
سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
يتكرر هذا العنوان كثيراً في الصحافة. فهل الأمر كذلك فعلاً أم لا؟ لِنلقِ نظرة. فعندما نلقي نظرة سريعة على المشهد، نرى أن لهذا التعبير دلالات تدعو إلى التفكير كثيراً. فالولايات المتحدة تعلن بوضوح قرارها سحب قواتها من سوريا والعراق وإغلاق قواعدها. لكن علينا أن ننتبه إلى ما إذا كان ذلك يجري وفق خطة بديلة أم لا. والسؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل تتخلى الولايات المتحدة بشكل كامل عن وظيفة «شرطي العالم»؟ وإذا لم تكن كذلك، فهل تريد إعادة هيكلة هذه الوظيفة من جديد، ولكن عبر صيغة أخرى؟ وبناءً على إجابتنا عن هذا السؤال، يمكننا مناقشة التطورات المحتملة بصورة أكثر صحة.
عندما وصل ترامب إلى السلطة، كان يسرد وعوداً يمكن أن تعني بالنسبة إلى الولايات المتحدة ما يشبه «عقيدة مونرو» جديدة. وكانت تلك عبارات توحي بأن الولايات المتحدة لن تضطلع بعد الآن بدور «شرطي العالم»، وأنها ستنغلق على نفسها وتضع مشكلاتها الخاصة على جدول أعمالها. وقد دعم الشعب الأمريكي، الذي سئم من تدفق موارد البلاد باستمرار إلى الخارج ويعيش أزمة عميقة، هذه الوعود، وجلس ترامب على كرسي الرئاسة بدعم شعبي كبير إلى حد ما خلفه. وكان من أول أعماله فتح النقاش حول مختلف الهياكل الدولية التي تفرض أعباء مالية ثقيلة على الولايات المتحدة. وانسحب بقرارات حازمة من بعض هذه الهياكل. لكن الانفصال عن بعض الهياكل لم يكن سهلاً إلى هذا الحد، وكان الناتو في مقدمتها. وقد شن في كل مناسبة حرباً على اختلال توزيع الموارد داخل الناتو. واستخدم لغة مهينة وتهديدية تجاه أوروبا التي كانت، مستندة إلى القوة العسكرية الأمريكية، تتخلف عن التزاماتها. وفي الحرب الروسية الأوكرانية، اتخذ موقفاً غير مبالٍ وسحب دعمه إلى حد كبير. وبعبارة ما، كان يقول لدول الناتو: «دبروا أموركم بأنفسكم». ويمكننا القول إن ترامب حتى هذه المرحلة كان يتبع خطاً منسجماً مع وعوده المرتبطة بسياسة «جعل أمريكا عظيمة مجدداً» (MAGA).
لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد. فترامب، الذي كان يدعي أنه سيحل مشكلات الولايات المتحدة من خلال سحبها من الحروب العبثية وإغلاقها على نفسها، بدأ يتحدث عن غزو كندا وغرينلاند تحت تهديدات شديدة. وبذلك بدأ الخط الفاصل بين الولايات المتحدة وأوروبا بالانهيار، بل حتى النواة الأنغلوسكسونية بدأت تتصدع. وكانت هذه الطموحات التوسعية أول مؤشرات بدء ترامب الابتعاد عن سياسات «جعل أمريكا عظيمة مجدداً». لكن الأمر أُهمل بطريقة ما. وكان أنصاره يقولون: «ترامب لم يتخلَّ عن هدف إعادة ترتيب الولايات المتحدة من الداخل، بل إنه يفعل ذلك ليس من خلال تقليص حجم الولايات المتحدة، وإنما من خلال توسيعها». أي أن انسحابه كان سيجري عبر السيطرة بشكل حاسم على الممرات الحيوية والموارد.
إن الشرق الأوسط الذي قلبته إسرائيل رأساً على عقب بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، دفع ترامب، من منظوره، إلى حالة من التخبّط الكامل. فترامب، الذي كان يؤكد أن الحروب لا معنى لها من الناحية الاقتصادية وليس الأخلاقية، شهد هنا تحولاً كاملاً في الاتجاه. صحيح أنه كان يعتقد أساساً أن إسرائيل ستشعر بالرضا والطمأنينة عبر «اتفاقات أبراهام». لكن اتفاقات أبراهام لم تتقدم. وكانت مصر والسعودية هما اللتان تعرقلان المسار. فلم يكن الأمر لينتهي عند الإمارات والبحرين والمغرب. لقد تعطل المسار. وفي هذه الأثناء، كانت إسرائيل تزداد شراسة وتخرج عن السيطرة أكثر فأكثر. وخضع ترامب لضغوط إسرائيل، وخاض مخاطرة كبيرة بإعلان الحرب على إيران. وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً. فلننظر إلى الوضع الراهن للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. لقد أصبحت إيران أكثر قوة وحيوية مما كانت عليه في السابق. وتعرضت القواعد التي تحمي نظام البترودولار، الذي يمثل شريان الحياة للولايات المتحدة في الخليج من أجل الحفاظ على هيمنتها، للدمار. وانخفضت القدرة القتالية بأكثر من النصف. وأُغلق مضيقان حيويان، هما هرمز وباب المندب، وأصبحا تحت السيطرة الإيرانية. وخلاصة القول إن الولايات المتحدة أفسدت الأمور تماماً. والأهم أنها فقدت هيبتها. يمكن تعويض كل شيء، لكن لا يمكن تعويض هذا.
في ظل هذه الظروف، فإن المخرج الوحيد أمام ترامب هو الانسحاب تدريجياً تحت مرافقة حلفائه الإقليميين، من خلال تفعيل دورهم. وهو الآن منشغل على قدم وساق بترتيب ذلك. وقد ظهر «اتفاق مكة» تحديداً في هذا السياق. فالولايات المتحدة في هذه المرحلة بحاجة إلى تركيا وباكستان أكثر من أي وقت مضى. وقد خلصت بعض التحليلات إلى أن «اتفاق مكة» يمثل عملية أمريكية لتجميع القوة. ويزعم أصحاب هذه الرؤية أن الولايات المتحدة تفكر في مهاجمة إيران من جبهتين، إما عبر ضم تركيا وباكستان إليها، أو الدفع بهما مباشرة إلى الواجهة. نعم، لا يمكن إهمال هذا الاحتمال بشكل كامل. لكن هل ستخوض باكستان، رغم كون السنة أغلبية فيها، هذه المغامرة وهي تمتلك ثاني أكبر تعداد للسكان الشيعة في العالم، وتتحمل خطر حرب أهلية؟ ومن جهة أخرى، هل ستتخلى باكستان، التي تتبع توازناً دقيقاً بين الولايات المتحدة والصين، عن الصين التي دعمت إيران منذ البداية، وتدير ظهرها لإيران وتدخل في حرب معها في وقت تواجه فيه عدوها التاريخي الهند؟ يبدو الأمر صعباً للغاية. ولنأتِ إلى تركيا. إن عدم الصدام مع إيران هو أحد الأعمدة الرئيسية لسياستنا الخارجية. فهل سنكسر هذا العمود، ونحارب إيران لمجرد أن الولايات المتحدة طلبت ذلك، من دون أن نعرف إلى أين ستقودنا الأمور؟ بصراحة، لا يبدو لي ذلك منطقياً أو معقولاً على الإطلاق. إن اتفاق مكة يعبر عن اجتماع ثلاث دول بدوافع مختلفة. وبهذه الصورة، يمكن اعتباره هشاً للغاية. بدأت حسابات تركيا تتضح تدريجياً: نريد، من خلال التحرك مع باكستان، تعطيل «طريق التوابل الجديد» المخطط له بين الهند والسعودية وإسرائيل واليونان، وإعادة هيكلة نفط الخليج عبر خط جديد تكون تركيا جزءاً منه أو تستطيع السيطرة عليه. وهذا الأمر يزعج بالدرجة الأولى الهند وإسرائيل واليونان. وهم بالفعل الأكثر إثارة للضجيج.
إن النظام العالمي غير المتكافئ القائم على الهيمنة الأمريكية ينهار أمام أعيننا. وما يفعله ترامب ليس سوى تخبطه. إنهم ينفصلون عن العالم مرحلة تلو الأخرى. وهذه نهاية لا مفر منها. لكن لا ينبغي الخلط بين هذا المسار وبين رحيل موظف تلقى قراراً بنقله وجمع أغراضه ومضى. فالانسحاب سيستغرق وقتاً، وسيؤدي إلى أزمات وصراعات جديدة ومتنوعة. وستحدد المنافسات والعلاقات بين القوى المحلية، مع مرور الوقت، الفراغات التي ستنشأ. وبطبيعة الحال، هذه عمليات هشة وحساسة ومليئة بالمفاجآت. ولا تحتمل الأخطاء.
وما سيكون الأكثر حسماً في هذه العمليات هو ظهور الخطوط القديمة من جديد. أتدرون، عندما تنحسر مياه بحيرة فتظهر تحتها بقايا مدينة قديمة؛ الأمر شبيه بذلك. وإنشاء مدينة جديدة مكانها يقتضي، من ناحية، أن تكون متسقة مع الخطوط القديمة لتلك المدينة، ومن ناحية أخرى، تجنب تكرار الأخطاء التي أدت في وقتها إلى تدمير تلك المدينة. فلننتبه جيداً...
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مواضيع أخرى للكاتب
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













