
ترك برس
تتجاوز اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان كونها ترتيبا أمنيا جديدا بين ثلاث دول، لتطرح، بحسب الكاتب والمحلل السعودي أحمد الجميعة، تصورا مختلفا لدور القوى الإقليمية في حماية أمنها ومصالحها، يقوم على الردع الجماعي والتكامل في القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.
وفي مقال نشرته صحيفة عكاظ السعودية، يرى الجميعة أن ردود الفعل الإقليمية والدولية على الاتفاق كانت متوقعة، إلا أن قراءة الاتفاق ينبغي أن تستند إلى طبيعة المفاوضات التي سبقته وإلى مسار التعاون بين الدول الثلاث، وليس فقط إلى التطورات والأحداث الجارية في الشرق الأوسط.
ويشير الكاتب إلى أن الاتفاق جاء تتويجا لمفاوضات استراتيجية امتدت لسنوات، واستمرارا لعلاقات تعاون عسكري قائمة بين السعودية وتركيا وباكستان منذ عقود، فضلا عن تطور العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية بينها.
اتفاق دفاعي لا يستهدف دولة بعينها
ويؤكد الجميعة أن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية وردعية، وليست موجهة ضد دولة محددة، بما في ذلك إيران، مشيرا إلى أن الدول الثلاث حرصت على تقديم الاتفاق باعتباره إطارا لتعزيز الأمن والاستقرار وليس تحالفا هجوميا.
كما يرى أن الاتفاق لا يقوم على أساس طائفي أو على تشكيل محور مغلق، بل يعتمد صيغة مفتوحة أمام الدول الشقيقة في المنطقة التي تتشارك أهداف تعزيز السلام والاستقرار.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في ظل المخاوف التي قد تثار بشأن تحول أي ترتيبات أمنية جديدة إلى محاور متنافسة في المنطقة، إذ يؤكد الكاتب أن اتفاقية مكة لا تستهدف إنشاء كتلة عسكرية مغلقة، وإنما بناء مظلة تعاون يمكن توسيعها مستقبلا.
لا يلغي الاتفاقيات القائمة
ومن الجوانب التي يلفت إليها الجميعة أن الاتفاقية لا تلغي أو تحل محل المعاهدات الثنائية أو متعددة الأطراف القائمة للدول الأعضاء مع أطراف أخرى.
وبحسب طرحه، فإن ذلك يعني أن السعودية وتركيا وباكستان لا تتخليان عن التزاماتهما وشراكاتهما الأمنية والدفاعية القائمة، وإنما تضيف الدول الثلاث إطارا جديدا للتعاون بينها.
كما يرى الكاتب أن الاتفاقية تنسجم مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تكفل حق الدول في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس، وهو ما يوفر، من وجهة نظره، أساسا قانونيا لمبدأ التعاون الدفاعي الذي تقوم عليه الاتفاقية.
آلية استجابة مشتركة للتهديدات
ولا تقتصر الاتفاقية، بحسب الجميعة، على إعلان مبدأ الردع الجماعي، وإنما تتضمن آليات لتنظيم التعامل مع أي تهديد محتمل.
فعند تعرض إحدى الدول الثلاث لتهديد، يمكنها طلب المساعدة، على أن يجري تقييم طبيعة التهديد بصورة مشتركة، وتحديد شكل الدعم المطلوب وفقا للظروف، سواء كان دعما عسكريا أو لوجستيا أو استخباراتيا.
ويشير الكاتب إلى أن هذا الجانب يمنح الاتفاقية طابعا مؤسسيا، ويجعل الاستجابة للتهديدات مرتبطة بآلية تشاور وتقييم مشترك، بدلا من اتخاذ قرارات منفردة أو تلقائية خارج إطار التنسيق بين الدول الثلاث.
لجنة وزارية وأمانة عامة في السعودية
ومن أجل تحويل الاتفاق إلى إطار مؤسسي مستدام، ينص الترتيب الجديد، بحسب المقال، على تأسيس لجنة وزارية مشتركة للتنسيق بين الدول الأعضاء، إلى جانب إنشاء أمانة عامة دائمة للاتفاقية يكون مقرها في السعودية.
ويعكس إنشاء هذه الهياكل، وفقا للجميعة، رغبة الدول الثلاث في الانتقال من التعاون السياسي والعسكري الظرفي إلى بناء منظومة أكثر انتظاما، لها آليات واضحة للتنسيق والمتابعة.
ومن شأن وجود أمانة عامة ولجنة مشتركة أن يتيح تطوير مجالات التعاون، ومراجعة التهديدات والتحديات الأمنية، والعمل على تنفيذ الأهداف التي قامت عليها الاتفاقية.
الردع الجماعي.. مبدأ معروف دوليا
ويشكل الردع الجماعي جوهر الاتفاقية، إذ ينص بندها الأساسي على أن أي هجوم مسلح خارجي على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا.
ويرى الجميعة أن هذا المبدأ ليس ابتكارا جديدا في العلاقات الدولية، بل هو نموذج معروف في عدد من التحالفات والاتفاقيات الدفاعية حول العالم.
ويستشهد في هذا السياق بحلف شمال الأطلسي "الناتو"، الذي يقوم أحد أهم مبادئه على اعتبار الهجوم المسلح على دولة عضو أو أكثر هجوما على الجميع، وفقا للمادة الخامسة من معاهدة الحلف.
ومن هذا المنظور، يرى الكاتب أن اتفاقية مكة تستند إلى مفهوم معروف في العلاقات الدولية، يتمثل في رفع تكلفة الاعتداء على أي دولة من خلال توسيع نطاق التداعيات المحتملة لتشمل مجموعة من الدول المتحالفة.
حماية الملاحة والطاقة
ولا يقتصر أثر الاتفاق، بحسب الجميعة، على حماية الدول الثلاث بصورة مباشرة، وإنما يمكن أن يمتد إلى قضايا ذات أهمية عالمية، وفي مقدمتها أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة.
فالسعودية تتمتع بموقع استراتيجي يربط بين مناطق حيوية من الخليج والبحر الأحمر، بينما تطل باكستان على بحر العرب، وتحتل تركيا موقعا محوريا بين آسيا وأوروبا وتتحكم في ممرات بحرية استراتيجية.
ومن ثم، فإن تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث يمكن أن ينعكس على أمن طرق التجارة والطاقة، خصوصا في ظل الأهمية المتزايدة للممرات البحرية التي تمر عبر المنطقة.
ويرى الكاتب أن بناء بيئة ردع متوازنة يمكن أن يسهم في تحقيق استقرار أطول أمدا، بما يدعم التنمية الاقتصادية ويحمي المصالح الحيوية للدول وشركائها.
نحو اعتماد أمني أكبر على الذات
ويضع الجميعة الاتفاقية في إطار أوسع يتمثل في تنامي قدرة القوى الإقليمية على بناء ترتيبات أمنية خاصة بها.
فالسعودية وتركيا وباكستان، وفقا لرؤيته، تقدم نموذجا على إمكانية أن تتولى القوى الكبرى في محيطها الإقليمي صياغة جزء من منظومتها الأمنية بنفسها، بدلا من الاعتماد الكامل على المظلات الأمنية التقليدية التي توفرها القوى الدولية.
ومن هنا، لا ينظر الكاتب إلى الاتفاق باعتباره موجها ضد تحالفات أو دول أخرى، وإنما باعتباره تعبيرا عن توجه نحو تعزيز الاعتماد الذاتي المشترك، وحماية السيادة والمصالح الحيوية للدول الثلاث.
تكامل بين المال والتكنولوجيا والقوة العسكرية
وتبرز قوة الاتفاق، بحسب الجميعة، في طبيعة التكامل بين القدرات التي تمتلكها الدول الثلاث.
فالسعودية تمثل ثقلا اقتصاديا وماليا كبيرا، إلى جانب مكانتها السياسية والدبلوماسية وعمقها الاستراتيجي والروحي في العالم الإسلامي.
أما تركيا، فتقدم قاعدة متقدمة للصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية، إلى جانب قدراتها العسكرية الكبيرة وخبرتها في تطوير أنظمة ومنصات دفاعية متنوعة.
في حين تضيف باكستان إلى الشراكة كتلة بشرية وعسكرية كبيرة، فضلا عن خبرة ميدانية تراكمت على مدى عقود، إلى جانب امتلاكها قدرات نووية.
ويرى الكاتب أن اجتماع هذه العناصر الثلاثة داخل إطار واحد يمنح الاتفاق مميزات لا تتوافر بسهولة في ترتيبات ثنائية، إذ يجمع بين القوة الاقتصادية والقدرات التكنولوجية والخبرة العسكرية والعمق الجغرافي.
اتفاقية مكة وإعادة تشكيل التوازنات
ويخلص الجميعة إلى أن اتفاقية مكة تمثل، في نظره، خطوة نحو إعادة صياغة التوازنات الأمنية في المنطقة، عبر بناء شراكة تجمع ثلاث دول ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي متفاوت لكنه متكامل.
ولا تقتصر أهمية الاتفاق على مضمون بنوده الدفاعية، وإنما تمتد إلى الرسالة التي يحملها بشأن قدرة دول المنطقة على تطوير ترتيبات أمنية تخدم مصالحها، وتجمع بين الردع والتعاون والتنمية والاستقرار.
وفي حال نجحت الدول الثلاث في تحويل الاتفاقية إلى آليات عملية للتعاون العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، ثم توسعت المشاركة لتشمل دولا أخرى، فقد تصبح "اتفاقية مكة" إحدى اللبنات الأساسية لمنظومة أمن إقليمي جديدة.
وبذلك، يطرح الاتفاق نموذجا يقوم على فكرة أن الاستقرار لا يتحقق فقط من خلال إدارة الأزمات، وإنما من خلال بناء قدرات ردع وتعاون تجعل تكلفة الصراع أعلى، وتمنح دول المنطقة مساحة أكبر لصياغة مستقبلها الأمني والاستراتيجي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!








