متغيرات استراتيجية تؤثر في الاستقرار الاقتصادي، والأمن المجتمعي، وتوزيع القوة الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، ينبغي تقييم استضافة تركيا لـ COP31 باعتبارها أكثر من مجرد نجاح في تنظيم حدث دولي. فالمؤتمر يمثل بالنسبة لتركيا إحدى الفرص النادرة التي تتقاطع فيها دبلوماسية المناخ مع التموضع الجيوسياسي. ذلك أن قمم المناخ لم تعد منتديات لمناقشة السياسات البيئية، بل تحولت إلى مراكز قوة يعاد فيها توجيه تدفقات رؤوس الأموال، وتُبنى فيها الشراكات التكنولوجية، وتتبلور فيها التكتلات الاقتصادية الجديدة.
وسيمنح تنظيم COP31 في تركيا البلاد موقعًا مؤقتًا، لكنه بالغ الوضوح، في قلب الحوكمة العالمية للمناخ. وهذه المكانة لا تقتصر على الهيبة الرمزية، إذ إن الظهور في النظام الدولي غالبًا ما يصاحبه امتلاك القدرة على صياغة الأجندة. والفاعلون القادرون على صياغة الأجندة يؤثرون في عملية تشكيل القواعد، أما الذين يؤثرون في القواعد فيحصلون على ميزة توجيه تدفقات رؤوس الأموال والتكنولوجيا والتجارة.
ولا تقتصر الميزة الاستراتيجية التي تتمتع بها تركيا هنا على موقعها الجغرافي، بل تمتد إلى طبيعتها الاقتصادية الهجينة. فمن جهة، تواجه تركيا، بوصفها اقتصادًا ناميًا، ضغوطًا مرتبطة بالنمو والتصنيع والطلب على الطاقة، ومن جهة أخرى، فإن اندماجها الصناعي في منظومات الإنتاج الأوروبية يجعلها تشعر مباشرة بضغوط التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون. وهذا الوضع المزدوج يضع تركيا في موقع وساطة فريد بين الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات الصاعدة.
وسيكون التحول في قطاع الطاقة أحد أهم ميادين المنافسة الجيو-اقتصادية خلال العقد المقبل. فالنموذج القائم على الوقود الأحفوري يصبح أكثر كلفة من الناحية الاقتصادية. كما أن تسعير الكربون، وآليات تعديل الكربون على الحدود، ومعايير التمويل المستدام، تُحدث تحولًا جذريًا في هيكل تكاليف الإنتاج الصناعي. وعلى وجه الخصوص، تشكل تنظيمات الكربون التي يطورها الاتحاد الأوروبي ضغطًا تنافسيًا مباشرًا على الدول التي تربطها تجارة كثيفة بأوروبا.
وبالنسبة لتركيا، لم تعد القضية مجرد سياسة بيئية، بل تحولت إلى سياسة صناعية. فدرجة كثافة الكربون في الصادرات ستكون خلال السنوات المقبلة أحد العوامل الأساسية التي تحدد إمكانية الوصول إلى الأسواق التجارية. ولذلك، فإن COP31 يمكن أن يؤدي بالنسبة لتركيا دور رافعة استراتيجية تسرع التحول الصناعي، وليس مجرد فعالية تمنحها مكانة مرموقة.
ويقع التمويل الأخضر في صميم هذا التحول. فقد بلغ حجم الاستثمارات العالمية في مجالات الطاقة النظيفة، وتقنيات التخزين، والهيدروجين، وأنظمة البطاريات، والشبكات الذكية، وتقنيات خفض الكربون، مستوى التريليونات من الدولارات. ولم يعد رأس المال العالمي يبحث عن الربحية فقط، بل أصبح يسعّر أيضًا المخاطر التنظيمية، والتزامات الكربون، ومؤشرات الاستدامة. وسيوفر COP31 منصة حاسمة تتيح لتركيا إقامة علاقات أقوى مع هذا رأس المال.
وتستحق قدرات تركيا في مجال الطاقة المتجددة اهتمامًا خاصًا في هذا السياق. فالبلاد تمتلك إمكانات كبيرة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما تحتل موقعًا قويًا على المستوى الإقليمي في مجال الطاقة الحرارية الجوفية. ومن شأن تحول مدعوم باستثمارات في تقنيات تخزين الطاقة، ومرونة الشبكات، والتحول إلى الكهرباء، أن يقلل من الاعتماد على واردات الطاقة، ويخفف من مواطن الهشاشة الاقتصادية الكلية. وهذا من شأنه أن يترك آثارًا اقتصادية واسعة، تمتد من ديناميكيات عجز الحساب الجاري إلى الضغوط التضخمية.
وإلى جانب ذلك، قد تظهر أهم نتائج COP31، رغم أنها الأقل نقاشًا، في اقتصاد المعرفة. فالتحول المناخي هو تغيير هيكلي يتطلب قدرات علمية. وسيكون إنتاج المعرفة في مجالات مثل نمذجة الغلاف الجوي، ومحاسبة الكربون، وكيمياء البطاريات، وعلوم المواد، وتحسين كفاءة الطاقة، وتصميم المدن القادرة على الصمود أمام تغير المناخ، هو العامل الذي سيحدد القوة الاقتصادية في المستقبل. ولذلك، فإن COP31 يوفر للجامعات التركية، ومراكز الأبحاث، والشركات التكنولوجية الناشئة، فرصة أقوى للاندماج في شبكات البحث والتطوير العالمية.
وسيكون أكبر مكسب تحققه تركيا من COP31 هو التحول في قدراتها المؤسسية. فسياسات المناخ تتطلب تنسيقًا بين الوزارات، وإنتاج البيانات، وتصميم التشريعات، والقدرة على التخطيط طويل الأمد. كما أن هذه العملية تخلق آلية تعلم تجعل قدرات الدولة أكثر تطورًا. ويمكن للخبرات التقنية التي ستتكون خلال الاستعدادات لـ COP31 أن ترتقي بجودة إنتاج السياسات في المؤسسات العامة.
وإذا جرى تأطير COP31 بما يتماشى مع رؤية تركيا التنموية القائمة على الصناعة الخضراء، والتكنولوجيا النظيفة، والاقتصاد القادر على الصمود، فإن نتائجه ستكون عميقة للغاية. ففي عصر المناخ، لن تُقاس القوة بالقدرة الصناعية التقليدية، بل ستكون معايير القوة الجديدة هي انخفاض كثافة الكربون، وقدرة إنتاج الطاقة النظيفة، وسرعة الابتكار التكنولوجي، وقدرة الأنظمة على الصمود.
ويمثل COP31 بالنسبة لتركيا أكثر بكثير من مجرد فعالية دبلوماسية. فالقمة ستوفر فرصة لتعزيز موقع تركيا الجيوسياسي عبر دبلوماسية المناخ، وتسريع تحولها الاقتصادي، والحصول على حصة أكبر من تدفقات رؤوس الأموال والتكنولوجيا العالمية.
وخلال المرحلة المقبلة، لن تكون القضية الأساسية هي استضافة COP31، بل تحويله إلى محفز للتحول الاستراتيجي طويل الأمد في تركيا. وإذا تحقق هذا النجاح، فسيُذكر COP31، عند النظر إليه في المستقبل، بوصفه عتبة مفصلية في تاريخ التحول الأخضر في تركيا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










