
ترك برس
على امتداد المرتفعات والوديان التي تزين شمال شرقي تركيا، تبدو ولاية غوموشهانه وكأنها متحف مفتوح تتجاور فيه طبقات التاريخ مع روعة الطبيعة. ففي هذه المنطقة التي احتفظت بموقع مهم على طرق التجارة القديمة، تتعانق القلاع والكنائس والأديرة والمساجد والبيوت التاريخية مع الكهوف والوديان والبحيرات والجبال، لتقدم للزائر صورة غنية عن قرون طويلة من التفاعل الحضاري والإنساني في الأناضول.
وتتميز غوموشهانه، الواقعة في منطقة البحر الأسود الشرقية، بتنوع استثنائي في معالمها؛ إذ يمكن للزائر خلال رحلة واحدة الانتقال من بقايا مدينة رومانية قديمة إلى مستوطنات تاريخية تعود إلى العصور الوسطى، ومن بوابات القلاع الحجرية إلى عمارة المساجد العثمانية، قبل أن يجد نفسه أمام مشهد طبيعي مختلف تماما في أعماق كهف أو على ضفاف بحيرة جبلية.
سانتا.. مدينة يونانية قديمة بين واديين
من أبرز المواقع التاريخية في الولاية أطلال سانتا، الواقعة في قرية دومانلي على بعد نحو 90 كيلومترا من مركز غوموشهانه.
وتعود بدايات الاستيطان في سانتا إلى العصور الوسطى، فيما شهدت المنطقة أوج ازدهارها خلال القرن التاسع عشر، عندما كان يعيش فيها نحو 5 آلاف شخص. وكانت المستوطنة تتألف من سبع حارات وأكثر من 300 مبنى، بينها عدد من الكنائس التي توزعت على أحيائها.
ومن بين الحارات التاريخية التي لا تزال تحمل أسماءها: بيناتلي، وترزيلي، وزورناجيلي، وبيشتوفلو، وإيشهانلي، وتشينغانلي، وتشاكالي.
وتمنح أطلال سانتا الزائر فرصة للتجول في فضاء تاريخي تحيط به الطبيعة الجبلية، حيث تختلط بقايا المباني الحجرية والكنائس مع الوديان والمنحدرات، في مشهد يعكس طبيعة المستوطنات القديمة في منطقة البحر الأسود.
ساتالا.. آثار مدينة رومانية على طريق التاريخ
وفي قضاء كيلكيت تقع مدينة ساتالا الأثرية، التي ارتبط تاريخها بالحضور الروماني في الأناضول.
وتشير اللقى الأثرية، ومنها قطع من الطوب تحمل شعار الفيلق الروماني الخامس عشر «أبولويناريس»، إلى الأهمية العسكرية التي اكتسبتها المنطقة. كما وصف المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس ساتالا بأنها مدينة أقيمت في سهل تحيط به التلال.
وقد تطورت المدينة حول معسكر للفيلق الروماني، وتحولت خلال العهد الإمبراطوري إلى مركز مهم للثقافة اللاتينية. كما تشير المصادر إلى أن أسوارها خضعت للإصلاح خلال عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان.
ولا تزال بعض آثار المدينة قابلة للمشاهدة، وفي مقدمتها قلعة ساتالا والقنوات المائية وبقايا المنشآت القديمة، لتقدم لمحة عن مرحلة كان فيها هذا الموقع جزءا من شبكة عسكرية وحضرية واسعة للإمبراطورية الرومانية.
وادي كروم.. آثار على طريق الحرير
ويعد وادي كروم من أبرز الوجهات التاريخية في غوموشهانه، ليس فقط بسبب طبيعته الجبلية، وإنما أيضا لما يختزنه من تراث ديني ومعماري.
فقد كان الوادي جزءا من مسارات طريق الحرير التاريخي، ويضم عشرات الأديرة والكنائس، فضلا عن مبان تاريخية يرجع بعضها إلى نحو ثلاثة قرون.
ويعود بقاء جانب كبير من هذا التراث إلى التسامح الذي أتاح لسكان المنطقة الحفاظ على أماكنهم الدينية خلال العهد العثماني. وبعد فتح طرابزون عام 1461، دخلت المنطقة مرحلة جديدة استمرت خلالها الحياة الدينية والثقافية للسكان، وشُيد عدد من الكنائس القائمة حاليا في تلك الحقبة.
وهكذا تحول وادي كروم إلى سجل معماري مفتوح يحكي عن التنوع الديني والثقافي الذي عرفته منطقة شرق البحر الأسود عبر قرون.
قلاع تراقب الوديان
ولا تكتمل صورة غوموشهانه التاريخية من دون قلاعها التي تنتشر فوق المرتفعات والمواقع الاستراتيجية.
وتقع قلعة كوف داخل حدود قرية إسنيورت بالقرب من مركز الولاية، وقد شُيدت فوق تل يشرف على المنطقة. وتتألف القلعة من قسمين، داخلي وخارجي، وتتميز بأسوار يبلغ سمكها نحو متر ونصف، فيما تدعم أبراجٌ مخططها المستطيل.
وبُنيت القلعة من الحجارة غير المشذبة، ويُعتقد أيضا بوجود مدينة قديمة في المنطقة المحيطة بها. ويبدو البناء، المنسجم مع الكتلة الصخرية التي أقيم عليها، وكأنه امتداد طبيعي للتضاريس الجبلية.
أما قلعة كاليجيك، الواقعة ضمن حدود قريتي كاليجيك وإشيك في قضاء تورول، فتنتصب فوق مرتفع صخري يهيمن على المنطقة. وتلفت الأنظار فيها الجدران التي استخدمت فيها عوارض خشبية ضمن البناء الحجري، إلى جانب الجدران الاستنادية الممتدة من القلعة، والتي تقدم نموذجا لأساليب البناء بالحجارة في المنطقة.
من الكنائس إلى المساجد
ويعكس التراث الديني في غوموشهانه التعدد التاريخي للحضارات والمجتمعات التي عاشت في المنطقة.
ومن أبرز المعالم جامع السلطان سليمان خان في حي سليمانية، المعروف باسم غوموشهانه القديمة. وتشير الرواية التاريخية إلى أن المسجد شُيد بأمر من السلطان العثماني سليمان القانوني خلال حملته على بغداد.
وقد خضع المسجد لعمليات ترميم متعددة على مر السنين، وهو مبنى مستطيل المخطط يتكون من ثلاثة أروقة تمتد عموديا أمام المحراب، وتغطيها أسقف محمولة على أعمدة خشبية. أما مئذنته، ذات الشرفة الواحدة والجسم الأسطواني السميك، فهي الجزء الأصلي الوحيد الذي لم يخضع للتغيير.
وفي قرية كاباكوي يقع جامع آيا صوفيا، وهو أحد المباني التي كانت تستخدم أصلا ككنيسة قبل تحويلها إلى مسجد. وتحتفظ جدرانه الجنوبية بعلامات صليبية يونانية محفورة في الحجر، بينما توجد إلى الشمال الشرقي من المبنى نافورة تاريخية يرجح أن تعود إلى القرن التاسع عشر.
دير إيميرا.. شاهد على العمارة الدينية
وفي قرية أولوجاك، المعروفة أيضا باسم إيميرا، يقع دير وكنيسة إيميرا على مسافة تقارب 36 كيلومترا من مركز الولاية.
وتشير المصادر إلى أن الكنيسة شُيدت عام 1740، وأحيطت بجدران مرتفعة، فيما أضيفت أماكن الإقامة عام 1827. كما توضح الكتابة الموجودة على المبنى أنه جرى ترميم الدير عام 1859 على يد الرئيسة الدينية روكسان.
ويتميز المبنى باستخدام الحجر المشذب والحجر غير المشذب في البناء، فيما تحمل واجهته الجنوبية نوافذ ذات تيجان مقوسة، تتزين إحداها بزخارف تصور ملاكا ونسرًا ذا رأسين، وهو أحد الرموز البارزة في الفن المعماري بالمنطقة.
أما دير مريم العذراء «باناغيا ثيوتوكس»، فيقع في وادي قرية بيوك تشيت التابعة لقضاء تورول، على منحدر بمحاذاة مجرى تشيت. وتحيط بالدير جدران مرتفعة، وتختلف المصادر حول تاريخ تأسيسه، إذ يرجع بعضها إنشاءه إلى عام 890، فيما يرده آخرون إلى عام 900، على يد ثلاثة رهبان تكريما لمريم العذراء.
وأعيد بناء الكنيسة في عام 1830، واستخدمت مدرسة في سبعينيات القرن التاسع عشر، كما شهدت عمليات ترميم خلال القرن التاسع عشر.
كنائس تحمل ذاكرة قرون
وتضم غوموشهانه أيضا مجموعة أخرى من المباني الدينية التاريخية، بينها كنيسة أيدينلار في قرية أتالر بقضاء تورول، التي بقيت إلى حد كبير في حالة جيدة، وتتميز بجدرانها الحجرية ورسومها الجدارية المنفذة بتقنية الفريسكو، إضافة إلى العوارض الأصلية التي تربط أعمدتها.
كما توجد كنيسة دير هوتورا هاغيوس، التي تضم ديرا وكنيسة ومصلى ومبان أخرى، وإن كانت قد وصلت إلى يومنا هذا في حالة متضررة نسبيا. وتشير الكتابات التاريخية إلى أن الكنيسة شيدها أمير طرابزون ألكسيوس كومنينوس في النصف الأول من القرن الرابع عشر، ثم خضعت لعمليات ترميم في فترات مختلفة، بينها عام 1509 وعام 1624، وكذلك خلال عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.
وتضم الولاية كذلك عددا من الكنائس التاريخية الأخرى، مثل كنيسة القديس ثيودوروس، وكنيسة هاغيوس جورجيوس المطرانية، وكنيسة دير هاغيوس يوحنا، وكنيسة هاغيوس ستيفانوس، وكنيسة مريم العذراء، وكنيسة حي سيهاناندون.
كاراجا.. قصر تحت الأرض
وإذا كانت آثار غوموشهانه تروي تاريخ الإنسان، فإن كهف كاراجا يقدم الوجه الطبيعي الساحر للولاية.
يقع الكهف على ارتفاع نحو 1550 مترا فوق سطح البحر، وتطور داخل كتلة من الحجر الجيري كثيرة التشققات تحيط بها تكوينات بركانية. ولا يبدو المكان، بالنسبة إلى زائره، مجرد كهف تقليدي، بل أشبه بقصر طبيعي تحت الأرض.
ففي داخله تتشكل الهوابط والصواعد بألوان وأشكال متعددة، إلى جانب الجدران ذات النقوش الشبيهة بأنابيب الأرغن، والتكوينات التي تشبه الأعلام والستائر، والزهور واللآلئ الكهفية، وبرك الترافرتين والمدرجات والأعمدة والتكوينات التي تشبه الورود.
ويتكون الكهف من أربع قاعات رئيسية متصلة ببعضها، وتمتد بنيته أفقيا في شكل قريب من البيضاوي. ويبلغ طول المسافة من المدخل إلى أبعد نقطة نحو 105 أمتار، بينما يصل ارتفاع السقف إلى 18 مترا.
كما يتميز الكهف بظروف مناخية طبيعية جعلت هواءه موضع اهتمام الزوار، إذ يوفر بيئة باردة ومريحة، ويُشار إلى فائدتها خصوصا للأشخاص الذين يعانون من مشكلات تنفسية، دون أن يحل ذلك محل الرعاية الطبية.
قصور غوموشهانه.. ذاكرة الحياة اليومية
ولا تقتصر ثروة الولاية على القلاع والأديرة والآثار القديمة، إذ تحتفظ قصور غوموشهانه التاريخية بجانب مهم من الحياة الاجتماعية والمعمارية في المنطقة.
وتتميز هذه المنازل، التي شُيد العديد منها في حدائق واسعة وعلى ثلاثة طوابق، باستخدام الحجر المحلي والخشب، فيما صممت واجهاتها بما يتناسب مع الظروف الجغرافية والمناخية، وجاءت تصميماتها الداخلية أكثر ارتباطا بالحاجات العملية للسكان.
ومن بين القصور التي جرى ترميمها قصور باليمز وحسن فهمي أتاچ وزكي قادر بي أوغلو. وتمثل هذه المباني جسرا بين الماضي والحاضر، إذ تكشف تفاصيلها عن تأثير الطبيعة والمعتقدات والعادات والتقاليد والثقافة المحلية في العمارة السكنية.
وتقدم غرف قرية ساري تشيتشك مثالا آخر على هذا التراث؛ إذ تقع الغرف في مركز القرية متقاربة المسافات، وتحافظ على زخارفها الأصلية إلى حد كبير. وتلفت فيها عناصر مثل الأرائك والأسقف والخزائن والمواقد وأركان القهوة، فيما استخدم خشب الصنوبر الأصفر المتوافر بكثرة في المنطقة في تصميم الأسقف والزخارف.
وتحمل زخارف الغرف ملامح من الطرازين الباروكي والروكوكو، مع أغصان ملتوية ونقوش نباتية شديدة التكوين، ما يجعلها وثيقة حية عن الذوق الفني السائد في مرحلة بنائها.
سليمانية.. غوموشهانه القديمة
وفي جنوب غربي مركز المدينة، على مسافة نحو أربعة كيلومترات، يقع حي سليمانية، المعروف باسم «غوموشهانه القديمة»، وهو من أكثر المواقع التي تختصر تاريخ الولاية.
واكتسبت المنطقة أهميتها من ثرواتها من الذهب والفضة ومن موقعها على طريق الحرير، وتعاقبت عليها حضارات ودول عديدة، من الآشوريين والأورارتيين والميديين والفرس والمقدونيين ومملكة بونتوس إلى الرومان والأمويين والسلاجقة والعثمانيين.
وفي عام 1461، أصبحت المنطقة تحت الحكم العثماني عقب فتح السلطان محمد الفاتح لطرابزون وإنهاء وجود مملكة طرابزون الرومية، لتدخل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي والثقافي.
وتبقى سليمانية اليوم واحدة من أهم المناطق التي يمكن من خلالها قراءة تاريخ غوموشهانه، إذ تتجاور فيها الآثار والمباني الدينية والتاريخية مع طبيعة المدينة القديمة.
تشاكيرغول.. الطبيعة في أربعة فصول
وبعيدا عن التاريخ، تقدم غوموشهانه لعشاق الطبيعة وجهة مختلفة في تشاكيرغول، الواقعة في المناطق المرتفعة من الولاية.
وتتغير ملامح المنطقة على مدار العام؛ ففي الشتاء تتحول إلى وجهة لمحبي الرياضات الشتوية بفضل مركز تشاكيرغول للتزلج، بينما تكتسي الجبال والمرتفعات بالثلوج وتفتح أمام الزائر مشاهد واسعة للطبيعة.
أما في الربيع والصيف، فتتحول المنطقة إلى ملاذ لمحبي الهواء النقي والمشي في الطبيعة، حيث المناخ البارد نسبيا والمناظر الجبلية والمساحات المفتوحة التي تمنح الزائر فرصة للابتعاد عن صخب المدن.
وبين أطلال سانتا ومدينة ساتالا، ووادي كروم وقلاع كوف وكاليجيك، والمساجد والكنائس والأديرة التاريخية، وكهف كاراجا وقصور غوموشهانه، وصولا إلى مرتفعات تشاكيرغول، تقدم غوموشهانه نفسها كوجهة تجمع في مساحة واحدة وجوها متعددة للأناضول.
إنها ولاية يمكن قراءة تاريخها في حجارتها، واستشعار ثقافتها في عمارتها، واكتشاف طبيعتها في جبالها ووديانها وكهوفها؛ ولذلك فإن زيارة غوموشهانه لا تبدو مجرد رحلة إلى موقع سياحي، بل جولة عبر طبقات متعاقبة من تاريخ الأناضول وطبيعته.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











