إحسان أقطاش - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

لو عُقدت قمة الناتو في أي عاصمة أوروبية، فمن المرجح أنها كانت ستُناقش لبضعة أيام فقط ثم تسقط من جدول الأعمال. وكانت الخلافات بين أوروبا وترامب ستتصدّر النقاشات أكثر من مستقبل الناتو نفسه.

لكن انعقاد القمة في تركيا نقلها إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد اجتماع أمني عادي. لأن تركيا لم تعد اليوم مجرد دولة تستضيف الاجتماعات؛ بل أصبحت مركز قوة يحدد الأجندات، وينتج ثقلاً دبلوماسياً، ويؤثر في التوازنات الدولية.

إن إحدى أهم السمات التي تبناها الرئيس رجب طيب أردوغان في إدارة الدولة هي تناول كل قضية من منظور استراتيجي. فمن مرحلة التحضير إلى إدارة البروتوكول، ومن دبلوماسية القادة إلى الصورة العالمية للقمة، أدى التخطيط الدقيق لكل تفصيل إلى توسيع التأثير الدولي لقمة الناتو.

1. دبلوماسية القادة

كان الجانب الأكثر لفتاً للانتباه في القمة هو دبلوماسية القادة التي قادها الرئيس أردوغان. فاللقاءات التي جرت مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب القادة الأوروبيين ورؤساء الدول الآخرين، أظهرت مرة أخرى قدرة تركيا على الوصول الدبلوماسي.

وقد طبع اليوم الأول من الصورة الدولية للقمة زعيمان هما: دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان. لكن الجانب الأكثر أهمية في القمة لم يكن مجرد الحوار بين هذين الزعيمين.

فاستقبال تركيا لجميع القادة بالقدر نفسه من الاحترام، وإظهارها العناية الدبلوماسية ذاتها تجاه كل دولة، أثبت أن أنقرة أصبحت مركزاً يمنح الثقة داخل النظام الدولي.

واليوم، فإن السياسات المتسقة التي ينتجها السيد أردوغان حول العدالة والإنصاف والمستقبل المشترك للبشرية قد حملت حضور تركيا إلى صدارة الأجندة العالمية بشكل واضح.

2. دولة مركزية جيواستراتيجية

أظهرت هذه القمة مجدداً أن تركيا ليست مجرد حليف قوي على الجناح الجنوبي للناتو. بل برزت كدولة مركزية قادرة على إنتاج التأثير في الوقت نفسه من البحر الأسود إلى شرق البحر المتوسط، ومن القوقاز إلى الشرق الأوسط، ومن أفريقيا إلى البلقان.

إن المبادرات الدبلوماسية في ليبيا وسوريا وقرة باغ والصومال والحرب الروسية الأوكرانية تظهر أن تركيا تبني نموذجاً دبلوماسياً جديداً يقوم على إدارة الأزمات وإنتاج الحلول لها.

وقد أدى اجتماع الإرث التاريخي مع القدرات الحالية للدولة إلى جعل أنقرة واحدة من الجهات الفاعلة التي لا غنى عنها في الدبلوماسية الدولية.

3. تركيا دولة صانعة للعبة

ومن أهم نتائج القمة أيضاً أن تركيا لم تعد مجرد الدولة التي تنظم الفعالية، بل برزت بوصفها فاعلاً يؤثر في قواعد اللعبة نفسها.

وهذه القوة لم تتشكل بالصدفة.

فمن النقل إلى الطاقة، ومن البنية التحتية الصحية إلى التحول الرقمي، ومن الصناعات الدفاعية إلى إدارة الكوارث، أسهم النظام البيئي القوي للدولة الذي بُني خلال العقدين الماضيين في توسيع مساحة الحركة التركية في السياسة الخارجية.

فالقدرة القوية للدولة تنتج دبلوماسية قوية.

وقد كانت قمة الناتو واحدة من أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك.

4. الصناعات الدفاعية عززت القوة الاستراتيجية لتركيا

إن الطفرة التي حققتها تركيا في الصناعات الدفاعية خلال السنوات العشر الأخيرة أصبحت اليوم أحد أهم عناصر دعم السياسة الخارجية.

وفي مرحلة يعود فيها العالم مجدداً إلى التركيز على الأمن وتزداد فيها مخاطر الحروب، فإن الصناعات الدفاعية الوطنية والمحلية لا تنتج قدرات عسكرية فحسب، بل توفر أيضاً قوة ردع دبلوماسية.

لقد أصبحت الصناعات الدفاعية اليوم عنصراً استراتيجياً يزيد من الثقل الجيوسياسي لتركيا.

5. الشرعية الدولية

تنتهج تركيا خلال السنوات الأخيرة سياسة خارجية متعددة الأبعاد وليست أحادية الاتجاه.

فالسياسة المتوازنة التي اتبعتها في مجالات مختلفة مثل الحرب الروسية الأوكرانية، والمأساة الإنسانية في غزة، والتوتر الإيراني الأمريكي، ودبلوماسية الخليج، والانفتاح على أفريقيا، قد عززت الشرعية الدولية لأنقرة.

إن هذا النهج الذي يضع القانون الدولي والعدالة والإنصاف في المقام الأول جعل تركيا تحظى بالقبول ليس فقط باعتبارها دولة تدافع عن مصالحها الخاصة، بل أيضاً باعتبارها دولة تتحمل المسؤولية من أجل الاستقرار العالمي.

6. أنقرة المركز الجديد للدبلوماسية العالمية

على مدى سنوات طويلة، كان اسم إسطنبول هو أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن القمم الدولية.

لكن قمة الناتو أظهرت أن أنقرة أصبحت أيضاً واحدة من المراكز القوية للدبلوماسية العالمية.

فالمجمع الرئاسي، والبنية التحتية الدبلوماسية الحديثة لوزارة الخارجية، والاستعدادات الإعلامية لرئاسة الاتصالات، والتنظيم المتقن للقمة، كلها أظهرت أن أنقرة ليست فقط عاصمة تركيا، بل أيضاً واحدة من المراكز المهمة لعمليات صنع القرار الدولية.

7. من قوة إقليمية إلى قوة تنتج تأثيراً عالمياً

لطالما استمرت النقاشات حول ما إذا كانت تركيا قوة إقليمية أم فاعلاً عالمياً.

وقد قدمت قمة الناتو قدراً كبيراً من الوضوح لهذا الجدل.

فتركيا هي مركز استراتيجي قادر على تحويل قوته الإقليمية إلى تأثير دبلوماسي عالمي.

أما أهم محركات هذا التحول فهو القدرة القيادية للرئيس أردوغان.

لقد كانت قمة الناتو بالنسبة لتركيا أكثر من مجرد تنظيم ناجح؛ بل شكلت عتبة تاريخية.

وأظهرت القمة أن تركيا في النظام الدولي ليست مجرد دولة تتابع الأحداث، بل هي من بين الدول التي تضع الأجندات، وتقيم التوازنات، وتوجه المسارات.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس