
ترك برس
على الساحل الجنوبي الغربي لولاية أنطاليا التركية، حيث يلتقي نهر كوكارتشاي (الأندريوس قديماً) بالبحر المتوسط، تقع أطلال أندرياكه، الميناء الرئيسي لمدينة ميرا العتيقة في منطقة ديمري. لم تكن أندرياكه مجرد مرسى للسفن، بل مركزاً لوجستياً وتجارياً حيوياً في حضارة ليكيا، وواحدة من أهم الموانئ في شرق المتوسط خلال العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية المبكرة.
هنا كانت السفن المحملة بالقمح والزيت والنبيذ ترسو، وهنا بني الإمبراطور هادريان أحد أكبر مخازن الحبوب الإمبراطورية التي لا تزال قائمة حتى اليوم. واليوم، بعد أعمال الترميم والتنظيم، تحول الموقع إلى متحف مفتوح يروي قصة التجارة البحرية والحضارة الليكيانية بجمال أخاذ يجمع بين التاريخ والطبيعة.
تُعد أندرياكه الميناء الثالث أهمية في ليكيا بعد فاسيليس وباتارا. وقد حافظ الميناء على وظيفته حتى القرن السابع الميلادي، قبل أن يتحول تدريجياً إلى مستنقع بسبب الرواسب النهرية وانقطع اتصاله بالبحر. ومع ذلك، بقيت آثاره شاهدة على ازدهاره، خاصة مخزن الحبوب الضخم (الغراناريوم أو هوريا هادرياني) الذي بُني في عهد الإمبراطور هادريان (حوالي 129-130 م).
يتميز هذا المبنى بأبعاده الكبيرة وغرف التخزين المتعددة، وقد تحول اليوم إلى متحف حضارات ليكيا، حيث تعرض قطع أثرية تروي تاريخ المنطقة من المقابر الصخرية إلى التجارة والفنون والحياة اليومية.
ضمن مشروع «مركز استقبال الزوار وتنظيم مسار الزيارة» الذي أقرته المديرية العامة للآثار والمتاحف التابعة لوزارة الثقافة والسياحة، أُجريت بين عامي 2012 و2014 أعمال ترميم شاملة للمنشآت في الحي الجنوبي من المدينة المينائية.
شملت هذه الأعمال الأغورا (بلاکوما)، والصهاريج، ومخزن الحبوب، والحمامات، والكنائس، والكنيس اليهودي، ومنشآت الميناء الأخرى والنصب التذكارية. وأُنشئت ممرات زيارة مريحة من الخشب والحجر الجرانيت لا تضر بطابع الموقع، توجه الزائر من مركز الاستقبال حتى مخزن الحبوب في نهايته.
يضم مركز الاستقبال لوحة معلوماتية عن الموقع ومساره، بالإضافة إلى صالة عرض تقدم معلومات عن حضارة ليكيا ودور أندرياكه كميناء تجاري بحري مهم، مع مواد بصرية ومطبوعة عن الملاحة والسفن من العصور القديمة حتى اليوم.
كما أُنشئ شرفة لمراقبة الطيور تطل على نهر كوكارتشاي ومنطقة المستنقع الشمالية، التي تشكل جزءاً منها موقعاً أثرياً من الدرجة الأولى وجزءاً آخر محمية طبيعية تضم جنة للطيور. وتوفر ساحات الجلوس أمام مخزن الحبوب فرصة للراحة ومشاهدة هذا المشهد الطبيعي الفريد.
على الرصيف القديم غير المستخدم اليوم، وُضع مجسم لسفينة تجارية قديمة تظهر نقل الزيت والنبيذ في الأمفورات، بينما تُعرض في الساحة أمام الغراناريوم أدوات رفع قديمة وقوارب قيد البناء ومواد ملاحية، مما يعزز طابع الموقع كمتحف مفتوح. ويوفر الموقع مواقف واسعة للحافلات والسيارات، بالإضافة إلى كافيتيريا ودورات مياه لخدمة الزوار.
يُذكر أن الموقع مغلق حالياً أمام الزوار منذ 17 شباط/فبراير 2025 بسبب أعمال العرض والتنظيم وتنسيق الحدائق، وسيُعاد افتتاحه بعد اكتمال هذه الأعمال. وتأتي أندرياكه ضمن قائمة المواقع المقترحة لإدراج «مدن حضارة ليكيا القديمة» في قائمة التراث العالمي لليونسكو، مما يؤكد أهميتها التاريخية والحضارية.
بفضل الترميمات والعروض الحية والمعلومات الإرشادية، تحولت أندرياكه إلى وجهة تجمع بين استكشاف الآثار الرومانية والبيزنطية والتمتع بالطبيعة المحيطة، لتبقى شاهداً حياً على عظمة الموانئ الليكيانية ودورها في التجارة المتوسطية القديمة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











