
كرم ألكين - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
شهد مجلسنا الموقر، مرة أخرى، اتخاذ قرار تاريخي، إذ أُقرّ بأصوات 467 نائباً قانون «تعزيز التضامن الوطني والاندماج المجتمعي»، الذي يمثل إحدى أهم الخطوات في سبيل تحقيق هدف «تركيا خالية من الإرهاب». وتمثل هذه الخطوة التاريخية حلقة جديدة في رؤية استراتيجية للدولة ستطبع السنوات الـ25 المقبلة لتركيا. وكما أكدنا في مقالاتنا السابقة، فإن مسار «تركيا خالية من الإرهاب» هو رؤية تاريخية صاغها العقل الاستراتيجي لدولتنا. فقد أظهر لنا التاريخ مراراً أننا، بمجرد أن نخفض مستوى حذرنا، لن تحصل لنا القوى المظلمة العالمية والإقليمية على حق الحياة في هذه الأراضي. وكما يؤكد رئيسنا المحترم رجب طيب أردوغان دائماً، ليست أمامنا من خيارات سوى أن نكون أقوياء.
ولذلك، سيكون من الخطأ قراءة هذه الخطوة التاريخية التي اتخذها مجلسنا الموقر من منظور أمني بحت. فـ«تركيا خالية من الإرهاب» تعني في جوهرها ترسيخ الثقة الدائمة، والسلام المجتمعي المستدام، والقدرة على التنبؤ، ومناخ استثماري تركي يتمتع بجاذبية عالية. والآن، ومع هذه الخطوة التاريخية، تأتي الحلقة الكبرى الثانية لهذا المسار، وهي «التنمية الإقليمية الشاملة». فهناك جغرافيا شاسعة في جنوب تركيا، تضم العراق وسوريا ولبنان والأردن، وتمتد لاحقاً إلى دول الخليج، تضطر بعد عقود من الصراعات إلى إعادة بناء بنيتها التحتية ومدنها وأنظمة النقل وشبكات الطاقة وقدراتها الإنتاجية بصورة شاملة.
ويقدّر البنك الدولي احتياجات سوريا لإعادة الإعمار وحدها بنحو 216 مليار دولار. كما يعتبر البنك الدولي ممر النقل بين الشمال والجنوب في العراق، الممتد إلى الحدود التركية، والمحور بين الشرق والغرب المرتبط بسوريا والأردن، من بين البنى التحتية الأساسية للتكامل الإقليمي. وتشير الأمم المتحدة الإنمائية إلى أنه في حال تمكنت سوريا من تنفيذ دفعة قوية للنمو والتنمية، فمن الممكن تقليص الفترة اللازمة للعودة إلى مستويات الطاقة الإنتاجية التي كانت عليها قبل الحرب بصورة كبيرة. وتفتح أمام المنطقة، بقيادة تركيا وتنسيقها، مرحلة جديدة من «العائد التنموي للسلام».
وسيربط مشروع طريق التنمية مع العراق الخليج العربي بأوروبا عبر تركيا. كما سيشكل مشروع سكة حديد الحجاز الجديدة، الذي سيعاد إحياؤه على محور تركيا-سوريا-الأردن-السعودية، جسراً برياً تاريخياً جديداً بين الخليج والبحر المتوسط وأوروبا. وستؤدي روابط الغاز الطبيعي الجديدة التي ستتشكل على محور قطر-السعودية-الأردن-سوريا-تركيا، إلى جانب تعزيز خطوط الطاقة بين العراق وتركيا، إلى إعادة تشكيل جيوسياسية الطاقة في المنطقة بالكامل.
وفي الواقع، تلفت مراكز أبحاث مرموقة أيضاً إلى أن تركيا أصبحت، عبر طريق التنمية العراقي والممر الأوسط، إحدى الدول المحورية في مجال الترابط الإقليمي، كما تشير إلى أن سكة حديد الحجاز تبرز باعتبارها خطاً استراتيجياً جديداً يمكن أن يربط تركيا وسوريا والأردن والسعودية ببعضها.
ولفهم السنوات الخمس المقبلة بصورة صحيحة، لا نواجه أمامنا مجرد بضعة مشاريع للسكك الحديدية أو الطرق السريعة أو الموانئ أو الطاقة. فالأساس أننا نشهد معاً قيام حوض تنموي جديد بقيادة تركيا، يمتد من الخليج العربي إلى الأناضول، ومن شرق المتوسط إلى أوروبا. وعند النظر معاً إلى استثمارات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية والإسكان والتخطيط الحضري والاتصالات والزراعة والغذاء والصحة والتعليم والبنية التحتية الرقمية والصناعة، فإن استهداف المنطقة تفعيل إمكانات استثمارية وقيمة مضافة تصل إلى تريليوني دولار خلال فترة تتراوح بين 5 و10 سنوات مقبلة ليس هدفاً مبالغاً فيه على الإطلاق.
وهذه هي الحقيقة التي يشدد عليها البنك الدولي منذ سنوات. فتعزيز البنية التحتية العابرة للحدود في الشرق الأوسط، وخفض تكاليف التجارة، وتعميق التكامل الإقليمي، تعني أسواقاً أكبر، وشبكات إنتاج أقوى، ورفاهية أعلى. وتبرز تركيا باعتبارها مركزاً للإنتاج والتمويل والهندسة والمقاولات والخدمات اللوجستية والطاقة والتكنولوجيا في خضم هذا التحول التاريخي والكبير.
ولذلك، فإن رؤية «تركيا خالية من الإرهاب»، في ظل القيادة القوية والحازمة وذات الرؤية وبعد النظر لرئيسنا المحترم أردوغان، تمثل أيضاً، خلال الفترة بين عامي 2026 و2035، إحدى أقوى الروافع للقفزة الكبيرة التي يمكن أن تنقل الناتج المحلي الإجمالي لتركيا إلى مستوى 4 تريليونات دولار. وعندما يقترن مضاعف الثقة والاستقرار الذي سيبدأ في مناخ الاستثمار التركي الداخلي بدفعة التنمية الإقليمية الشاملة خارج حدودنا، ستنشأ واحدة من أهم أحواض الاستثمار في القرن الحادي والعشرين.
ويمثل هدف «تركيا خالية من الإرهاب» الحلقة المكملة للعقد الجديد الذي شكلته أمتنا معاً. والآن ننتقل إلى مرحلة بناء البعد الإقليمي لهذا العقد. وتبدأ مرحلة جديدة ستتحول فيها جميع الموارد التي استنزفها الإرهاب إلى استثمارات، والجغرافيا التي مزقتها الصراعات إلى ممرات تجارية شاملة، والمدن التي فصلتها الحدود إلى شبكات إنتاج مشتركة. وتركيا هي الدولة المحورية في هذه المرحلة الجديدة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













