
إحسان أقطاش - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
«المدن التي تُقصف هي مدننا، والموارد التي تُدمَّر هي مواردنا، والذين يموتون هم أبناؤنا. وما الفرق إن كانت أسماؤهم علي أو عمر أو زينب أو حسن أو حسين؟»
عندما ننظر إلى الحروب القديمة التي شهدتها منطقتنا ونتائجها، نفهم بصورة أفضل جهود رئيسنا الموقر في إبقاء تركيا خارج الحرب، ومساعيه الرامية إلى عدم انخراط السعودية ودول الخليج في القتال.
بعد الحروب العربية الإسرائيلية، أدت عمليات حظر النفط التي فُرضت إلى ارتفاع أسعار النفط، وعلى الرغم من أن الملك فيصل دفع ثمن هذا الحظر بحياته، بدأت ثروات ضخمة تتراكم في دول مثل السعودية وإيران والعراق والكويت.
إيرادات النفط والقوة المالية المتراكمة خلال الفترة 1974-1980
السعودية: إيرادات بلغت نحو 250-300 مليار دولار. وُجّه جزء مهم منها إلى الاحتياطيات الخارجية وسندات الخزانة الأمريكية.
إيران: إيرادات نفطية بلغت نحو 120-150 مليار دولار. أُنفقت خلال عهد الشاه على استثمارات صناعية وعسكرية ضخمة. إلا أن مسار ثورة عام 1979 حدّ من تراكم الاحتياطيات.
العراق: إيرادات بلغت نحو 70-90 مليار دولار. نُفّذت استثمارات ضخمة في البنية التحتية والإنفاق العسكري، لكن مع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية عام 1980، استُهلك جزء كبير من هذه الموارد.
الكويت: إيرادات بلغت نحو 60-80 مليار دولار. وبسبب قلة عدد سكانها، استُثمر جزء كبير منها في صناديق الاستثمار الحكومية، ووُضعت أسس أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم.
وبلغ إجمالي إيرادات النفط التي حققتها هذه الدول الأربع وحدها خلال الفترة بين عامي 1974 و1980 نحو 500-600 مليار دولار. وعند احتساب القوة الشرائية لدولار سبعينيات القرن الماضي، فإن هذا الرقم يعادل حجمًا اقتصاديًا يتجاوز 2.5-3 تريليونات دولار بالقيم الحالية.
فماذا حدث لهذه الثروة؟ لنتتبع ذلك خطوة بخطوة:
اندلعت الثورة في إيران. وبينما كانت الاستثمارات الصناعية والإنفاق العسكري قائمين خلال عهد الشاه، بدأت بعد الثورة الحرب الإيرانية العراقية، واستمرت هذه الحرب عشر سنوات كاملة. وأنفقت إيران جميع مواردها المتاحة في هذه الحرب.
حوّلت العراق والسعودية والكويت ودول الخليج، خلال سنوات الحرب العشر، العراق إلى ما يشبه مستودعًا للأسلحة، من خلال الأسلحة التي جرى شراؤها من الغرب. وبمساهمة دول الخليج، استُهلكت موارد بلغت قيمتها نحو 600 مليار دولار.
استُنزفت موارد العراق الذاتية أيضًا. وهكذا، ذاب جزء كبير من رأس المال الذي تراكم خلال فترة حظر النفط.
ولم تنتهِ القصة عند هذا الحد. فقد تكوّن خلال سنوات الحرب العشر اعتقاد بأن الأسلحة التي كانت بحوزة العراق تشكل خطرًا على إسرائيل، لتبدأ القصة من جديد.
في حرب الخليج الأولى، غزا العراق الكويت. وكثر الحديث عن أن الإدارة الأمريكية شجعت صدام على تنفيذ هذا الغزو. ثم دخلت الولايات المتحدة العراق بجيش ضخم، وتحمّلت السعودية ودول الخليج مرة أخرى جزءًا مهمًا من تكلفة حرب الخليج الأولى. وهكذا خرج من المنطقة مورد جديد بقيمة تقارب 600 مليار دولار.
أما الغزو الثاني للخليج فكان كارثة على العراق. فقد احتُل البلد من أقصاه إلى أقصاه. وهجّر ملايين الأشخاص، وفقد عدد مماثل منهم حياتهم. وبدأ الاقتصاد في بلدين يمتلكان أغنى حقول النفط في العالم يخضع للسيطرة والاستغلال المباشرين من جانب الولايات المتحدة.
واليوم، لم يعد بإمكاننا الحديث عن ثراء الكويت أو رفاه العراق كما كنا في السابق.
كما أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لا تخدم هدفًا مختلفًا.
كنا قد أوردنا في بداية المقال تصريحات رئيسنا. وحتى اليوم، بدل النظر إلى القضية من هذا المنظور، تناولها الجميع من زاوية التنافس الإيراني العربي.
واليوم، تُعد إيران، المنخرطة في الحرب، الدولة الخاسرة اقتصاديًا بصورة مباشرة.
أما جارتها العراق، التي لم تتمكن من استعادة عافيتها منذ الغزو الأمريكي، فتجد نفسها في أجواء صراع مباشرة بسبب الحرب المستمرة إلى جانبها والقوات المسلحة المدعومة من إيران.
كانت السعودية قد وضعت «رؤية 2030» أمامها. لكنها أصبحت جزءًا مباشرًا من الحرب بسبب القواعد الأمريكية.
أما دول الخليج، التي كانت تُعد جنة لرأس المال والرفاه في العالم، فتواجه اليوم تهديدًا اقتصاديًا.
وفي الوقت الذي تتعامل فيه سوريا، التي استعادت حديثًا بنيتها كدولة موحدة، مع مشكلاتها الاقتصادية، فإنها تشعر بضغط حرب عالمية تدور على مقربة منها.
كما تتأثر تركيا اقتصاديًا، شاءت أم أبت، بهذه الحرب.
ينبغي النظر إلى الحرب من هذه الزاوية أيضًا: فكما حطمت الحرب الإيرانية العراقية، وحرب الخليج الأولى، وحرب الخليج الثانية، واحتلال العراق موارد المنطقة إربًا إربًا، فإن الحرب المستمرة اليوم تنطوي كذلك على خطر إغراق المنطقة بأكملها في انهيار اقتصادي.
وبالنظر إلى وجود التهديد الإسرائيلي، ما كان ينبغي إهدار هذه الموارد بهذه السهولة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس














