ترك برس

يرى الكاتب والمحلل التركي تورغاي يرلي قايا أن مسار «تركيا خالية من الإرهاب» دخل مرحلة جديدة تتجاوز الحدود التركية، مع إعلان «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) حل نفسها والاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل نقطة تحول مهمة في مسار إنهاء التنظيمات المسلحة وإعادة ترسيخ سيادة الدولة السورية.

وفي مقال بصحيفة «يني شفق»، يقول يرلي قايا إن عملية «تركيا خالية من الإرهاب» جرى التخطيط لها منذ البداية على مرحلتين: الأولى تتمثل في إنهاء وجود التنظيم الإرهابي بكل مكوناته، والثانية في توسيع هذا المسار إلى المنطقة عبر إزالة مصادر الإرهاب تدريجياً وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الاستقرار.

وبحسب الكاتب، فإن إعلان «قسد» حل نفسها والاستعداد للاندماج في الإدارة السورية يمثل أحد أهم التطورات المنتظرة في هذا المسار، لأنه يعني، في قراءته، تراجع مشروع سوريا المجزأة وتعزيز مبدأ وحدة الأراضي السورية وسيادتها.

نهاية تدريجية لمشروع سوريا المجزأة

يعتبر يرلي قايا أن دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية لا يحمل أهمية أمنية فقط، بل يكتسب دلالة سياسية تتعلق بمستقبل سوريا نفسها.

فبقاء تشكيلات مسلحة خارج سلطة دمشق كان، وفق رؤيته، أحد العوامل التي أبقت البلاد عرضة للتقسيم الفعلي ومراكز النفوذ المتعددة. أما دمج هذه التشكيلات في مؤسسات الدولة، فيمكن أن يمنح الحكومة المركزية قدرة أكبر على بسط سلطتها على الأراضي السورية.

ويتزامن ذلك، بحسب الكاتب، مع خطوات أميركية تجاه دمشق، من بينها إخراج سوريا من تصنيف الدول الراعية للإرهاب، وهو ما يرى أنه يمكن أن يساعد الحكومة السورية على تعزيز شرعيتها الدولية وفتح المجال أمام مزيد من الاندماج الاقتصادي والسياسي مع المجتمع الدولي.

ويعتقد يرلي قايا أن هذه التطورات، إلى جانب التحركات الدبلوماسية التي قامت بها الإدارة السورية خلال الفترة الأخيرة، تجعل توقع حدوث تطبيع تدريجي للوضع في سوريا أكثر واقعية.

من «تركيا خالية من الإرهاب» إلى «منطقة خالية من الإرهاب»

يربط الكاتب التطورات السورية مباشرة بالمرحلة التالية من المشروع التركي.

فإنهاء نشاط التنظيمات المسلحة داخل تركيا لا يمثل، وفق هذه القراءة، نهاية المسار، ما دام خطر التنظيمات وشبكاتها قائماً في المناطق المحاذية للحدود التركية.

ومن هنا تأتي أهمية التطورات في سوريا والعراق، حيث تسعى أنقرة منذ سنوات إلى منع تحول المناطق الحدودية إلى قواعد دائمة لتنظيمات تعتبرها تهديداً لأمنها القومي.

ويقول يرلي قايا إن الهدف الأوسع يتمثل في الانتقال من مفهوم «تركيا خالية من الإرهاب» إلى منطقة خالية من الإرهاب، بما يسمح بخلق بيئة أكثر استقراراً على الحدود الجنوبية لتركيا.

وهذا التحول، في حال نجاحه، قد يكون له تأثير يتجاوز الملف الأمني، ليشمل إعادة الإعمار والتجارة وعودة السكان وتطوير العلاقات الاقتصادية بين تركيا وسوريا.

لجنة متعددة المسارات لإدارة المرحلة الجديدة

ويولي الكاتب أهمية خاصة للهيئة التي جرى تشكيلها من أجل إعداد الإطار القانوني لمسار «تركيا خالية من الإرهاب»، معتبراً أن طبيعة اللجان المنبثقة عنها تكشف أن العملية لا تقتصر على تسليم السلاح.

وبحسب يرلي قايا، تضم الهيئة أربع لجان فرعية رئيسية هي: لجنة تنسيق الشؤون القضائية والقانونية، ولجنة الرصد والتقييم، ولجنة الاندماج والتكامل الاجتماعي، ولجنة نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي.

ويرى أن هذا الهيكل يعكس محاولة لإدارة العملية على مستويات أمنية وقانونية واجتماعية في الوقت نفسه.

فبعد تسليم الأسلحة والتحقق من العملية من جانب الأجهزة الأمنية، ستبرز الحاجة إلى تحديد الوضع القانوني لأعضاء التنظيم الذين يتخلون عن السلاح، وهو الدور الذي ستضطلع به اللجنة المعنية بالشؤون القانونية.

وفي المقابل، ستتولى لجنة نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي متابعة التفاصيل الميدانية للعملية ووضع خارطة طريق للتنفيذ، بما يساعد على تفكيك التنظيم بصورة كاملة ومنع ظهور عناصر أو مجموعات تعرقل المسار.

الاندماج الاجتماعي جزء من إنهاء الإرهاب

ويعتبر يرلي قايا أن إنشاء لجنة خاصة بالاندماج الاجتماعي يحمل دلالة مهمة، لأنه يعكس، في رأيه، إدراكاً بأن إنهاء الإرهاب لا يتحقق بمجرد جمع الأسلحة.

فالعملية تحتاج أيضاً إلى معالجة أوضاع الأفراد الذين يتركون التنظيم، ومساعدتهم على العودة إلى الحياة المدنية والاندماج في المجتمع.

ويرى الكاتب أن هذا الجانب يمثل أحد الاختبارات الأساسية لنجاح العملية؛ إذ إن إنهاء البنية العسكرية للتنظيم من دون معالجة تداعياتها الاجتماعية قد يترك أرضية تسمح بعودة التوتر أو ظهور أشكال جديدة من العنف.

ومن هنا، فإن برامج إعادة التأهيل والاندماج، إلى جانب الإجراءات القانونية، ستشكل جزءاً من المرحلة التي تلي نزع السلاح.

دور أوجلان في عملية نزع السلاح

ويتطرق الكاتب أيضاً إلى الدور المنسوب إلى عبد الله أوجلان في عملية إنهاء نشاط التنظيم ونزع السلاح.

ويرى أن هذا الدور يمكن أن يكون مؤثراً في التعامل مع العناصر التي قد تبدي مقاومة للعملية، والمساعدة على تسهيل الانتقال من مرحلة النشاط المسلح إلى مرحلة ما بعد نزع السلاح.

لكن أهمية هذا الدور، بحسب الكاتب، لا ينبغي أن تحجب العامل الذي يعتبره أكثر حسماً: تغير ميزان القوة والظروف التي دفعت التنظيم إلى خيار التفكك.

«ليس تفاوضاً بل نتيجة لتغير الشروط»

ويعارض يرلي قايا توصيف العملية باعتبارها مجرد تفاوض أو صفقة سياسية، داعياً إلى قراءتها في ضوء التطور الكبير في القدرات العسكرية والتكنولوجية للدولة التركية.

ويقول إن القدرات التي طورتها تركيا في مكافحة الإرهاب داخل البلاد، فضلاً عن العمليات والقدرات الردعية التي أنشأتها خارج حدودها، أسهمت بصورة مباشرة في خلق الظروف التي جعلت استمرار التنظيم المسلح أكثر صعوبة.

ومن هذا المنظور، يرى أن الحديث عن «مفاوضات» أو «عفو» باعتبارها العامل الرئيسي في تفكك التنظيم لا يعكس، في رأيه، الصورة الكاملة.

بل يفضل وصف العملية بأنها تفكك فرضته الظروف الجديدة، نتيجة تغير البيئة الأمنية والعسكرية التي يعمل فيها التنظيم.

ويعتبر أن التركيز على أعداد عناصر التنظيم أو التفاصيل الرمزية المتعلقة بقدراته لا يقدم فهماً حقيقياً للتحول الجاري، داعياً بدلاً من ذلك إلى مناقشة الكيفية التي أدت بها قدرات الدولة التركية إلى تشكيل الظروف التي دفعت التنظيم نحو إنهاء وجوده.

دعوة إلى تجاوز الاستقطاب الداخلي

ويرى الكاتب أن نجاح العملية يحتاج كذلك إلى احتضان سياسي واجتماعي واسع، منتقداً ما يصفه بمحاولات التعامل معها حصراً من زاوية الخلافات السياسية الداخلية.

ويشير بصورة خاصة إلى التحفظات التي أبداها بعض الأكاديميين والمثقفين تجاه العملية، سواء بدافع الحذر أو بسبب الاعتقاد بأنها مبادرة تقودها الحكومة.

ويعتبر أن تحويل المسار إلى قضية استقطاب سياسي قد يؤدي إلى إضاعة فرصة لمعالجة مشكلة أمنية واجتماعية استمرت لعقود.

ويؤكد أن العملية، في نظره، بدأت باعتبارها مشروعاً للدولة قبل أن تنتقل إلى المجال السياسي والاجتماعي، حيث اكتسبت شرعية أوسع من خلال المؤسسات المنتخبة.

ومن ثم، يدعو إلى التعامل معها باعتبارها مشروعاً طويل الأمد يرتبط بمستقبل تركيا واستقرار محيطها، وليس مجرد ملف سياسي مرتبط بحكومة أو مرحلة انتخابية.

سوريا في قلب المرحلة المقبلة

وتكتسب سوريا موقعاً مركزياً في هذا التصور، خصوصاً أن استقرار الحدود الجنوبية لتركيا يرتبط بدرجة كبيرة بمستقبل الوضع السياسي والأمني في شمال سوريا.

فإذا نجحت دمشق في دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، وتمكنت من استعادة سيطرتها تدريجياً على المناطق المختلفة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات التركية السورية، تقوم على التعاون الأمني والاقتصادي بدلاً من إدارة الأزمات المتواصلة.

كما أن خروج سوريا تدريجياً من العزلة الدولية يمكن أن يوفر ظروفاً أفضل لإعادة الإعمار، وهو ملف ترى تركيا أنه مرتبط بصورة مباشرة بأمن الحدود وعودة الاستقرار إلى المنطقة.

من مكافحة الإرهاب إلى إعادة بناء الإقليم

وبحسب قراءة يرلي قايا، فإن التطورات الحالية لا ينبغي فهمها باعتبارها نهاية ملف أمني فحسب، بل كبداية لعملية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية.

فإذا تزامن تفكك التنظيمات المسلحة مع تعزيز سلطة دمشق، وانفتاح سوريا دولياً، وتطوير التعاون التركي السوري، فإن المنطقة قد تنتقل تدريجياً من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة إعادة بناء الدولة والمؤسسات.

ويخلص الكاتب إلى أن نجاح مسار «تركيا خالية من الإرهاب» سيقاس في نهاية المطاف بقدرته على إنتاج واقع جديد لا تقتصر ثماره على داخل تركيا، وإنما تمتد إلى محيطها، خصوصاً سوريا.

ومن هنا، فإن الهدف النهائي، وفق رؤيته، ليس مجرد إسكات السلاح داخل تركيا، بل بناء منطقة أكثر استقراراً وأقل قابلية لاحتضان التنظيمات المسلحة، بما يمهد أمام تركيا وسوريا والمنطقة لمرحلة جديدة من الأمن والتعاون وإعادة الإعمار.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!