د. عثمان غازي قندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

أسهل طريقة لفهم الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية هي النظر إلى التصريحات التي صدرت مباشرة بعد الهجوم. لكن الطريق الأسهل ليس دائمًا هو الأكثر تفسيرًا.

ربطت الإدارة الإسرائيلية الهجوم باحتمال سماح سوريا بتمركز عناصر تركية في القاعدة، في إطار التعاون العسكري مع تركيا.

وزعم مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن دمشق كانت على وشك انتهاك الوضع القائم في المجال الأمني. كما قدمت مصادر إسرائيلية إنشاء تركيا وجودًا عسكريًا دائمًا في سوريا باعتباره تطورًا ينبغي منعه.

ورفضت أنقرة هذا المبرر. كما أعلنت الإدارة السورية أن إعادة القاعدة إلى الخدمة تهدف إلى استعادة قدراتها العسكرية. ولم يسفر الهجوم عن سقوط قتلى. وكان المدرج والمنشآت العسكرية هما الهدفين.

وهنا نصل إلى السؤال الأساسي: هل أزالت إسرائيل بالفعل تهديدًا، أم أنها تحركت استنادًا إلى افتراضات مستقبلية نابعة من إدراكها للتهديد؟

يقف هذا التمييز في صميم مسألة أبو الظهور.

أين يبدأ التهديد؟

في السياسة الأمنية للدولة، ليس من الضروري أن يكون الطرف الآخر يستعد لهجوم اليوم حتى يظهر التهديد. إذ يمكن اعتبار القدرات التي يمتلكها أو قد يمتلكها مستقبلًا تهديدًا أيضًا.

ونرى مثالًا مهمًا على ذلك في نظرة إسرائيل إلى سوريا. فبعد سقوط نظام الأسد، برز احتمال إعادة هيكلة الجيش السوري. وإسرائيل تراقب منذ سنوات القدرات العسكرية في سوريا عن كثب من منظور أمنها الخاص. كما أن ازدياد الهجمات الإسرائيلية على البنية التحتية العسكرية السورية بعد سقوط الأسد يُظهر استمرار هذا النهج.

فكيف تدخل تركيا في المشهد الآن؟

تطور تركيا تعاونها العسكري مع الإدارة السورية الجديدة. وإعادة القواعد والمدارج والبنية التحتية الدفاعية إلى الخدمة تشكل أحد أجزاء هذه العلاقة. ومن المنظور الإسرائيلي، لا تقتصر المسألة على إعادة تسليح سوريا. فالدعم التقني والعسكري والسياسي الذي تقدمه تركيا يؤخذ في الحسبان أيضًا.

وقد تكون المعادلة في ذهن إسرائيل قائمة بشكل تقريبي على النحو التالي: الجيش السوري الذي تزداد قوته يمثل في حد ذاته خطرًا جديدًا. أما دور تركيا في إعادة هيكلة هذا الجيش فيجعل الخطر أطول أمدًا وأكثر شمولًا.

لكن هناك مشكلة أساسية هنا.

إن إعادة سوريا بناء قدراتها الدفاعية لا تعني استعدادها لشن هجوم على إسرائيل. فإقامة دولة منظومة دفاع جوي وتطويرها لقدرة على مهاجمة دولة أخرى ليسا الشيء نفسه. وقد يكون النظام القادر على جعل العمليات الجوية الإسرائيلية أكثر صعوبة وسيلة بالنسبة إلى دمشق لحماية مجالها الجوي.

وهنا تحديدًا تظهر معضلة الأمن.

فسوريا تزيد قدراتها الدفاعية لكي تشعر بأمان أكبر. وإسرائيل تعتبر زيادة هذه القدرات خطرًا على أمنها. وعندما تهاجم إسرائيل للقضاء على الخطر، تتعاظم حاجة سوريا الأمنية أكثر.

ولكي تعمل هذه الحلقة، ليس من الضروري أن يكون أحد الطرفين عدوانيًا بالضرورة.

هل تقتصر مخاوف إسرائيل على تركيا؟

لا يكفي تفسير أبو الظهور بجملة: «إسرائيل لا تريد أن تقيم تركيا قاعدة في سوريا».

لأن نفوذ تركيا في سوريا لا يقتصر على قدراتها العسكرية.

فالحدود البرية الطويلة لأنقرة، وروابط التجارة، وشبكات النقل، وخطوط الطاقة، وقدرات شركات المقاولات، والدور الذي يمكن أن تضطلع به تركيا في إعادة إعمار سوريا، كلها عناصر يمكن أن تجعل تركيا طرفًا مؤثرًا في مستقبل دمشق. كما أن حسم إسرائيل للتفوق الجوي لا يلغي مجال النفوذ الاقتصادي والسياسي هذا.

فماذا يعني أن تتمكن تركيا من إقامة علاقات مع أطراف مختلفة في الوقت نفسه؟

لدى أنقرة قنوات اتصال مع واشنطن والعواصم الأوروبية ودول الخليج وسائر الأطراف الأخرى في المنطقة. كما أن نفوذها في سوريا ينبع مباشرة من كونها دولة مجاورة لها.

ولهذا، قد تكون المسألة بالنسبة إلى إسرائيل أوسع من مجرد وضع عدد من أنظمة الرادار في سوريا. فالمسألة الأساسية هي احتمال تحول تركيا إلى طرف دائم في إعادة بناء سوريا، وتحول هذا النفوذ مع مرور الوقت إلى نفوذ سياسي.

ومن هذه الزاوية، فإن اختيار أبو الظهور يحمل دلالة. فالقاعدة تبعد نحو 70 كيلومترًا عن الحدود التركية، ولم تكن تُستخدم منذ فترة طويلة كمطار عسكري نشط. وأظهر الهجوم أن إسرائيل قادرة على استهداف قدرة عسكرية قائمة. كما أصبحت قدرة يجري إعادة بنائها هدفًا أيضًا.

لكن لهذا النهج كلفة استراتيجية.

فإذا اعتبرت دولة ما القدرة التي قد يمتلكها الطرف الآخر مستقبلًا تهديدًا منذ اليوم، فقد تضطر إلى التدخل باستمرار لمنع تشكل تلك القدرة. وهكذا تتحول السياسة الأمنية من القضاء على التهديدات القائمة إلى قمع الاحتمالات المستقبلية.

فما معنى أبو الظهور بالنسبة إلى تركيا؟

قد تقرأ إسرائيل وجود تركيا في سوريا باعتباره تهديدًا عسكريًا. لكن بالنظر إلى الأبعاد الاقتصادية والدبلوماسية والمؤسسية للعلاقة التي أقامتها تركيا مع دمشق، لا يبدو ممكنًا الحد من هذا النفوذ باستخدام الأدوات العسكرية وحدها.

كما أن المشهد الدبلوماسي الذي ظهر بعد الهجوم يوضح ذلك. فقد بدأت واشنطن مبادرة لإنشاء آلية لخفض التصعيد تحول دون سوء الفهم بين تركيا وإسرائيل وسوريا. وكان هذا هو المجال ذو الأولوية الذي لفتنا الانتباه إليه أيضًا. كما أجريت محادثات أمنية جديدة بين دمشق وتل أبيب بوساطة أمريكية. وجرى خلال هذه المحادثات بحث منع انتقال التوتر بين إسرائيل وتركيا إلى سوريا أيضًا.

هذا التطور مهم. لأن القوة العسكرية لا تكفي لتمكين الأطراف في المنطقة من إقصاء بعضها بعضًا بشكل كامل. وكلما ازدادت القوة، ازدادت الحاجة إلى التواصل أيضًا.

ولهذا فإن أبو الظهور ليس مجرد غارة جوية. إنه مثال على مواجهة التصور الأمني الإسرائيلي لمستقبل سوريا مع دور تركيا في إعادة بناء سوريا.

قد يفسر إدراك إسرائيل للتهديد أسباب الهجوم. لكن هذا الإدراك لا يؤدي تلقائيًا إلى أن يكون الهجوم مشروعًا.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فإذا كانت إسرائيل ترى أن تطوير سوريا لقدراتها الدفاعية يمثل تهديدًا، فإن التدخلات الإسرائيلية قد تزيد من المخاوف الأمنية السورية أكثر. كما أن دور تركيا في سوريا قد يعمق حالة انعدام الثقة المتبادلة هذه.

وفي نهاية المطاف، فإن ما يظهر في أبو الظهور ليس مجرد تنافس عسكري بسيط بين دولتين. فمن جهة هناك مفهوم أمني إسرائيلي يقوم على الحفاظ على حرية الحركة المطلقة. ومن جهة أخرى توجد مساعي سوريا لاستعادة قدرتها كدولة، وتركيا التي تدعم هذه المساعي.

وأكبر خطر في هذه المعادلة هو أن يبدأ الطرفان في قراءة الإجراءات الدفاعية لبعضهما بعضًا باعتبارها استعدادًا لشن هجوم.

ولعل هذا هو بالضبط ما يقوله لنا أبو الظهور: أحيانًا يبدأ خطر الحرب، قبل وقوع هجوم حقيقي، في إدراك التهديد المرتبط بما قد يفعله الطرف الآخر في المستقبل.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس