ترك برس

على ضفاف البوسفور، عادت إسطنبول لتستضيف جولة جديدة من الاتصالات السورية الأمريكية، حيث التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الاثنين، المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق توم براك، في مباحثات ركزت على التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار واستكمال رفع القيود والعقوبات عن سوريا.

وقالت وزارة الخارجية السورية إن اللقاء تناول سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين دمشق وواشنطن، إلى جانب آخر المستجدات والتطورات في المنطقة، ومناقشة أولويات التعافي الاقتصادي في سوريا ودفع عجلة إعادة الإعمار.

ويمنح انعقاد اللقاء في إسطنبول دلالة إضافية للمباحثات السورية الأمريكية، إذ لا يشغل براك منصب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق فحسب، بل يتولى أيضا منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، التي تحولت خلال المرحلة الجديدة في سوريا إلى إحدى الساحات الرئيسية للاتصالات السياسية المتعلقة بالملف السوري. وتؤكد السفارة الأمريكية في أنقرة استمرار براك في منصبه سفيرا لدى تركيا إلى جانب مهمته مبعوثا خاصا لسوريا، بحسب "الجزيرة نت".

كما أن لقاء الاثنين ليس الأول من نوعه في إسطنبول، فقد اجتمع الشيباني وبراك في المدينة نفسها في 15 يونيو/حزيران الماضي، وبحثا حينها العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة وسبل تطويرها، إضافة إلى التطورات الإقليمية والجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار.

وبذلك تبدو إسطنبول محطة متكررة في مسار الاتصالات بين دمشق وواشنطن، مستفيدة من الدور الذي تؤديه تركيا في الملف السوري ومن وجود المبعوث الأمريكي براك في أنقرة، وهو ما جعل المدينة مساحة ملائمة لعقد لقاءات بعيدا عن العاصمتين السورية والأمريكية.

العقوبات بوابة الإعمار

وحضر الملف الاقتصادي بقوة في مباحثات الشيباني وبراك، إذ قالت الخارجية السورية إن الجانبين ناقشا "استكمال رفع العقوبات" ودفع عجلة إعادة الإعمار.

ويأتي الحديث عن استكمال رفع العقوبات بعد خطوات أمريكية واسعة بدأت في 2025. ففي مايو/أيار من ذلك العام أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصا عاما سمح بطيف واسع من المعاملات والاستثمارات في سوريا، قبل أن يصدر الرئيس دونالد ترمب في 30 يونيو/حزيران أمرا تنفيذيا أنهى برنامج العقوبات الأمريكية الشامل على سوريا اعتبارا من الأول من يوليو/تموز 2025.

لكن إنهاء برنامج العقوبات الشامل لم يعنِ رفع كل القيود الأمريكية المرتبطة بسوريا، إذ أبقت واشنطن عقوبات مستهدفة على بشار الأسد ومقربين منه، وعلى متهمين بانتهاكات لحقوق الإنسان وتجارة الكبتاغون، إضافة إلى تنظيمات إرهابية وأطراف مرتبطة بإيران ووكلائها. وتوضح وزارة الخزانة الأمريكية أن الولايات المتحدة لم تعد تفرض عقوبات اقتصادية شاملة على سوريا منذ يوليو/تموز 2025.

ولهذا يمثل ملف استكمال إزالة القيود المتبقية أحد مفاتيح دمشق لجذب رؤوس الأموال وإعادة ربط اقتصادها بصورة أوسع بالأسواق والمؤسسات المالية الدولية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب.

وكان التحول في الموقف الأمريكي تجاه دمشق قد بدأ بصورة لافتة في مايو/أيار 2025، عندما التقى ترمب الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض، قبل أن تمضي الإدارة الأمريكية في إجراءات تخفيف ثم إنهاء برنامج العقوبات الشامل. وفي الشهر نفسه تولى براك، سفير واشنطن لدى أنقرة، مهمة المبعوث الخاص إلى سوريا، في خطوة عكست آنذاك أهمية تركيا في المقاربة الأمريكية للمرحلة السورية الجديدة.

فاتورة بـ216 مليار دولار

وتزداد أهمية الملف الاقتصادي في مباحثات إسطنبول بالنظر إلى ضخامة فاتورة إعادة الإعمار التي تواجهها دمشق.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، قدّر البنك الدولي احتياجات إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، بعد أكثر من 13 عاما من الصراع.

وقدّر البنك حجم الأضرار المادية المباشرة بنحو 108 مليارات دولار، موزعة على البنية التحتية والمباني السكنية والمنشآت غير السكنية، مشيرا إلى أن تكلفة الإعمار المقدرة تعادل قرابة 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري المتوقع لعام 2024.

ويضع هذا الواقع ملف رفع القيود وجذب الاستثمار في قلب الاتصالات الخارجية للحكومة السورية، إذ لا يرتبط التعافي بإعادة بناء المنشآت المدمرة فحسب، بل أيضا بإعادة تشغيل النظام المصرفي، واستقطاب الشركات ورؤوس الأموال، وتأهيل قطاعات الطاقة والنقل والخدمات الأساسية.

ومن هنا، يتجاوز لقاء الشيباني وبراك في إسطنبول حدود البحث في العلاقات الدبلوماسية ليعكس مرحلة جديدة في العلاقة بين دمشق وواشنطن، تنتقل فيها الأولويات تدريجيا من إدارة تداعيات الصراع والعقوبات إلى ملفات الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار.

وفي الوقت نفسه، تكرس اللقاءات المتتالية على ضفاف البوسفور موقع إسطنبول كإحدى محطات التواصل بين الجانبين، في ظل تقاطع الدور التركي مع المهمة الأمريكية التي يقودها براك، بينما تسعى دمشق إلى تحويل الانفتاح السياسي المتزايد على الولايات المتحدة إلى خطوات اقتصادية تفتح الطريق أمام عملية إعادة إعمار تقدر تكلفتها بمئات مليارات الدولارات.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!