
ندرت إرسانيل - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
عندما علمنا مساء الخميس أن الرئيس أردوغان سيجري زيارة إلى المملكة العربية السعودية تستغرق يوماً واحداً، أدركنا أن تطوراً استثنائياً سيحدث. وبالفعل، وقعت تركيا والسعودية وباكستان يوم الجمعة اتفاقية استراتيجية من شأنها التأثير ليس في الديناميات الإقليمية فحسب، بل العالمية أيضاً...
وكان أبرز ما لفت الانتباه في الاتفاقية التي وضعت مثلث أنقرة وإسلام آباد والرياض تحت مظلة أمنية مشتركة هو الآتي: «تهدف الاتفاقية إلى تعزيز الردع الجماعي في مواجهة جميع أشكال العدوان، وتنص على أن أي هجوم مسلح يُنفذ ضد أي من الدول الثلاث سيُعتبر هجوماً ضد الدول الثلاث جميعاً»...
لقد كتبنا كثيراً وأعددنا برامج عديدة حول مساعي التحالف في المنطقة، لأن هناك وعداً قوياً بشأن دور أنقرة في جميع السيناريوهات المحتملة المتعلقة بالنظام الجديد للشرق الأوسط الذي جرى توسيع نطاقه إلى حد كبير. (وهذا أول مقال في هذا الموضوع وتاريخه: «دعوني أعرّفكم إلى الترويكا الجديدة: تركيا-باكستان-السعودية»، 4 أبريل/نيسان 2015، يني شفق.)
وكانت أول اتفاقية رسمية قد وُقعت بين السعودية وباكستان (2025)، وأتذكر أنه جرى آنذاك تداول أمنيات من قبيل «لتنضم تركيا أيضاً». لم تكن أنقرة معارضة أصلاً، بل كانت تريد، أو حتى تطمح إلى، اتفاق أكبر وأكثر شمولاً. والآن، لا بد أن إضفاء الطابع الرسمي على هذه الاتفاقية الثلاثية يحمل أيضاً رسائل بشأن «الشركاء» الآخرين المحتملين أو المرجحين...
الدول الثلاث تقدم إسقاطاً للقوة على غرب آسيا، وبحر قزوين/جنوب القوقاز، والبحر الأسود، وشبه الجزيرة العربية بأكملها، وشرق المتوسط، وقبرص، وشمال إفريقيا بأكمله. هذا اصطفاف. إحداها قوة نووية، والثانية قوة اقتصادية/طاقوية، والثالثة أكبر قوة تقليدية، فضلاً عن كونها الدولة التي تمسك بالمركز الجيوسياسي. ومجموعها لا يمكن حسابه على أساس «واحد زائد واحد زائد واحد»، فهي أصبحت أكبر بكثير من ثلاثة...
لكن حلقة القوة لا تكتمل هنا أيضاً...
فهناك دول لا تنضم رسمياً إلى هذا المثلث، لكنها، لنقل ضمناً، شريكة فيه أيضاً؛ فسوريا واحدة منها، وأذربيجان واحدة منها، والعراق، نعم، يسير في طريق أن يصبح واحدة منها، وقطر كذلك، ومصر أيضاً. وهناك دول أخرى، وتتمثل المسألة في نضوج ظروفها الخاصة، وحتى لو ظلت في صورتها الأولية، فإن «انسجامها» قائم...
هذه عملية ينبغي إدارتها برفق وسهولة، لأن طبيعة المنطقة تثير فوراً تساؤل «ضد من هذا؟». وهذه المخاوف طبيعية، لكن ما ينبغي تحديده أساساً بالنسبة إلى من يحولونها إلى مصدر للقلق هو أن المنطقة تتجه بصورة منهجية نحو ترتيب جديد وهيكلي.
إن عادتنا في التعامل مع كل تطور في منطقتنا بشكل مستقل غالباً ما تتسبب في إغفالنا المسار العام. فمثلاً، كنا قد نشرنا في 31/07: «وافقت 14 دولة، بينها السعودية وباكستان وتركيا ومصر والسودان، على الانضمام إلى تحالف دفاع بحري جديد في البحر الأحمر يهدف إلى حماية الملاحة وإمدادات الطاقة». وعند النظر إلى الأمر اليوم، ألم يكن ذلك يُعد دليلاً «ملموساً» على قدوم الاتفاقية الثلاثية الحالية؟
ولنتذكر أيضاً أن إحدى التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية السيد هاكان فيدان بشأن التحالفات في المنطقة كانت تتعلق بـ«إمكانية انضمام إيران، بل وإسرائيل أيضاً، إلى هذه التشكيلات». وبالطبع، مع اشتراط استيفاء شروط معينة. ويمكن للجميع تخمين ماهية هذه الشروط. أما الدول المذكورة، فهي تعرفها جيداً جداً...
سيكون هناك الكثير من الحجارة التي ستتحرك من مكانها بفعل الاتفاقية. فحتى قبل أن تُعرض التوقيعات بالحبر على العالم، قفزت الهند بالفعل؛ إذ طلبت من إسرائيل إبرام اتفاقية دفاعية معها رداً على الاتفاقية الثلاثية. وهذا أمر كبير إلى درجة أن نيودلهي، التي تهتز حكومتها بسبب «معارضة الصراصير»، قد تجلس إلى طاولة المفاوضات ليس فقط مع حليفتها إسرائيل، بل حتى مع الصين التي تخوض معها صراعاً مريراً...
وقد أفسدت أيضاً الخط الذي جرت مناقشته طويلاً، أي خط الهند-الخليج-حيفا-أوروبا، بما في ذلك قبرص، في مقابل خط تركيا-الخليج-العراق-أوروبا، بما في ذلك سوريا. وهذا أيضاً أحد نتائجه الثانوية.
قد تشعر إيران وإسرائيل بالانزعاج من هذه الاتفاقية بحكم رد الفعل الفوري. وهذا أمر طبيعي. لكن نصيحتنا إلى طهران وتل أبيب خصوصاً هي أن تجريا قراءات أكثر واقعية بشأن كون «هذه مجرد بداية الأمر»، وإلى أين يمكن أن يصل، وما هدفه النهائي، ومن هم «الداعمون» له. وعليهما أن تدركا أن الاتفاقية تأتي في الوقت الذي «تضعف» فيه الدولتان كلتاهما. الاتفاقية تتعلق بـ«النظام»، وليست موجهة ضد عدو!..
قبل فترة قصيرة، عُقدت قمة مهمة لحلف الناتو في أنقرة. ووصفها الخبراء بأنها «نقطة تحول». كيف ينظر الناتو إلى هذا التحالف في الشرق الأوسط؟ هل يدعمه أم يعرقله؟
يمكننا أن نتجاوز عبارة «الناتو يدعم هذا التشكيل»، ونكتب «يدعمه». الولايات المتحدة تدعمه أيضاً، وبريطانيا تدعمه كذلك...
وهذه هي جغرافيا التفاهم التي تحدث عنها علناً سفير الولايات المتحدة لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى العراق وسوريا توم باراك، إلى حد ما: «تركيا تزيد أهميتها في المنطقة يوماً بعد يوم. وباعتبارها دولة ذات غالبية مسلمة، فإن تركيا، وإسرائيل، ودول الخليج، وسوريا، ولبنان، والعراق، والأردن، وصولاً شمالاً إلى أذربيجان وأرمينيا... عندما تجمعون هذه الأطراف معاً، تظهر أقوى منطقة في العالم. لماذا لا؟»
النظام الجديد لا يجمع الدول فحسب؛ بل يجمع الطرق والممرات والطاقة والمال والجيوش. وبطبيعة الحال، فإن للاعبين الكبار حساباتهم الخاصة أيضاً. وليس معنى ذلك أن كل هذه الأمور ستصب في مصلحة تركيا، لكن لا يعني ذلك أيضاً أن أنقرة ستخضع لها...
وفي جوهر الأمر، عندما ننطلق من إقرار واضح بأن العالم الجديد يجلب فرصاً كبيرة ومخاطر كبيرة، وإذا كان الجميع متفقين على ذلك، فمن الضروري أن ندرك أن عملية الفصل بين هذه الفرص والمخاطر، واتخاذ الخيارات بحساسية، تجري بعد تدقيق شديد وتمحيص دقيق. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهذا يعني ببساطة أنكم لستم لاعباً كبيراً، وأنكم تتخذون خطواتكم وفقاً للتطورات الظرفية واليومية فحسب. لكن تركيا في الوقت الراهن «تجمع ما تحقق»...
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













