
ترك برس
يشهد المشهد السياسي الإسرائيلي تصاعداً حاداً في الانتقادات الموجهة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، حيث تحولت هذه الانتقادات تدريجياً إلى اتهامات ثقيلة تتهمه بتجاهل تحذيرات مسبقة. ويستند الكاتب التركي غوربوز إيفرن في تحليل نشره موقع إندبندنت تركية إلى سلسلة من التقارير الإعلامية الإسرائيلية والأمريكية التي تكشف تفاصيل هذه التحذيرات والقرارات التي اتخذها نتنياهو آنذاك، مع ربطها بسياق أوسع يشمل سياساته الداخلية وتاريخ الاستيطان.
يبرز التحليل ادعاءً مركزياً مفاده أن رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد اتصل شخصياً بنتنياهو ليحذره من أن حماس تقوم ببعض الاستعدادات المهمة ضد إسرائيل. ويُزعم أن نتنياهو لم يطرح هذا التحذير في الاجتماع الذي عقده في الأول من أكتوبر مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. كما تشير التقارير إلى أن رؤساء هذه الأجهزة اقترحوا تنفيذ عمليات ضد قادة حماس بناءً على معلومات لديهم، إلا أن نتنياهو عارض ذلك. وقد نفى نتنياهو هذه الادعاءات خاصةً اللقاء الهاتفي مع بن زايد، بل طلب منه نفي الأمر علناً.
غير أن التقارير المنشورة في الإعلام الأمريكي والإسرائيلي تشير إلى أن نتنياهو أحجم عن متابعة الموضوع خشية الإضرار بمفاوضات التطبيع الجارية آنذاك مع السعودية، ورفض العمليات المقترحة ضد حماس. وأكدت وسائل إعلام إسرائيلية متعددة وجود أدلة على مكالمة هاتفية استمرت 45 دقيقة بين الرجلين، فيما ذهب بعض المصادر الإسرائيلية إلى أن تحذير بن زايد لم يتضمن إشارة إلى هجوم محدد، بل اقتصر على القول إن «حماس تخطط لشيء ما»، مستنداً إلى معلومات تلقاها من مسؤول رفيع في السلطة الفلسطينية حول استعداد يحيى السنوار لاتخاذ خطوة مدوية. وبناءً على ذلك، اقترح رئيس جهاز الشاباك عقد اجتماع عاجل، لكنه تأخر نحو ثلاثة أيام ولم يسفر عن أي نتيجة.
ويأتي تحذير آخر قبل الهجوم بأيام قليلة من رئيس المخابرات المصرية كمال عباس، الذي التقى مسؤولين إسرائيليين في مطار بن غوريون بتل أبيب وشاركهم معلومات عن استعدادات حماس. وتذهب بعض الادعاءات إلى أنه التقى نتنياهو شخصياً قبل الهجوم بعشرة أيام، وهو ما نفاه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي بشكل متأخر، مدعياً أن عباس لم يصل إلى المطار ولم يتصل بنتنياهو. غير أن الإعلام الأمريكي نشر سجلات رادار تؤكد هبوط طائرة عباس في المطار في 26 سبتمبر وبقاءها هناك لأكثر من ساعة.
وفي ظل اقتراب الانتخابات، يزداد صوت المعارضة والإعلام الإسرائيلي في التأكيد على أن نتنياهو كان على علم مسبق بهذه المعلومات لكنه لم يمنع الهجوم، مما يضعه في زاوية ضيقة ويدفعه إلى مزيد من العدوانية. فمع تراجع شعبية حزبه الليكود، يتسامح نتنياهو مع هجمات الأحزاب الدينية المتطرفة والمستوطنين المتعصبين الذين يعتمد عليهم لتعزيز نسبته الانتخابية.
ويمتد التحليل إلى جذور أعمق لظاهرة عنف المستوطنين، الذي بدأ قبل قيام دولة إسرائيل واستمر بلا انقطاع. فقد نظم المستوطنون أنفسهم في عصابات عسكرية قبل عام 1948، وطردوا نحو 800 ألف فلسطيني من أراضيهم بين عامي 1947 و1949، وقتلوا حوالي 13 ألفاً منهم. كما مارسوا حرباً بيولوجية ضد من رفضوا الرحيل، بتسميم مصادر المياه والآبار بجرثومتي التيفوئيد والدوسنتاريا، في عمل يصفه الكاتب بجرائم حرب ارتُكبت تحت قيادة بن غوريون.
واستند هؤلاء إلى مبررات دينية مستمدة من آيات توراتية، وأطلقوا على عملية تسميم الآبار اسم «ألقِ خبزك»، مستلهمين آية توراتية، بينما كان بن غوريون يبرر ذلك بالقول إن «كل ما نفعله مباح لأن الله وعدنا بفلسطين». ويستمر هذا النمط اليوم، حيث يقوم المستوطنون بتلويث آبار الفلسطينيين بالفضلات البشرية بدلاً من الجراثيم.
وفي السياق الدولي، أدت ردود الفعل الغاضبة تجاه إسرائيل إلى إغلاق أبواب عدد من الدول أمام السياح الإسرائيليين. ففي تايلاند انطلقت حملة بعنوان «لا نريد الإسرائيليين»، تتهمهم بالكبرياء وعدم احترام التقاليد المحلية، ومغادرة المطاعم والمقاهي دون دفع الحسابات، وإلحاق الضرر بالفنادق والبيوت التي يقيمون فيها. كما أغلقت جمهورية موريشيوس، الجنة السياحية في المحيط الهندي، أبوابها أمام الطائرات القادمة من إسرائيل التي تحمل مجموعات سياحية، في قرار جاء بعد انسحاب وفدها من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة احتجاجاً على خطاب نتنياهو.
بهذا يستعرض الكاتب صورة مترابطة لنتنياهو المحاصر سياسياً، الذي يتجاهل التحذيرات الأمنية لأسباب سياسية، ويتسامح مع عنف المستوطنين لتعزيز قاعدته الانتخابية، في ظل تاريخ طويل من الممارسات الاستيطانية وارتدادات دولية متزايدة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











