
ترك برس
في قلب أنطاليا، المدينة المتوسطية التي تجمع بين زرقة البحر وامتداد جبال طوروس وآثار الحضارات المتعاقبة، يقف منزل أتاتورك ومتحفه شاهداً على صفحة خاصة من تاريخ الجمهورية التركية، حين حلّ مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك ضيفاً على المدينة، فاستقبله أهلها بحفاوة استثنائية، وجهزوا له منزلاً خصصته الولاية لإقامته، قبل أن يتحول المكان بعد عقود إلى متحف يحفظ تفاصيل تلك الزيارة وذكرياتها.
ولا تكمن أهمية المتحف في المبنى وحده، بل في القصة التي يحملها؛ قصة مدينة أرادت أن تستقبل قائد الجمهورية الناشئة بما يليق به، ورجل دولة وجد في أنطاليا، بطبيعتها ومناخها وآثارها، مكاناً للراحة والتأمل والاطلاع على أحوال البلاد.
ويعود ارتباط المنزل بأتاتورك إلى زيارته الأولى لأنطاليا في 6 مارس/آذار 1930، حين وصل إلى المدينة في إطار جولة داخلية شملت عدداً من مناطق غرب وجنوب تركيا. وتذكر مديرية الثقافة والسياحة في أنطاليا أن أتاتورك كان في إزمير مطلع مارس من ذلك العام، وكان الطقس بارداً، فقرر قضاء فترة من الراحة في مناخ أنطاليا الدافئ.
رحلة إلى أنطاليا وسط استقبال شعبي واسع
غادر أتاتورك إزمير في 4 مارس/آذار 1930 متوجهاً بالقطار إلى أيدين، ووصل إلى دنيزلي في اليوم التالي، قبل أن يواصل رحلته عبر إسبرطة وبوردور وصولاً إلى أنطاليا بعد ظهر 6 مارس، نحو الساعة الرابعة.
وكان خبر وصوله قد سبق موكبه إلى المدينة، فاستعد سكان أنطاليا لاستقباله بطريقة عكست حجم مكانته في وجدانهم. وتذكر المصادر الرسمية التركية أن الشوارع أضيئت ونظفت، وأقيمت أقواس النصر في عدة مواقع، واصطف السكان على جانبي الطريق منذ منطقة كيبيز وحتى المدينة لاستقبال الزعيم التركي.
وكان القصر التابع للولاية، الذي أصبح لاحقاً نواة متحف أتاتورك، قد خصص لإقامته. وتروي المصادر المحلية أن أهالي أنطاليا تعاونوا خلال فترة قصيرة على تنظيف المنزل وتجهيزه وتأثيثه بصورة بسيطة، استعداداً لاستقبال الضيف الذي كانت زيارته حدثاً استثنائياً بالنسبة للمدينة.
وهكذا لم يكن المنزل مجرد مقر رسمي لإقامة رئيس الجمهورية، وإنما أصبح رمزاً للعلاقة التي نشأت بين أتاتورك وأنطاليا، وهي علاقة انعكست لاحقاً في استمرار تخليد زيارته وتحويل المكان إلى متحف.
أتاتورك وأنطاليا.. إعجاب بالطبيعة والتاريخ
خلال زيارته الأولى، لم تقتصر اهتمامات أتاتورك على الاستراحة، بل أبدى اهتماماً واضحاً بتاريخ المنطقة وآثارها وطبيعتها.
ومن أبرز محطات تلك الزيارة توجهه إلى مسرح أسبندوس القديم في منطقة سيريك، حيث زار المسرح الأثري في 9 مارس/آذار 1930، واطلع على تفاصيله برفقة مدير متحف أنطاليا آنذاك سليمان فكري بك. وتشير المصادر الرسمية إلى أن أتاتورك أبدى اهتماماً كبيراً بالمسرح وبالحفاظ عليه، وأصدر توجيهات بترميمه وفتحه أمام الزوار.
كما زار خلال إقامته مواقع أخرى واطلع على أنشطة زراعية في المنطقة، في إطار اهتمامه الذي كان يتجاوز الشؤون السياسية إلى قضايا التنمية والاقتصاد والثقافة وحماية التراث.
وفي 10 مارس/آذار، قضى أتاتورك وقتاً في القصر وهو يطالع عدداً من المخطوطات التاريخية ونسخة من القرآن الكريم أُحضرت إليه من متحف أنطاليا.
وتشير بوابة الثقافة التركية إلى أن أتاتورك، خلال جولته في أنطاليا، شاهد البحر والشواطئ وسلسلة جبال باي داغلاري المغطاة بالثلوج من منطقة إيرن كوش على طريق لارا، ونُسب إليه قوله الشهير في وصف المدينة: "لا شك أن أنطاليا أجمل مكان على وجه الأرض."
ثلاث زيارات تركت أثراً في المدينة
لم تكن زيارة عام 1930 الوحيدة لأتاتورك إلى أنطاليا، فقد عاد إليها لاحقاً، وكانت له ثلاث زيارات للمدينة وفق المصادر الثقافية الرسمية التركية.
أما الزيارة الثانية فجاءت في إطار جولة داخلية عام 1931، إذ وصل أتاتورك إلى أنطاليا في 10 فبراير/شباط من ذلك العام على متن سفينة "إيغه"، ثم أجرى عدداً من الزيارات والتفقدات في المدينة.
وتؤكد دائرة المعارف الخاصة بأتاتورك أن المنزل الذي أصبح المتحف كان المكان الذي استضافه خلال زيارتيه في عامي 1930 و1935، وهو ما يعكس استمرار ارتباط المكان برحلاته إلى أنطاليا.
وأصبحت ذكرى وصول أتاتورك إلى أنطاليا في السادس من مارس مناسبة سنوية في المدينة، حيث تقام مراسم لإحياء ذكرى الزيارة واستحضار العلاقة التاريخية بين أتاتورك وأهالي أنطاليا.
منزل من الحجر والطوب يحفظ ذاكرة الجمهورية
يعود تاريخ المبنى الأصلي إلى أوائل القرن العشرين، وهو مبنى مؤلف من طابقين، شُيد بجدران من الحجر والطوب، ويعلوه سقف مائل مغطى بالقرميد.
وكان المبنى في الأصل تابعاً للولاية واستخدم لفترة كمقر حكومي، قبل أن يصبح المكان المخصص لإقامة أتاتورك أثناء زياراته إلى أنطاليا.
ويتكون المنزل من طابقين؛ ففي الطابق الأرضي يوجد مدخل طويل يؤدي إلى عدد من الغرف، بينها صالون وغرف للنوم والحمام والمطبخ، فيما يضم الطابق العلوي عدة غرف، من بينها غرفة ذات شرفة، وهي الغرفة المرتبطة بإقامة أتاتورك في المنزل. وتؤكد وزارة الثقافة والسياحة التركية أن أتاتورك أقام في الغرفة العلوية ذات الشرفة.
غير أن المبنى الذي يراه الزائر اليوم ليس البناء الأصلي بحذافيره.
فبعد وفاة أتاتورك انتقلت ملكية المنزل إلى الإدارة الخاصة، واستخدم منذ عام 1939 مقراً لمدرسة الفنون للبنات ومعهد للفتيات، ثم انتقل في عام 1952 إلى وزارة الزراعة، واستخدم لاحقاً مكاتب لمديرية الزراعة الفنية.
وفي عام 1984 خُصص المبنى لوزارة الثقافة، لكن تطبيق مخطط عمراني جديد في المدينة جعل موقعه الأصلي ضمن مسار الطريق، فتم هدمه. وبعد ذلك أعادت شركة كيبيز للكهرباء بناء نسخة مطابقة للمبنى، مع إزاحتها قليلاً عن موقعه السابق، ليبدأ المبنى الجديد في عام 1986 عمله متحفاً باسم منزل أتاتورك ومتحف أنطاليا.
من منزل للضيافة إلى متحف للذاكرة الوطنية
منذ افتتاحه متحفاً، أصبح المبنى مساحة لاستعادة تفاصيل حياة أتاتورك وعلاقته بأنطاليا، من خلال الصور والوثائق والأغراض الشخصية والمواد الصحفية المرتبطة بزياراته.
ويضم الطابق الأرضي معرضاً للصور وقصاصات الصحف التي تناولت زيارات أتاتورك إلى أنطاليا، إضافة إلى قاعة لعرض أفلام وثائقية حول أتاتورك والمدينة، إلى جانب بعض المساحات التي تعيد تقديم أجواء المنزل الذي أقام فيه.
أما الطابق العلوي، فيضم غرفة تعرض بعض مقتنيات أتاتورك الشخصية، إلى جانب غرف للعمل والنوم، وقسم خاص يعرض العملات المعدنية والورقية والطوابع والعملات التذكارية التي صدرت منذ تأسيس الجمهورية التركية وحتى فترات لاحقة.
وبذلك لا يروي المتحف قصة زيارة واحدة فحسب، بل يقدم للزائر نافذة على التحولات التي شهدتها تركيا منذ السنوات الأولى للجمهورية، من خلال الجمع بين مقتنيات أتاتورك والوثائق والصور والعملات التي تعكس مراحل مختلفة من تاريخ الدولة.
متحف في قلب أنطاليا السياحية
وتمنح خصوصية موقع المتحف قيمة إضافية؛ فهو يقع في حي هاشم إشجان، شارع فوزي تشاكماك، في منطقة مراد باشا بوسط أنطاليا، ما يجعله قريباً من قلب المدينة ومن مساراتها السياحية والثقافية. وتدرجه وزارة الثقافة والسياحة التركية ضمن مواقع السياحة الثقافية في المدينة.
ولا يأتي الزائر إلى المتحف بمعزل عن أنطاليا؛ فالمدينة نفسها تقدم طبقات متراكمة من التاريخ، من الحضارات القديمة ومسرح أسبندوس إلى آثار العهدين السلجوقي والعثماني، ثم إلى مرحلة الجمهورية الحديثة، وهو ما يجعل منزل أتاتورك جزءاً من مشهد تاريخي أوسع.
ومن هذه الزاوية، يمثل المتحف نقطة تلتقي فيها ذاكرة الجمهورية مع التراث الأثري والطبيعة المتوسطية التي جعلت أنطاليا واحدة من أبرز الوجهات السياحية في تركيا.
حين تصبح الزيارة جزءاً من ذاكرة مدينة
بعد مرور عقود على زيارة أتاتورك الأولى، لم يعد المنزل مجرد مبنى ارتبط بإقامة رئيس الجمهورية، بل تحول إلى مساحة تستعيد من خلالها أنطاليا جزءاً من ذاكرتها السياسية والاجتماعية والثقافية.
ففي كل عام، تستعيد المدينة يوم 6 مارس ذكرى وصول أتاتورك، بينما يواصل المتحف استقبال الزوار الراغبين في التعرف إلى تلك المرحلة من تاريخ الجمهورية. وتؤكد السلطات الثقافية التركية أن أهمية زيارات أتاتورك للمدينة لا تزال حاضرة في الذاكرة المحلية، ولذلك تحولت ذكرى وصوله إلى مناسبة سنوية.
وهكذا يقف منزل أتاتورك ومتحف أنطاليا اليوم شاهداً على أكثر من تسعة عقود من الذاكرة؛ مبنى تغيرت وظيفته وتبدلت ملامح المدينة من حوله، لكنه احتفظ بمهمته الأساسية: إبقاء قصة زيارة أتاتورك لأنطاليا حاضرة في الوعي العام.
ومن بين صور الزيارة القديمة، وقصاصات الصحف، والمقتنيات الشخصية، والعملات التي تعاقبت خلال عمر الجمهورية، يستطيع الزائر أن يقرأ قصة مدينة استقبلت مؤسس جمهوريتها بحفاوة، ورجل دولة تركت أنطاليا في ذاكرته انطباعاً جعله يصفها، في العبارة التي ارتبطت بها منذ ذلك الحين، بأنها واحدة من أجمل بقاع الأرض.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











