
ترك برس
يرى الأكاديمي التركي البروفيسور أكرم كالان أن كازاخستان تتحول تدريجيا من دولة تقع في قلب أوراسيا إلى قوة توازن واستقرار ذات أهمية متزايدة في النظام الدولي الجديد، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية وسياسة خارجية متعددة الاتجاهات.
وفي مقال نشره موقع "Independent Türkçe"، قال كالان إن الحروب والتوترات المتصاعدة من أوكرانيا إلى البحر الأحمر تعيد رسم خريطة التجارة العالمية، في وقت تبرز فيه كازاخستان باعتبارها مركزا استراتيجيا صاعدا في قلب القارة الآسيوية.
وأضاف أن متابعة تحركات العاصمة أستانا أصبحت، في نظره، وسيلة لفهم نقاط التحول في موازين القوى العالمية، مشيرا إلى أن كازاخستان لم تعد تقبل بدور "المنطقة العازلة" بين الشرق والغرب، بل تسعى إلى ترسيخ موقعها باعتبارها طرفا فاعلا وصانعا للتوازن و"جزيرة للاستقرار" في أوراسيا.
ذاكرة السهوب.. أساس الدبلوماسية الكازاخية
يقول كالان إن قدرة أستانا الحالية على المناورة الدبلوماسية ليست نتاجا لسياسة حديثة فحسب، بل تمتد جذورها إلى التاريخ السياسي لسهوب آسيا الوسطى.
وأوضح أن إرث الخانية الكازاخية، التي نشأت في القرن الخامس عشر، والتقاليد السياسية والقانونية لقبائل السهوب، أسهما في ترسيخ ثقافة تقوم على التفاوض وتجنب الصدام وإدارة التوازنات بين القوى الكبرى.
ويرى الكاتب أن هذه الذاكرة التاريخية المرتبطة بطريق الحرير، الذي كان يمر عبر المنطقة، تشكل أحد الأسس التي تقوم عليها السياسة الخارجية الكازاخية الحالية.
ويشير إلى أن كازاخستان تعلمت تاريخيا كيفية الحفاظ على مصالحها في بيئة جغرافية تقع بين قوى أكبر منها، وهو ما يفسر، برأيه، قدرتها الحالية على التواصل في الوقت نفسه مع روسيا والصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول التركية.
"تعدد الاتجاهات" مفتاح السياسة الخارجية
يعتبر كالان أن جوهر الاستراتيجية الخارجية لكازاخستان يتمثل في سياسة "تعدد الاتجاهات"، التي تمنح أستانا هامشا واسعا للمناورة بين مراكز القوة العالمية.
ويقول إن كازاخستان، رغم موقعها بين روسيا والصين، تحافظ على علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع الدولتين، لكنها في الوقت ذاته تعمل على تطوير علاقاتها المؤسسية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومنظمة الدول التركية.
ويلفت إلى أن أستانا لا تنظر إلى المنظمات الإقليمية باعتبارها مشاريع متنافسة بالضرورة، بل تحاول استخدامها بصورة متكاملة لخدمة مصالحها.
ويشير في هذا السياق إلى عضوية كازاخستان في منظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، حيث تؤدي، بحسب رأيه، دورا عقلانيا في إدارة التوازنات، في مقابل دورها المتزايد داخل منظمة الدول التركية.
ويرى أن منظمة الدول التركية تمثل بالنسبة إلى كازاخستان أكثر من إطار للتعاون السياسي، إذ توفر فرصا لتعزيز التجارة وتسهيل الجمارك وتطوير "الممر الأوسط" الرابط بين آسيا وأوروبا.
كما يلفت إلى أن اتفاقية الشراكة والتعاون المعززة مع الاتحاد الأوروبي تمنح أستانا قناة مؤسسية قوية مع الغرب، حتى في الوقت الذي تحافظ فيه على علاقاتها مع القوى الشرقية.
الطاقة تمنح أستانا هامشا إضافيا للمناورة
ويرى الكاتب أن قدرة كازاخستان على اتباع سياسة توازن خارجية ترتبط أيضا بامتلاكها موارد طاقة ضخمة.
ويشير إلى أن البلاد تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة، وتضم حقول كاشاغان وتنغيز وكاراشاغاناك، ما يجعلها لاعبا مهما في سوق الطاقة العالمية.
ويقول إن الجزء الأكبر من النفط الكازاخي يمر عبر روسيا بواسطة خط أنابيب قزوين، إلا أن أستانا تعمل في الوقت نفسه على تنويع طرق التصدير وتقليل المخاطر من خلال المسارات العابرة لبحر قزوين، بما في ذلك خط باكو-تبليسي-جيهان.
ويضيف أن كازاخستان تتمتع أيضا بمكانة استثنائية في سوق اليورانيوم العالمي، ما يمنحها وزنا إضافيا في قطاع الطاقة النووية.
وبحسب كالان، فإن هذه الموارد لا توفر فقط عائدات اقتصادية، وإنما تمنح أستانا أداة جيوسياسية تساعدها على تنويع شركائها وتقليل اعتمادها على مسار واحد أو قوة واحدة.
"الممر الأوسط" يتحول إلى ورقة استراتيجية
ويلفت الكاتب إلى أن أهمية كازاخستان لا تتعلق بالطاقة وحدها، بل تتزايد أيضا نتيجة موقعها على طرق التجارة بين الصين وأوروبا.
ويعتبر أن "الممر الأوسط" بات أحد أهم المشاريع التي يمكن أن تمنح كازاخستان دورا أكبر في التجارة الأوراسية، باعتباره مسارا يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز وتركيا.
ويرى كالان أن أهمية هذا الممر ازدادت مع اضطراب طرق التجارة التقليدية نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات في مناطق أخرى، مشيرا إلى أن تنويع طرق النقل أصبح مسألة استراتيجية بالنسبة إلى الشركات والدول.
كما يشير إلى أن كازاخستان تمتلك إمكانات مهمة في قطاعات المعادن الحيوية والعناصر النادرة، ما يمكن أن يعزز موقعها في سلاسل التوريد العالمية خلال السنوات المقبلة.
ويعتبر أن مركز أستانا المالي الدولي يمثل جزءا آخر من استراتيجية جذب الاستثمارات، من خلال توفير بيئة قانونية ومالية مصممة لتكون أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين.
التنوع الاجتماعي يتحول إلى قوة ناعمة
ولا يحصر كالان عوامل قوة كازاخستان في الجغرافيا والطاقة والاقتصاد، بل يولي أهمية كبيرة لبنيتها الاجتماعية.
ويقول إن وجود أكثر من 130 مجموعة إثنية في البلاد يمثل، إذا ما تمت إدارته بصورة صحيحة، مصدرا للقوة الناعمة والاستقرار الداخلي.
ويشير إلى مؤتمر قادة الأديان العالمية والتقليدية الذي تستضيفه أستانا باعتباره أحد الأمثلة على رغبة كازاخستان في تقديم نفسها بوصفها منصة للحوار بين الثقافات والأديان.
ويرى أن الهوية الكازاخية الحديثة تجمع بين الإرث الرحل لسهوب آسيا الوسطى والثقافة الإسلامية والبنية العلمانية التي تركها العهد السوفيتي، معتبرا أن هذا المزيج ساعد البلاد على الحفاظ على نموذج اجتماعي أكثر اعتدالا وتعددية.
ويضيف أن الجيل الشاب في كازاخستان يمثل أحد أهم مصادر القوة الناعمة للبلاد، إذ يجمع، بحسب وصفه، بين الانفتاح على الاتجاهات العالمية والتمسك بالهوية الوطنية.
ويعتقد الكاتب أن هذه التركيبة يمكن أن تعزز صورة أستانا باعتبارها طرفا أكثر قدرة على التواصل مع عوالم سياسية وثقافية مختلفة، وهو ما يدعم طموحها للعب أدوار الوساطة في الأزمات الدولية.
"كازاخستان العادلة" أمام اختبار صعب
لكن كالان يحذر من أن نجاح السياسة الخارجية الكازاخية لا يعني أن البلاد خالية من نقاط الضعف.
ويقول إن أستانا تواجه خلال العقدين المقبلين عددا من المخاطر الهيكلية، في مقدمتها إدارة الحساسيات الديموغرافية في المناطق الشمالية المحاذية لروسيا، وتجنب الوقوع في اعتماد اقتصادي مفرط على الصين نتيجة مشاريع البنية التحتية الكبرى.
ويرى أن التحدي الأكثر حساسية داخليا يتمثل في كيفية توزيع الثروة بصورة عادلة.
وفي هذا السياق، يشير إلى الإصلاحات التي أطلقها الرئيس قاسم جومارت توكاييف تحت شعار "كازاخستان العادلة"، معتبرا أن نجاح هذه العملية سيكون اختبارا رئيسيا لقدرة البلاد على بناء نظام أكثر مؤسسية وشفافية.
ويقول إن الرؤية الاستراتيجية التي تقف وراء الإصلاحات تتمثل في الانتقال من الاعتماد على الأشخاص ومراكز القوة الفردية إلى نظام أكثر ارتباطا بالمؤسسات.
التكنولوجيا والجيل الشاب.. رهان المستقبل
ويرى الكاتب أن التحول المؤسسي لا يمثل التحدي الوحيد أمام كازاخستان، إذ تسعى البلاد في الوقت نفسه إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعا من خلال الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية ومراكز البيانات.
ويعتقد أن هذه الاستثمارات يمكن أن تساعد أستانا على التحول إلى مركز رقمي في آسيا الوسطى، مستفيدة من وجود جيل شاب متعلم وقادر على التكيف مع التكنولوجيا.
لكنه يحذر من أن التحول الرقمي يجب أن يرافقه خلق فرص عمل كافية وتوزيع أكثر عدالة للرفاه الاقتصادي.
ويقول إن نجاح كازاخستان لن يقاس فقط بعدد مراكز التكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية، وإنما بقدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى تحسن ملموس في مستوى معيشة المواطنين في المدن والأقاليم على حد سواء.
كازاخستان.. من دولة حبيسة إلى قوة توازن
ويخلص كالان إلى أن كازاخستان لا تمثل مجرد مركز جغرافي في أوراسيا، وإنما تملك مقومات التحول إلى قطب سياسي واقتصادي واجتماعي للاستقرار في قلب القارة.
ويقول إن اشتداد التنافس بين القوى الكبرى يمنح أستانا فرصة لتعزيز موقعها، شرط أن تحافظ على سياستها المتوازنة وألا تتحول إلى تابع لأي محور من المحاور المتنافسة.
ويؤكد أن قوة كازاخستان المستقبلية ستعتمد على قدرتها على مواصلة بناء الجسور بين الشرق والغرب، وتنويع طرق التجارة والطاقة، وتعزيز علاقاتها مع الدول التركية وأوروبا وآسيا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع روسيا والصين.
لكن الكاتب يحذر من أن التوازن الخارجي وحده لن يكون كافيا لضمان استمرار هذا الدور.
ويعتبر أن مستقبل كازاخستان سيتحدد في نهاية المطاف بمدى نجاحها في معالجة التفاوت الاقتصادي، وترسيخ الإصلاحات المؤسسية، وإدارة علاقاتها مع روسيا والصين، وتحويل ثرواتها الطبيعية وموقعها الجغرافي إلى تنمية مستدامة.
وبحسب كالان، فإن السؤال الحقيقي أمام أستانا ليس ما إذا كانت قادرة على أن تصبح مركزا جديدا في معادلة أوراسيا، وإنما ما إذا كانت ستنجح في تحويل هذه الفرصة الجيوسياسية إلى قوة مؤسسية واقتصادية دائمة تضمن لها مكانا موثوقا على طاولة إعادة تشكيل النظام الدولي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











