أوموت برهان شن - فوكوس بلاس - ترجمة وتحرير ترك برس

إذا وضعنا جانباً تلك القوالب المعروفة والمترهلة والموروثة من الحرب الباردة في الجيوبوليتيك العالمي، ونظرنا إلى المشهد من مسافة أقرب قليلاً، فسيمكننا أن نرى بوضوح أكبر المنطق الحقيقي الكامن وراء هذا الحراك على خط أنقرة وإسلام آباد والرياض. أما الخطاب المتحمس الذي تضخمه وسائل الإعلام حول «الناتو التركي» أو الحديث عن ميثاق عسكري جديد، فليس في حقيقة الأمر سوى خطأ قراءة علاقات القوة السائلة والديناميكية في القرن الحادي والعشرين بنظارات القرن العشرين الجامدة. مع كامل الاحترام، لا يمكن إجراء تحليل جيوسياسي من خلال مقاربات عاطفية أو عناوين متسرعة، بينما قواعد الواقعية الصارمة ماثلة على الطاولة.

ولفهم المسألة على نحو صحيح، علينا أن نبدأ بتقبل حقيقة بالغة الأهمية: التحالفات تتغذى من تماثل تصورات التهديد أكثر مما تتغذى من المشاعر المشتركة. فلنفتح أمامنا الآن خريطة الأمن لدى هذه الأطراف الثلاثة. أين تقف مواجهة تركيا للممر الإرهابي على محور سوريا والعراق، وصراع البقاء في شرق المتوسط وبحر إيجه، وأين تقف منظومة الدفاع الوجودي التي تركز عليها باكستان كل طاقتها العسكرية في مواجهة الهند وكشمير؟ أما السعودية، فإن أمن خطوط الطاقة في الخليج والتهديدات الصاروخية غير المتكافئة التي تمثلها العناصر الوكيلة لإيران يقعان في صميم تصورها للتهديد. وبالتالي، فإن تحويل تعهد من قبيل «الهجوم على أحدنا هو هجوم علينا جميعاً»، على غرار المادة الخامسة الشهيرة لحلف الناتو، إلى عقد مؤسسي بين هذه الجغرافيات الثلاث المختلفة، لا ينسجم في عالم اليوم مع أي منطق عسكري أو دبلوماسي. فضلاً عن ذلك، فإن الالتزامات القانونية القائمة على تركيا باعتبارها عضواً في حلف الناتو تشكل حتى الآن عائقاً بنيوياً واضحاً أمام إنشاء مثل هذا الميثاق البديل.

الاستراتيجية ما بعد الكبرى ونقل التكنولوجيا

وفي هذه النقطة تحديداً، ينبغي التنبيه إلى أحد أكبر الفخاخ التي يقع فيها التحليل الجيوسياسي بصورة متكررة: الخلط بين غياب هيكل مؤسسي وبين ضعف استراتيجي. فلم تعد منظومة الأمن في القرن الحادي والعشرين تقوم على أكتاف المعاهدات الملزمة، وبيروقراطيات المقرات التي تعمل ببطء، والهياكل المترهلة التي تفتقر إلى المرونة. بل على العكس تماماً، يعيش النظام الدولي المعاصر عصر «الاستراتيجية ما بعد الكبرى»، حيث تمارس القوى الإقليمية إسقاط القوة من خلال تعاونات آنية ومرنة وموضوعية. أي أن الأطراف تتعمق في المجالات المحددة التي تتقاطع فيها مصالحها، مع ترك مساحة للحركة لا تقيد بعضها بعضاً في الملفات المتعارضة أو غير المتوافقة. وعلينا أن نقرأ مثلث أنقرة والرياض وإسلام آباد من هذا المنظور تحديداً.

ولا شك أن الركيزة الأساسية التي تجسد هذا النهج تتمثل في التكامل العسكري-الصناعي. فقد دفعت أشكال الحظر الضمني أو الصريح التي تفرضها القوى الغربية العالمية، ولا سيما الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون، على نقل التقنيات الاستراتيجية ومبيعات الأسلحة، الأطراف الإقليمية الصاعدة إلى اتخاذ قرار جذري: تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلالية الاستراتيجية. وقد أصبحت تركيا، بفضل نسبة التوطين التي تجاوزت 80 بالمئة في صناعاتها الدفاعية خلال العقدين الماضيين، الرمز الأكثر وضوحاً على أرض الواقع لهذه الإرادة. وقد تابعنا جميعاً كيف غيّرت طائرات «بيرقدار TB2» و«أقنجي» المسيرة العقائد العسكرية العملياتية، من قره باغ إلى ليبيا، ومن أوكرانيا إلى شرق المتوسط. لكن المسألة لا تقتصر على المركبات غير المأهولة على المستوى التكتيكي. فقد أسهم التقدم المحرز في حرب الدفاع ضد الغواصات من خلال مشروع «ميلغم»، والخطوة التي اتُخذت نحو تكنولوجيا الطيران من الجيل الخامس عبر منصات مثل «هورجيت» و«TFX كآن»، إلى جانب جهود توطين تكنولوجيا الذخائر، في إخراج تركيا من موقع مشتري الأسلحة العادي ووضعها على محور «مزود التكنولوجيا».

تكنولوجيا تركيا، ورأس مال السعودية، والعمق العسكري لباكستان

وهنا تحديداً تكتسب مسألة ما الذي تجلبه الرياض وإسلام آباد إلى طاولة المفاوضات أهمية حيوية. فالسعودية التي تسعى إلى كسر اعتمادها العسكري المطلق على الغرب، وضعت في إطار أهداف «رؤية 2030» توطين ما لا يقل عن 50 بالمئة من إنفاقها العسكري هدفاً استراتيجياً رئيسياً. والعقل الاستراتيجي السعودي، الذي ضخ مئات المليارات من الدولارات على مدى سنوات في منظومات الأسلحة التقليدية الغربية، لكنه واجه قيوداً على استخدام هذه المنظومات خلال أزمات اليمن أو الخليج، يرى في نموذج نقل التكنولوجيا المستقل وغير المشروط الذي تقدمه أنقرة طوق نجاة استراتيجياً. وعندما يجتمع رأس المال المالي الهائل للسعودية وقدرتها على تمويل البحث والتطوير مع الخبرة العملياتية والتراكم الهندسي في تركيا، فإن أوجه التآزر التي ستنشأ لن تغير ملامح البلدين فحسب، بل قد تغير أيضاً شكل توازن القوى الإقليمي.

أما باكستان، المكوّن الثالث في المعادلة، فهي أكثر بكثير من مجرد شريك إقليمي؛ فهي طرف عسكري-نووي محوري يضيف عمقاً إلى هذا الائتلاف. وتجلس باكستان إلى الطاولة بما تمتلكه من موارد بشرية عسكرية مؤهلة، وخبرة في مجال الطيران طورتها على مدى عقود في الجغرافيا السياسية المعقدة لجنوب آسيا، وفي مقدمتها صفتها كالقوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، فضلاً عن مواجهتها قوة تقليدية ضخمة مثل الهند. وقد أثبتت خبرتها في الإنتاج المشترك مع الصين ضمن مشروع «JF-17 Thunder» قدرتها على التكيف الصناعي مع مشاريع الدفاع المعقدة. بل إن السعودية يمكنها توفير الدعم المالي على المستوى العالمي الذي تحتاجه تركيا في مشروع طائرة «كآن» المقاتلة من الجيل الخامس ذات الحجم الضخم، فيما تستطيع باكستان استكمال التكامل العسكري واسع النطاق المطلوب في مجالات مثل عمليات الإنتاج المتسلسل للطائرة، ومراحل الاختبار، وتدريب الطيارين. وبالطبع، فإن هذا يعني، بما يتجاوز الخطاب المجرد عن التحالف، نشوء منظومة هائلة للإنتاج والتسويق ذات مردود واقعي.

وعندما نقرأ الصورة برمتها من خلال موازين القوى القائمة في النظام العالمي، فليس من الصعب فهم سبب متابعة هذا الهيكل الثلاثي عن كثب في مراكز مثل واشنطن وبروكسل وبكين ونيودلهي. فنحن ندخل مرحلة يتراجع فيها النظام العالمي المتمحور حول الغرب تدريجياً، وتسود فيها التعددية القطبية وحالة عدم اليقين. وقد أدى سعي الولايات المتحدة إلى نقل محور تركيزها الاستراتيجي من الشرق الأوسط إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى خلق فراغ أمني هائل في المنطقة. وكان من المفترض أن يملأ هذا الفراغ إما قوى عالمية مراجِعة مثل الصين وروسيا، أو أن تضطر الأطراف الإقليمية إلى بناء منظوماتها الأمنية الخاصة. وقد وضعت أنقرة والرياض وإسلام آباد الخيار الثاني موضع التنفيذ تحديداً. وتمثل هذه الخطوة المثال الأكثر وضوحاً في النظرية الواقعية الجديدة على التخلي عن استراتيجية الاندماج في قوة عالمية، وتفعيل آليات التوازن الإقليمي.

لكن النظر إلى هذه الصورة من خلال نظارات وردية لا يتوافق أيضاً مع الجدية الجيوسياسية. فثمة عقبات بنيوية بالغة الصعوبة واضطرابات محتملة يتعين على هذا الائتلاف تجاوزها. وقبل كل شيء، فإن توجهات السياسة الخارجية وعلاقات التحالف التي تربط الأطراف بالنظام العالمي لا تتطابق تماماً. فبينما تواصل تركيا، باعتبارها عضواً في حلف الناتو، كونها جزءاً من المنظومة الأمنية الغربية، تحتل باكستان موقعاً محورياً في مبادرة «الحزام والطريق» الصينية من خلال شراكتها الاستراتيجية مع بكين. أما السعودية، فمن جهة تتفاوض مع واشنطن بشأن ضمانات أمنية، ومن جهة أخرى تواصل تعميق علاقاتها مع تجمعات عالمية مثل «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون.

كما لا يمكن تجاهل المنافسات الإقليمية. فالهند تنظر إلى هذا التقارب العسكري-التكنولوجي بين أنقرة وإسلام آباد باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وتطور تحركات مضادة من خلال تعميق علاقاتها مع اليونان وقبرص الجنوبية وإسرائيل في شرق المتوسط. ومن جانبها، قد ترى إيران أيضاً في هذا الهيكل الذي يتشكل على مقربة من حدودها، والذي يستمد قوته المالية من الرياض وقوته العسكرية من أنقرة وإسلام آباد، عنصراً يهدف إلى تطويقها. وبالتالي، يتعين على هذا الائتلاف الثلاثي، أثناء اتخاذ خطواته، أن يحسب بدقة شديدة توازنات القوى الإقليمية وردود الفعل غير المتكافئة التي قد يبديها المنافسون، وأن يضع العقل الاستراتيجي دائماً قبل إدارة الأزمات.

ليست المواثيق الموقعة على الورق، بل الشراكات الوظيفية على الأرض

فهل يعني عدم وجود ميثاق عسكري مؤسسي أن هذا التقارب لن يكون قادراً على إحداث تأثير يغير قواعد اللعبة في النظام العالمي؟ بالتأكيد لا. بل على العكس، ما نراه أمامنا ليس كتلة عسكرية مترهلة على طراز القرن العشرين، وإنما نموذج هائل لـ«شراكة استراتيجية غير متكافئة»، أكثر ملاءمة بكثير لعالم اليوم، ويتسم بالمرونة والهدف المحدد ويقوم على التكامل العسكري-الصناعي. والمحرك الرئيسي لهذا الأمر واضح تماماً: الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا. فالأنظمة غير المأهولة التركية التي أثبتت جدارتها في الميدان، ومشاريعها البحرية، وقدراتها في مجال الذخائر الذكية، تشكل العمود الفقري التكنولوجي لهذا الهيكل. ولهذا السبب تحديداً تمثل أنقرة بالنسبة إلى الرياض، التي تسعى إلى كسر اعتمادها المطلق على الغرب وتوطين إنفاقها العسكري، الميناء الأكثر موثوقية. وعندما نضيف إلى المعادلة خبرة باكستان في مجال الطيران ودرع الردع النووي الذي تمتلكه، فلن يكون من الصعب على الإطلاق رؤية كيف يمكن أن تتشكل رافعة مالية وإنتاجية هائلة خلف مشاريع المقاتلات من الجيل الخامس مثل «كآن».

وخلاصة القول؛ لا يوجد أمامنا حتى الآن «ناتو تركي» رسمي ومهيب موقّع على الورق. لكن هناك ائتلاف استراتيجي مراجِع وعملي قرر أن يقطع حبله السري بنفسه في مواجهة الوضع العالمي القائم، وأشكال الحظر غير المعلنة، والإملاءات الأمنية المتمحورة حول الغرب، ويسعى إلى امتلاك القدرة على التحرك بصورة مستقلة. فالعقل الاستراتيجي والتكنولوجي لأنقرة، والعمق العسكري-النووي والموارد البشرية لإسلام آباد، والقوة المالية الهائلة والنفوذ الجيو-اقتصادي للرياض، حتى وإن لم تجتمع تحت سقف مؤسسي واحد، ستكون كافية تماماً لإرباك خطط القوى العالمية وإعادة توزيع الأوراق في هذه الجغرافيا الشاسعة الممتدة من البحر المتوسط إلى المحيط الهندي، بقدر ما تتمكن هذه الأطراف من إظهار قدرتها على التحرك المشترك وتطوير المشاريع عند الحاجة. وقد أظهر لنا تاريخ السياسة مراراً أن التحالفات الصلبة والأيديولوجية تتصدع عند أول عاصفة كبيرة، في حين تصمد الشبكات الاستراتيجية المرنة والمفتوحة والوظيفية القائمة على المصالح أمام الأمواج بشكل أفضل بكثير. ولعل هذا الحراك التكتوني الهادئ، لكنه عميق الأثر، هو نتاج هذه العقلانية التاريخية والواقعية الباردة تحديداً، وليس نتاج الحماس الرومانسي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!