
محمد أكيف صويصال - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
منذ ستة أسابيع، أحاول أن آخذكم خارج المسار المعتاد للنقاشات الاقتصادية اليومية الرائجة. لأننا في تركيا نتحدث منذ سنوات عن العناوين ذاتها: أسعار الفائدة، وسعر الصرف، والتضخم... لكن هذه كلها نتائج. ونرى بوضوح أن القصة الحقيقية للتنمية تُكتب خارج هذه الكلمات الثلاث. ولهذا السبب، سافرنا معًا خلال الأسابيع الستة الماضية إلى كوريا الجنوبية، ودرسنا الولايات المتحدة، ودخلنا مصانع تويوتا. أما هذا الأسبوع، فسنتجه إلى اللحظة التي وُلد فيها أغنى وادٍ تكنولوجي في العالم.
عام 1957...
استقال ثمانية من ألمع مهندسي العالم في اليوم نفسه.
كان مديرهم غاضبًا.
وكانت الصحف أكثر قسوة.
أطلقت عليهم اسم "Traitorous Eight"، أي "الثمانية الخونة".
في ذلك اليوم، لم يكن أحد يتوقع أن هؤلاء الثمانية سيغيرون مجرى التاريخ.
لأن الشخص الذي تركوه لم يكن رجل أعمال عاديًا.
كان ويليام شوكلي أحد مخترعي الترانزستور، وحائزًا على جائزة نوبل. وكان العمل إلى جانب عالم بهذا الحجم يفوق أحلام أي مهندس شاب.
فلماذا غادروه؟
لأن كون المرء عالمًا كبيرًا لا يعني دائمًا أنه قائد عظيم.
كان شوكلي شديد التسلط. لم يكن يثق بموظفيه، وكان يريد اتخاذ جميع القرارات بمفرده، بل يُروى أنه أخضع بعض موظفيه لاختبارات جهاز كشف الكذب.
وفي النهاية، أغلق المهندسون الثمانية الباب خلفهم وغادروا.
وصفت الصحف ذلك بالخيانة.
أما التاريخ فأطلق عليه اسمًا آخر:
ولادة وادي السيليكون.
بعد فترة قصيرة، أسس المهندسون الثمانية شركة جديدة باسم Fairchild Semiconductor.
وهنا بدأت القصة الحقيقية.
فشركة Fairchild لم تكن تنتج أشباه الموصلات فحسب.
بل كانت تُخرّج مؤسسين.
غادر روبرت نويس وغوردون مور وأسسا شركة Intel.
وغادر جيري ساندرز وأسس شركة AMD.
وأسس آخرون شركة National Semiconductor.
ثم تبعت ذلك عشرات شركات التكنولوجيا الجديدة...
إلى درجة أن مفهومًا جديدًا وُلد في وادي السيليكون:
"Fairchildren"
أي "أبناء فيرتشايلد".
لم تعد الشركة تنتج منتجات فقط.
بل أصبحت تُنتج شركات جديدة.
وبالطبع، لم يحدث كل ذلك في المنطقة نفسها من قبيل المصادفة.
فجميع هذه الشركات تقريبًا وُلدت في محيط جامعة ستانفورد. ففي تلك السنوات، لم تكن ستانفورد تكتفي بتخريج المهندسين، بل كانت تربط البحث العلمي بالصناعة، وتشجع طلابها على تأسيس الشركات، وتسعى إلى استقطاب شركات التكنولوجيا المتقدمة إلى محيط حرمها الجامعي.
لم يكن وادي السيليكون مدينة.
بل كان منظومة متكاملة بُنيت خطوة بخطوة.
وسنتناول الأسبوع المقبل الدور الخفي الذي لعبته جامعة ستانفورد في هذه القصة.
في الأسبوع الماضي، تحدثنا عن الكيفية التي مهدت بها تويوتا الطريق لولادة شركات عالمية مثل Denso وAisin من خلال تطوير مورديها.
أما هذا الأسبوع، فنرى المقابل نفسه لهذا المبدأ في عالم التكنولوجيا.
إذن، فإن السمة المشتركة للاقتصادات القوية لا تتغير.
فالنجاح لا يتراكم داخل شركة واحدة.
بل ينتشر في كامل المنظومة.
لم يكن أعظم إنجاز لوادي السيليكون هو شركة Apple.
ولا شركة Intel.
وبالتأكيد لم تكن Google.
فكل هذه كانت نتائج.
أما النجاح الحقيقي، فكان في القدرة على إنشاء نظام تُنجب فيه الشركة شركات جديدة، وتُخرّج تلك الشركات رواد أعمال جددًا، لينتشر النجاح في كامل المنظومة.
في الأسبوع الماضي، تحدثنا عن أن تويوتا كانت تفعل أكثر بكثير من مجرد تصنيع السيارات، وكيف مهدت الطريق لولادة شركات جديدة مثل Denso وAisin.
أما هذا الأسبوع، فنرى المقابل نفسه لهذا المبدأ في عالم التكنولوجيا.
كانت تويوتا تُخرّج الموردين.
أما وادي السيليكون فكان يُخرّج رواد الأعمال.
لأن المنظومات القوية لا تنتج منتجات، بل تُنتج منتجين جددًا.
وهذه، باختصار، هي الفكرة التي يسعى إليها ما نطلق عليه MSEM (نموذج المنظومة الاستراتيجية الوطنية).
أي شركة في تركيا أنجبت عشر شركات أكبر منها؟
لعلنا، عند الحديث عن التنمية، ينبغي أن نبحث أولًا عن إجابة لهذا السؤال.
لأننا حتى اليوم، كنا في الغالب نلهث وراء مكاسب صغيرة.
تحدثنا عن الفائدة.
وتحدثنا عن سعر الصرف.
وتحدثنا عن التضخم.
لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا هذا السؤال؟
"كيف ينبغي أن تكون منظومة الإنتاج في تركيا بعد عشرين أو ثلاثين أو خمسين عامًا؟"
أم أننا كنا دائمًا نقول: "ليكن صغيرًا، لكنه لي"؟
وهل اكتفينا بأن نطالب الحكومات التي انتخبناها بإنقاذ الحاضر فقط؟
ألم يحن الوقت للحديث عن استراتيجيات سترسم ملامح القرن، بدلًا من الاكتفاء بتوقعات هدفها إنقاذ اليوم؟
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










