ترك برس

تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، الدلالات الثقافية والاجتماعية والسياسية لعودة الفنانة السورية أصالة نصري إلى دمشق بعد غياب دام نحو خمسة عشر عامًا، متوقفًا عند الحفل بوصفه ظاهرة تتجاوز البعد الفني إلى قضايا الهوية والانتماء والتدين والعلاقة بين المثقف والسلطة والمجتمع. 

يقرأ أويصال في مقاله بصحيفة الشرق القطرية عودة الفن إلى المجال العام باعتبارها جزءًا من مسار التعافي السوري بعد سنوات الحرب، مستعينًا بمفاهيم سوسيولوجية لدى أنطونيو غرامشي وابن خلدون وإميل دوركايم. 

كما يناقش الكاتب التركي التوتر بين الثقافة والفكر المحافظ، فضلًا عن دور الفنون والموسيقى في تعزيز التماسك الاجتماعي واستعادة سوريا لدورها الثقافي والاقتصادي في المنطقة. وفيما يلي النص الكامل للمقال:

شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا، تمثّل في عودة الفنانة السورية الشهيرة أصالة نصري إلى بلادها لإحياء حفل جماهيري كبير، بعد غياب قسري دام نحو خمسة عشر عامًا. ولم تقتصر دلالات هذه العودة على كونها مجرد مناسبة فنية، بل تحولت إلى ظاهرة تحمل أبعادًا ثقافية، بل وسياسية وهوياتية أيضًا، ترتبط بالمرحلة الانتقالية الجديدة التي تمر بها سوريا. وعلى الرغم من أن الأمر يتعلق بحدث واحد، فإنه استقطب اهتمام شرائح واسعة من المجتمع وأثار مشاعر وردود فعل متباينة لدى فئات مختلفة، الأمر الذي يجعله جديرًا بالتحليل من منظور سوسيولوجي.

كما يحتاج الإنسان بعد الصدمات والكوارث إلى فترة من الحداد والتعافي، تحتاج المجتمعات أيضًا إلى وقت لتضميد جراحها واستعادة توازنها. وبعد سنوات من الحرب والدمار والموت، يحاول السوريون اليوم الانتقال من مرحلة الألم إلى مرحلة التطلع نحو المستقبل واستعادة الحياة الطبيعية. ومن هذا المنظور، تحمل عودة أصالة دلالة رمزية تتجاوز شخصها، لأنها تعكس عودة الفن والحياة الثقافية إلى المجال العام. كما اكتسبت عودتها أهمية إضافية بسبب موقفها خلال سنوات الصراع، إذ اختارت الوقوف إلى جانب الشعب بدلًا من النظام، في وقت انحاز فيه عدد من الفنانين والمثقفين إلى السلطات الحاكمة. وهنا تبرز أهمية العلاقة بين المثقف والمجتمع والسلطة، وهي من القضايا التي تناولها أنطونيو غرامشي في تحليله لدور المثقفين المرتبطين عضويًا بالسلطة، وهو ما عبّر عنه بمفهوم «المثقف العضوي».

أُقيم الحفل وسط أجواء من القلق، بعد انتقادات صدرت عن بعض رجال الدين وتهديدات من جماعات متشددة. ومع ذلك، سمحت إدارة أحمد الشرع، ذات التوجه الإسلامي، بإقامته وعملت على تأمينه، رغم ما قد يمثله ذلك من تحدٍ أيديولوجي. واستمر الحفل أكثر من ثلاث ساعات أمام جمهور كبير ومتحمس، وهو ما أظهر في الوقت نفسه تعقيد العلاقة بين التدين والثقافة داخل المجتمع السوري المحافظ. فمن منظور علم الاجتماع، توجد غالبًا مسافة بين التدين المعياري كما تصوغه النصوص والخطابات الدينية، وبين التدين كما يمارسه الناس فعليًا في حياتهم اليومية. وبالمعنى نفسه، لا يتطابق الجانب المثالي للثقافة دائمًا مع واقعها الاجتماعي.

وقد عكس الحفل أيضًا رغبة في مداواة جراح الماضي واستعادة مظاهر الحياة الطبيعية في بلد لا يزال يواجه أزمات وتحديات أمنية وسياسية. وأكدت أصالة في كلمة أمام جمهورها أن إعادة بناء سوريا وتعافيها لا يمكن أن يكتملَا من دون الفن والموسيقى. كما افتتحت الحفل بأغنية «ارفع رأسك، أنت سوري حر»، التي أثارت حماسًا كبيرًا. وهنا ظهرت الموسيقى بوصفها أكثر من مجرد وسيلة للترفيه؛ فهي قادرة على ربط الماضي بالمستقبل، وتعزيز الإحساس بالانتماء المشترك، وإنتاج ما يمكن مقاربته بمفهوم «العصبية» عند ابن خلدون، أو «الحماس الجمعي» عند إميل دوركايم، أي تلك اللحظات التي يشعر فيها الأفراد بأنهم جزء من جماعة واحدة تتقاسم المشاعر والرموز.

ولم تأتِ أصالة إلى دمشق خالية الوفاض، إذ سبقت عودتها بإطلاق مشروع فني وطني عُرف باسم «ألبوم سوريا»، ويضم أربع عشرة أغنية تراثية تمثل المحافظات السورية الأربع عشرة. كما بدا أنها راعت المناخ المحافظ في المرحلة الجديدة، سواء في ملابسها أو في طبيعة العروض الراقصة المصاحبة للحفل. ومع ذلك، استمرت الانتقادات، وهاجم عدد من الأئمة الحفل في خطب الجمعة في اليوم التالي. ومثل هذه التوترات ليست غريبة في مجتمع يخرج من سنوات طويلة من العنف والانقسام؛ إذ غالبًا ما تنمو الأفكار المتشددة في بيئات الخوف والاضطراب، بينما تساعد الحرية والاستقرار والتنمية على توسيع مساحات الاعتدال. والمهم ألا تتحول الاختلافات الثقافية والدينية إلى عائق أمام العيش المشترك.

وعلى المستوى الأوسع، قد تمثل عودة أصالة مؤشرًا إلى إمكانية استعادة سوريا لدورها الثقافي التاريخي. فقد كانت البلاد مركزًا مهمًا للفكر العربي والأدب والمسرح والموسيقى والدراما، وأسهمت بفاعلية في تشكيل المشهد الثقافي العربي. وإذا نجحت سوريا في تحقيق مزيد من الاستقرار، فإن الثقافة والفنون والسياحة يمكن أن تصبح أدوات مهمة للتعافي الاقتصادي والاجتماعي. فإعادة بناء سوريا لا تعني ترميم المدن والبنية التحتية فقط، بل تعني أيضًا إعادة بناء المجال الثقافي، وتعزيز الثقة الاجتماعية، واستعادة الحضور العربي والاسلامي للبلاد، وصياغة صورة جديدة لسوريا في الداخل والخارج.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!