كيرم ألكين - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

في نهاية الأسبوع الماضي في جاكسون هول، كان «نظام النقد من الجيل الجديد»، الذي يشكل الموضوع الرئيسي للنقاش بين البنوك المركزية في العالم، موضع نقاش مكثف أيضًا من جانب جميع الأطراف المعنية بالأسواق المالية الدولية والفاعلين في الاقتصاد العالمي. وتتجه الأنظار إلى العملات المستقرة، والعملات الرقمية للبنوك المركزية، والترميز، وكيف سيعمل الذكاء الاصطناعي على تحويل النظام المالي. لكننا، في الوقت نفسه، نشهد أيضًا تحولًا هادئًا لأداة نقدية أقدم بكثير، هي «الذهب». وبينما يتحول النظام النقدي في القرن الحادي والعشرين إلى نظام رقمي، لا يُدفن الذهب في الماضي، بل على العكس، يجد لنفسه «مهمة» جديدة داخل النظام الرقمي الجديد.

وتُعد الخطوة الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي الهولندي (DNB) أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فقد نقل البنك نحو 86 طنًا من احتياطياته الموجودة في الولايات المتحدة وكندا إلى لندن. والمبرر هو الاستعداد للأزمات القائمة على الاضطرابات الجيوسياسية، وتعزيز القدرة على تداول الذهب. والأكثر لفتًا للانتباه هو تعريف البنك المركزي الهولندي للذهب بأنه «أصل الاحتياطي النهائي» و«مرساة الثقة». أما الصين، فتتبع منذ فترة طويلة استراتيجية أكثر شمولًا بكثير. فقد اشترى البنك المركزي الصيني في يوليو/تموز نحو 20 طنًا إضافيًا من الذهب، في إطار عملية بدأ بتسريعها تدريجيًا منذ فترة تفشي الوباء العالمي واندلاع الحرب في أوكرانيا. وبذلك وصلت سلسلة الشراء المتواصل إلى 21 شهرًا. بل نلاحظ أن وتيرة المشتريات تسارعت خلال الأشهر الأخيرة.

كما أن الزيادة الاستثنائية في واردات الصين من الذهب تشير إلى حدوث حركة في حيازة الذهب تتجاوز الاحتياطيات الرسمية. وتُظهر حسابات براد سيتسر، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، وأحد كبار المسؤولين السابقين في الاقتصاد الدولي بوزارة الخزانة الأمريكية، أن واردات الصين من الذهب بلغت 146 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026 وحده؛ كما أن حجم واردات الذهب في الربع الثاني يعادل 1.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للصين. وسيكون من الخطأ قراءة هذا الاستعداد الصيني القائم على «الذهب» ببساطة من خلال اختزاله في عبارة «إنها تبيع الدولار وتشتري الذهب».

وبهذه الاستراتيجية، تعمل بكين من جهة على التحكم في قيمة الرنمينبي، ومن جهة أخرى على إدارة فائضها التجاري الخارجي الضخم. ولهذا الغرض، تبقي المؤسسات المالية الحكومية منخرطة في العملية، وتزيد احتياطياتها من الذهب، كما تعمل في الوقت نفسه على تعميق بنيتها التحتية المالية الخاصة. ويذهب أحدث بحث لسيتسر إلى أن البيانات الرسمية الصينية قد تُظهر الحجم الحقيقي للفائض التجاري الخارجي بأقل من مستواه الفعلي، وأن قيمة الرنمينبي قد تكون أقل بنحو 30 بالمئة تقريبًا من المستوى الذي ينبغي أن تكون عليه. وتقودنا كل هذه المؤشرات والبيانات والتحليلات إلى المنافسة الكبرى في نظام النقد من الجيل الجديد.

يمكننا القول إن استراتيجيتين منفصلتين لـ«النقد الجديد» بدأتا تتبلوران أمامنا. فالطريق الأمريكي يمر عبر «السندات الرقمية». وقد يؤدي نمو العملات المستقرة المقومة بالدولار، والسندات الأمريكية المرمزة، والبنية التحتية للتمويل الرقمي التي تعمل على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، إلى إنشاء قناة طلب جديدة وعالمية على سوق السندات. ووفقًا لصندوق النقد الدولي، وصلت احتياطيات العملات المستقرة بالفعل إلى مستوى يجعلها تحتفظ بنحو 2 بالمئة من سندات الخزانة الأمريكية المتداولة. وفي حال وصول سوق العملات المستقرة إلى تريليونات الدولارات، فقد تصبح هذه الصلة أقوى بكثير. وهكذا تستعد واشنطن لنقل سندات الحكومة، التي كانت أداة ورافعة مالية مهمة بالنسبة إليها في القرن العشرين، إلى «جيوب العالم» باستخدام التكنولوجيا الرقمية للقرن الحادي والعشرين.

أما استراتيجية الصين، فتسير في اتجاه مختلف يمكننا أن نطلق عليه «السيادة المدعومة بالذهب». ولا تعني عبارة «المدعومة بالذهب» هنا العودة إلى معيار الذهب. وإنما تشير إلى تعزيز تنوع الاحتياطيات الكامن وراء الرنمينبي، وأنظمة الدفع التي تسعى الصين إلى تعميقها بسرعة، وسيادتها المالية. وهنا تحديدًا تتغير «مهمة» الذهب. فقد كان الذهب مرساة للنقود في عالم بريتون وودز. وفي عصر النقد النيوليبرالي، تحول إلى احتياطي وتأمين ضد الأزمات. أما في نظام النقد من الجيل الجديد، فإنه يبرز باعتباره «طبقة ثقة سيادية» لا تحمل مخاطر ائتمانية، وليست دينًا على دولة أخرى، ولا تستند إلى التزام من طرف مقابل. ولذلك، فإن صعود الذهب بالتزامن مع التحول الرقمي لا يتعارض مع أحدهما الآخر؛ بل على العكس، إنهما يكملان بعضهما بعضًا.

ستكون العملات المستقرة والترميز وشبكات الدفع الرقمية في «الطبقة العليا» من النظام الجديد. وستوجد في «الطبقة الوسطى» السندات الحكومية والأصول المالية السائلة. أما في الطبقة الأدنى، فستبقى الحاجة الأساسية للنظام؛ وهي «الثقة». وتستعد الولايات المتحدة لإعادة إنتاج هذه الثقة من خلال رقمنة الدولار والسندات. بينما تعمل الصين على تعزيز سيادتها النقدية من خلال الذهب والبنية التحتية المالية البديلة. أما البنوك المركزية الأوروبية، فتُعيد حساب إمكانية الوصول إلى الذهب في أوقات الأزمات. النقد الجديد يتحول إلى النظام الرقمي؛ أما الذهب، فيستعد ليكون «احتياطي الثقة» في هذا العالم الجديد.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس